الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب القصاص في القتل

حدثني يحيى عن مالك أنه بلغه أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان يذكر أنه أتي بسكران قد قتل رجلا فكتب إليه معاوية أن اقتله به قال يحيى قال مالك أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية قول الله تبارك وتعالى الحر بالحر والعبد بالعبد فهؤلاء الذكور والأنثى بالأنثى أن القصاص يكون بين الإناث كما يكون بين الذكور والمرأة الحرة تقتل بالمرأة الحرة كما يقتل الحر بالحر والأمة تقتل بالأمة كما يقتل العبد بالعبد والقصاص يكون بين النساء كما يكون بين الرجال والقصاص أيضا يكون بين الرجال والنساء وذلك أن الله تبارك وتعالى قال في كتابه وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فذكر الله تبارك وتعالى أن النفس بالنفس فنفس المرأة الحرة بنفس الرجل الحر وجرحها بجرحه قال مالك في الرجل يمسك الرجل للرجل فيضربه فيموت مكانه أنه إن أمسكه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا به جميعا وإن أمسكه وهو يرى أنه إنما يريد الضرب مما يضرب به الناس لا يرى أنه عمد لقتله فإنه يقتل القاتل ويعاقب الممسك أشد العقوبة ويسجن سنة لأنه أمسكه ولا يكون عليه القتل قال مالك في الرجل يقتل الرجل عمدا أو يفقأ عينه عمدا فيقتل القاتل أو تفقأ عين الفاقئ قبل أن يقتص منه أنه ليس عليه دية ولا قصاص وإنما كان حق الذي قتل أو فقئت عينه في الشيء بالذي ذهب وإنما ذلك بمنزلة الرجل يقتل الرجل عمدا ثم يموت القاتل فلا يكون لصاحب الدم إذا مات القاتل شيء دية ولا غيرها وذلك لقول الله تبارك وتعالى كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد قال مالك فإنما يكون له القصاص على صاحبه الذي قتله وإذا هلك قاتله الذي قتله فليس له قصاص ولا دية قال مالك ليس بين الحر والعبد قود في شيء من الجراح والعبد يقتل بالحر إذا قتله عمدا ولا يقتل الحر بالعبد وإن قتله عمدا وهو أحسن ما سمعت

التالي السابق


21 - باب القصاص في القتل

1583 - ( مالك أنه بلغه أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان يذكر أنه أتي ) بضم أوله ( بسكران ) حال كونه ( قد قتل رجلا فكتب إليه معاوية أن اقتله به ) لأن السكران يؤخذ بجناياته لئلا يتساكر الناس ويقتلون الأنفس والأموال ويدعوا عدم العقل [ ص: 321 ] بالسكر ، والفرق بينه وبين المجنون أنه أدخله على نفسه وأنه يتأتى منه القصد بخلاف المجنون .

( قال مالك : أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية قول ) بالجر بدل ، أو بالرفع أي وهي قول ( الله تبارك وتعالى ) يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ( الحر بالحر ) يقتل لا بالعبد ( والعبد بالعبد ) فهؤلاء الذكور ( والأنثى بالأنثى ) ( سورة البقرة : الآية 178 ) أن القصاص يكون بين الإناث كما يكون بين الذكور ، والمرأة الحرة تقتل بالمرأة الحرة : ( كما يقتل الحر بالحر ) الذكر ( والأمة تقتل بالأمة كما يقتل العبد بالعبد ، والقصاص يكون بين النساء كما يكون بين الرجال ) كما دل على هذا كله الآية ، وبينت السنة كما مر أنه لا بد من المماثلة في الدين ، فلا يقتل مسلم ولو رقيقا بكافر ولو حرا .

( والقصاص أيضا يكون بين الرجال والنساء وذلك أن الله - تبارك وتعالى - قال في كتابه : ( وكتبنا ) فرضنا ( عليهم فيها ) أي التوراة ( أن النفس ) تقتل ( بالنفس ) إذا قتلتها بغير حق ( والعين ) تفقأ ( بالعين والأنف ) يجدع ( بالأنف ، والأذن ) تقطع ( بالأذن ، والسن ) تقلع ( بالسن ) وفي قراءة برفع الأربعة ( والجروح ) بالنصب والرفع ( قصاص ) أي يقتص منها إذا أمكن كيد ورجل وذكر ونحو ذلك ، وما لا يمكن فيه حكومة كما مر ، وهذا الحكم وإن كتب عليهم في التوراة فإنه مستمر في شريعة الإسلام لما ذهب إليه كثير من الفقهاء والأصوليين أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي متقررا ولم ينسخ ، وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة بهذه الآية كما قال .

( فذكر الله - تبارك وتعالى - النفس بالنفس ) وأطلق فلم يقيد بذكر ( فنفس المرأة الحرة بنفس الرجل الحر وجرحها بجرحه ) لعموم الآية .

واحتج أبو حنيفة بعمومها [ ص: 322 ] على قتل المسلم بالكافر الذمي وعلى قتل الحر بالعبد ، وخالفه الجمهور لحديث الصحيحين : " لا يقتل مسلم بكافر " وحكى الإمام الشافعي الإجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك ، قال ابن كثير : لكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصص للآية انتهى .

والدليل هو الحديث المذكور .

( مالك : في الرجل يمسك الرجل للرجل فيضربه فيموت مكانه إنه إن أمسكه وهو يرى ) يعتقد ( أنه يريد قتله قتلا جميعا وإن أمسكه وهو يرى أنه إنما يريد الضرب مما يضرب به الناس لا يرى أنه عمد ) بفتحتين قصد ( لقتله فإنه يقتل القاتل ويعاقب الممسك أشد العقوبة ويسجن ) بعدها ( سنة لأنه أمسكه ولا يكون عليه القتل ) لأنه لم يظن القتل .

( وفي الرجل يقتل الرجل عمدا أو يفقأ عينه عمدا فيقتل القاتل أو تفقأ عين الفاقئ ) بالهمز ( قبل أن يقتص منه أنه ليس عليه دية ولا قصاص وإنما كان حق الذي قتل أو فقئت ) قلعت ( عينه في الشيء ) أي الدية أو القصاص ( بالذي ) الباء سببية أي بسبب الذي ( ذهب ) من قتل أو فقأ عين القاتل أو الفاقئ ( وإنما ذلك بمنزلة الرجل يقتل الرجل عمدا ثم يموت القاتل فلا يكون لصاحب الدم إذا مات القاتل شيء دية ولا غيرها ) بيان لشيء ( وذلك لقول الله ، تبارك وتعالى : كتب ) فرض ( عليكم القصاص في القتلى ) جمع قتيل ، والمعنى فرض عليكم المماثلة والمساواة بين القتلى ( الحر بالحر ) مبتدأ وخبر أي مأخوذ أو مقتول بالحر ( والعبد بالعبد ) عطف عليه ( فإنما يكون القصاص على صاحبه الذي قتله ، [ ص: 323 ] وإذا هلك قاتله الذي قتله فليس له قصاص ) لتعذره ( ولا دية ) في ماله ( وليس بين الحر والعبد قود ) قصاص ( في شيء من الجراح ) لعدم المماثلة ( و ) لكن ( العبد يقتل بالحر إذا قتله عمدا ) وتلك قاعدة أنه يقتل الأدنى بالأعلى .

( ولا يقتل الحر بالعبد وإن قتله عمدا وهو أحسن ما سمعت ) فعليه قيمته ، قتله خطأ أو عمدا لأنه مال .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث