الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              4485 باب في فضائل فاطمة عليها السلام، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

                                                                                                                              وقال النووي : (باب : من فضائل فاطمة الخ) .

                                                                                                                              وهي بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من خديجة .

                                                                                                                              [ ص: 361 ] ولدت : سنة "إحدى وأربعين" من مولده صلى الله عليه وآله وسلم . وتزوجها على بعد "بدر" ، في السنة الثانية . وولدت له : "حسنا وحسينا ، ومحسنا ، وزينب ، وأم كلثوم ، ورقية" . ولم تبلغ . كذا رواه الطبري ، عن الليث.

                                                                                                                              وقال غيره : فمات "محسن" صغيرا . ولم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ عقب إلا منها .

                                                                                                                              وتوفيت بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم : بستة أشهر . وقيل: بثمانية أشهر . وقيل : بمائة يوم . وقيل : بسبعين . والأول أشهر .

                                                                                                                              وكانت وفاتها : ليلة الثلاثاء ، لثلاث خلون من شهر رمضان ، سنة إحدى عشرة، وهي ابنة "تسع وعشرين سنة" . قاله المدائني . وقيل : ابنة ثلاثين.

                                                                                                                              وصلى عليها : علي . وقيل : العباس . وقيل : أبو بكر ، رضي الله عنهم .

                                                                                                                              [ ص: 362 ] (حديث الباب)

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم النووي ، ص 4 ج16، المطبعة المصرية

                                                                                                                              (عن الزهري، أخبرني علي بن حسين: أن المسور بن مخرمة أخبره: أن علي بن أبي طالب: خطب بنت أبي جهل -وعنده: فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم-، فلما سمعت بذلك، فاطمة: أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: إن قومك يتحدثون: أنك لا تغضب لبناتك. وهذا علي ناكحا ابنة أبي جهل. قال المسور: فقام النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد، ثم قال: "أما بعد! فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني فصدقني، وإن فاطمة بنت محمد: مضغة مني. وإنما أكره: أن يفتنوها. وإنها، والله! لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله: عند رجل واحد أبدا" .

                                                                                                                              قال: فترك علي الخطبة
                                                                                                                              .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن المسور بن مخرمة ، رضي الله عنهما، أن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه: خطب بنت أبي جهل) : "جويرية" بضم الجيم ، وقيل : "العوراء" .

                                                                                                                              [ ص: 363 ] (- وعنده فاطمة بنت النبي ، صلى الله عليه) وآله (وسلم - فلما سمعت بذلك : فاطمة ، رضي الله عنها: أتت النبي ، صلى الله عليه) وآله (وسلم ؛ فقالت له : إن قومك يتحدثون : أنك لا تغضب لبناتك) إذا أوذين . (وهذا علي ناكحا : ابنة أبي جهل) . أي : يريد أن ينكح .

                                                                                                                              وأطلق عليه : اسم "ناكح" مجازا ، باعتبار قصده له .

                                                                                                                              (قال المسور : فقام النبي صلى الله عليه) وآله (وسلم ، فسمعته حين تشهد ، ثم قال : "أما بعد! فإني أنكحت أبا العاص) : لقيط (ابن الربيع) أي : ابنته صلى الله عليه وسلم : "زينب" أكبر بناته . وكان ذلك : قبل النبوة . (فحدثني وصدقني) بتخفيف الدال ، بعد الصاد . أي : في حديثه . وزاد البخاري ، في رواية أخرى : "ووعدني فوفى" .

                                                                                                                              [ ص: 364 ] قال في : "إرشاد الساري" : ولعله كان شرط عليه : أن لا يتزوج على زينب ، فلم يتزوج عليها . وكذلك علي . فإن لم يكن كذلك ، فيحتمل : أن يكون نسي ذلك الشرط . قال: وأسر "أبو العاص" مرة أخرى ، وأجارته زينب ، فأسلم وردها إليه النبي، صلى الله عليه وآله وسلم : إلى نكاحه ، وولدت له "أمامة ، التي كان يحملها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو يصلي .

                                                                                                                              (وإن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم : مضغة مني) بضم الميم.

                                                                                                                              وفي رواية البخاري : "بضعة" بفتح الباء ، وسكون المعجمة .

                                                                                                                              ومعناهما: "قطعة من اللحم" .

                                                                                                                              (وإنما أكره : أن يفتنوها) .

                                                                                                                              ولفظ البخاري : "وإني أكره : أن يسوءها أي أحد : علي أو غيره" (وإنها ، والله! لا تجتمع بنت رسول الله ، وبنت عدو الله) أبي جهل أو غيره : (عند رجل واحد ، أبدا" . قال : فترك علي رضي الله عنه الخطبة) بكسر الخاء .

                                                                                                                              [ ص: 365 ] وقال "ابن داود" - فيما ذكره "المحب الطبري - : حرم الله عز وجل ، على علي : أن ينكح على "فاطمة" حياتها . لقوله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا .

                                                                                                                              وقال "أبو علي" السنجي - في "شرح التلخيص" - : يحرم التزوج على بنات النبي، صلى الله عليه وآله وسلم .

                                                                                                                              قلت : وحديث الباب هذا ، رواه مسلم بطرق وألفاظ ، منها : "إنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها" .

                                                                                                                              وفي رواية عند البخاري : "فاطمة بضعة مني ، فمن أغضبها : أغضبني" .

                                                                                                                              واستدل بهذا "السهيلي" : على أن من سبها ، فإنه يكفر . وأنها أفضل بناته صلى الله عليه وآله وسلم . وعورض : بأن أخواتها : زينب ، ورقية ، وأم كلثوم : يشاركنها في هذه الصفة ؛ لأن كلا منه : "بضعة" منه صلى الله عليه وآله وسلم . وإنما يعتبر التفضيل : بأمر يختص به المفضل على غيره .

                                                                                                                              وأجيب : بأنها امتازت عنه ؛ بأنهن متن في حياته ، فكن في صحيفته . ومات صلى الله عليه وآله وسلم في حياة فاطمة ، فكان في صحيفتها. ولا يقدر قدر ذلك : إلا الله . فانفردت "فاطمة" دون سائر [ ص: 366 ] بناته ، فامتازت بذلك: بأن بشرها في مرض موته : بأنها "سيدة نساء أهل الجنة" . أي : من أهل هذه الأمة المحمدية . وقد ثبت أفضلية هذه الأمة على غيرها ، فتكون "فاطمة" على هذا: أفضل من مريم ، وآسية . وفي ذلك خلاف .

                                                                                                                              وأجيب عن حديث " عائشة " ، عند الطحاوي : أنه صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : "زينب أفضل بناتي" - على تقدير ثبوته - : بأن ذلك كان متقدما . ثم وهب الله عز وجل ، لفاطمة : من الأحوال السنية ، والكمالات العلية : ما لم يشركها فيه أحد، من نساء هذه الأمة مطلقا .

                                                                                                                              وفي رواية ، من قصة الباب : "إني لست أحرم حلالا ، ولا أحل حراما . ولكن ، والله! لا تجتمع بنت رسول الله ، وبنت عدو الله : مكانا واحدا أبدا" .

                                                                                                                              قال النووي : قال العلماء : في هذا الحديث : تحريم إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم : بكل حال ، وعلى كل وجه . وإن تولد ذلك الإيذاء : مما كان أصله مباحا ، وهو حي . وهذا بخلاف غيره . قالوا : وقد أعلم صلى الله عليه وآله وسلم : بإباحة نكاح "بنت أبي جهل" لعلي، ولكن نهى عن الجمع بينهما : لعلتين منصوصتين :

                                                                                                                              إحداهما : أن ذلك يؤدي إلى أذى "فاطمة" ، فيتأذى حينئذ : [ ص: 367 ] النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فيهلك من آذاه . فنهى عن ذلك ، لكمال شفقته على علي ، وعلى فاطمة .

                                                                                                                              والثانية : خوف الفتنة عليها ، بسبب الغيرة .

                                                                                                                              وقيل : ليس المراد به النهي عن جمعهما ، بل معناه : "أعلم من فضل الله : أنهما لا تجتمعان" .كما قال أنس بن النضر : والله ! لا تكسر ثنية الربيع .

                                                                                                                              ويحتمل : أن المراد : تحريم جمعهما . والله أعلم .




                                                                                                                              الخدمات العلمية