الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


214 [ ص: 347 ] ( 16 ) باب إتمام المصلي ما ذكر إذا شك في صلاته

185 - مالك عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا شك أحدكم في صلاته ، فلم يدر كم صلى : أثلاثا أم أربعا ; فليصل ركعة ، وليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ، فإن كانت الركعة التي صلى خامسة - شفعها بهاتين السجدتين ، وإن كانت [ ص: 348 ] رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان " .

التالي السابق


5361 - لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث إلا ما روي عن الوليد بن مسلم ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - عليه السلام - .

5362 - وقد ذكرنا في التمهيد من وصله عن زيد بن أسلم من الثقات ، ومن أرسله عنه ، وتابع مالكا على ذلك .

[ ص: 349 ] 5363 - قال الأثرم : سألت أحمد بن حنبل عن حديث أبي سعيد في السهو : [ ص: 350 ] أتذهب إليه ؟ قال : نعم ، أذهب إليه . قلت : إنهم يختلفون في إسناده . قال : إنما قصر به مالك ، وقد أسنده عدة منهم : ابن عجلان ، وعبد العزيز بن [ ص: 351 ] أبي سلمة .

5364 - وفي هذا الحديث من الفقه أصل عظيم جسيم يطرد في أكثر الأحكام ، وهو أن اليقين لا يزيله الشك ، وأن الشيء مبني على أصله المعروف حتى يزيله يقين لا شك معه ; وذلك أن الأصل في الظهر أربع ركعات ، فإذا أحرم بها لزمه إتمامها ، فإن شك في ذلك فيقينه أنه على أصل فرضه في أربع ركعات ، لا يخرجه منه إلا يقين مثله .

5365 - وقد غلط قوم من عوام المنتسبين إلى الفقه في هذا الباب ; فظنوا أن الشك أوجب على المصلي إتمام صلاته والإتيان بالركعة ، واحتجوا بذلك لإعمال الشك في بعض نوازلهم .

5366 - وهذا غلط بين ، بل اليقين بأنها أربع ركعات فرضا أوجب عليه إتمامها .

5367 - ويوضح ذلك أيضا حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - عليه السلام - قال : " إذا أتى أحدكم الشيطان في صلاته ، فقال : إنك أحدثت ، فلا ينصرف حتى يسمع بأذنيه صوته ، أو يجد بأنفه ريحه " .

[ ص: 352 ] 5368 - وكذلك حديث عبد الله بن زيد بن عاصم قال : شكا إلى رسول الله - عليه السلام - الرجل يخيل إليه الشيء في الصلاة ، فقال : " لا تنصرف حتى تسمع صوتا ، أو تجد ريحا " .

5369 - ألا ترى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ينقله عن أصل طهارته التي كان قد تيقنها بشك عرض له حتى يستيقن الحدث .

5370 - والأصل في هذا وفي البناء على اليقين سواء ، إلا أن مالكا قال : من شك في الحدث بعد يقينه بالوضوء فعليه الوضوء . ولم يتابعه على هذا القول أحد غيره إلا من قال بقوله من أصحابه .

5371 - وقد خالف ابن نافع مالكا في هذه المسألة ، فقال : لا وضوء عليه .

5372 - وقال أبو الفرج : إن ذلك استحباب من مالك واحتياط منه .

5373 - وقال ابن خويز منداد : اختلفت الرواية عن مالك فيمن توضأ ، ثم شك : هل أحدث أم لا ; فقال : عليه الوضوء ، وقال : لا وضوء عليه .

5374 - قال : وهو قول سائر الفقهاء .

5375 - قال أبو عمر : مذهب الثوري ، وأبي حنيفة ، والأوزاعي ، والشافعي - البناء على الأصل حدثا كان أو طهارة .

[ ص: 353 ] 5376 - وهو قول أحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود ، والطبري .

5377 - وقد قال مالك : إن عرض له ذلك كثيرا فهو على وضوء .

5378 - وقال فيمن وجد في ثوبه احتلاما وقد بات فيه ليالي وأياما : إنه لا يعيد صلاته ، ولا يغتسل ، إلا من أحدث نوم نامه .

5379 - وأجمع العلماء أن من أيقن بالحدث ، وشك في الوضوء - أن شكه لا يفيد فائدة ، وأن الوضوء واجب عليه .

5380 - ولا خلاف - علمته - بين أهل المدينة وسائر فقهاء الأمصار أنه لا يرث أحد أحدا بالشك في حياته وموته .

5381 - وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن الزيادة في الصلاة لا تفسدها ، ما كانت سهوا أو في إصلاح الصلاة ; لأن الشاك في صلاته إذا أمرناه بالبناء على يقينه وهو يشك : هل صلى واحدة أو اثنتين .

5382 - وممكن أن يكون صلى اثنتين ، فغير مأمون عليه أن يزيد في صلاته ركعة .

5383 - وقد أحكمت السنة أن ذلك لا يضره ، بل هو مأمور به .

5384 - وإذا كان ما ذكرنا كما ذكرنا بطل قول من قال : إن من زاد في صلاته مثل نصفها ساهيا إن صلاته فاسدة .

5385 - وهو قول لبعض أصحابنا ضعيف لا وجه له يصح . والصحيح في مذهب مالك غير ذلك .

5386 - وقد أجمع العلماء على أن من شك في صلاة الصبح : هل صلى واحدة أو اثنتين - حكمه في ذلك حكم من شك في مثل ذلك من صلاة الظهر أو العصر على أصله ، من قال بالتحري ، ومن قال بالبناء على اليقين .

[ ص: 354 ] 5387 - على أن التحري عندنا يعود إلى البناء على اليقين ، على ما نبينه - إن شاء الله - .

5388 - وقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر خمسا ساهيا ، فسجد لسهوه .

5389 - وحكم الركعة والركعتين في ذلك سواء في القياس والمعقول والأصول .

5390 - وقد زدنا هذا المعنى بيانا في التمهيد . والحمد لله .

[ ص: 355 ] 5391 - وفي هذا الحديث أيضا أن الساهي في صلاته إذا فعل ما يجب عليه فعله - يسجد لسهوه .

5392 - وفيه أن سجود السهو في الزيادة قبل السلام . وهذا موضع اختلف فيه العلماء .

5393 - فقال مالك وأصحابه ما قدمنا عنهم ذكره ، قالوا : كل سهو كان نقصانا من الصلاة فالسجود له قبل السلام ; لحديث ابن بحينة عن النبي عليه السلام :



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث