الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
مسألة : ( وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم إلا الطائر فإن فيه قيمته إلا الحمامة فيها شاة والنعامة فيها بدنة ) .

في هذا الكلام فصول : أحدها : أن ما وجب ضمانه من الصيد إما بالحرم أو بالإحرام : فإنه يضمن بمثله من بهيمة الأنعام ، وهي الإبل والبقر والغنم وهو ما شابهه في الخلقة والصفة تقريبا ؛ لأن الله سبحانه قال : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) وقد قرئ بالتنوين ، فيكون المثل هو الجزاء بعينه وهو بدل منه في [ ص: 281 ] الإعراب وقرئ ( فجزاء مثل ما قتل ) بالإضافة ، والمعنى فعطاء مثل المقتول ، فالجزاء على هذا مصدر ، أو اسم مصدر أضيف إلى مفعوله وضمن معنى الإعطاء والإخراج والإيتاء ، ومثل هذا : القراءتان في قوله تعالى : ( فدية طعام مسكين ) وإن كان بعض القراء فرق بينهما حيث جعل الفدية نفس الطعام وجعل الجزاء : إعطاء المثل .

والمراد بالمثل : ما مثال الصيد من جهة الخلقة والصورة سواء كانت قيمته أزيد من قيمة المقتول ، أو أنقص ؛ بدلالة الكتاب ، والسنة ، وإجماع الصحابة .

أما الأول : فمن وجوه ؛ أحدها : أن الله أوجب مثل المقتول ، والمثل إنما يكون من جنس مثله ، فعلم أن المثل حيوان ، ولهذا يقول الفقهاء في الأموال : ذوات الأمثال ، وذوات القيم ، وهذا الشيء يضمنه بمثله ، وهذا يضمن بقيمته ، والأصل بقاء العبارات على ما كانت عليه في لغة العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ، وقيمة المتلف لا يسمى مثلا .

الثاني : أن الله أوجب المثل من النعم : احترازا من إخراج المثل من نوع المقتول ، فإنه لو أطلق المثل لفهم منه أن يخرج عن الضبع ضبع ، وعن الظبي ظبي . ولو كان المثل هو قيمة المقتول : لكان الواجب في ذمة القاتل قيمة [ ص: 282 ] الصيد ثم إنه يصرفها في شراء هدي ، أو شراء صدقة ، حينئذ فلا فرق بين الهدي وبين الصدقة حتى يجعل المثل من أحدهما دون الآخر .

الثالث : أن قوله : ( من النعم ) بيان لجنس المثل كقولهم : باب من حديد وثوب خز ، وذلك يوجب أن يكون المثل من النعم ، ولو كان المثل هو القيمة والنعم مصرف لها لقيل : جزاء مثل ما قتل في النعم .

الرابع : أنه لو كان المراد بالمثل : القيمة لم يكن فرق بين صرفها في الهدي والصدقة ، وكذلك لو أريد بالمثل : الهدي باعتبار مساواته للمقتول في القيمة : فإن الهدي والقيمة مثل بهذا الاعتبار ، وكان يجب على هذا أن يقال : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين ) بالخفض ، والتقدير : فجزاء مثل المقتول من النعم ومن الكفارة ، فإنهما على هذا التقدير سواء . فلما كانت القراءة ترفع كفارة : علم أنها معطوفة على جزاء وأنها ليست من المثل المذكور في الآية وذلك يوجب أن لا يكون المثل القيمة ولا ما اشتري بالقيمة .

الخامس : أنه سبحانه قال في جزاء المثل : ( يحكم به ذوا عدل منكم ) ولا يجوز أن يكون المراد به تقويم التلف ؛ لأن التقويم بالنسبة إلى الهدي والصدقة واحد . فلما خص ذوي العدل بالجزاء دون الكفارة : علم أنه المثل من جهة الخلقة والصورة .

فإن قيل : فالآية تقتضي الإيجاب الجزاء في قتل صيد وذلك يعم ما له نظير ، وما لا نظير له ، وهذا إنما يكون في القيمة .

قلنا يقتضي إيجاب جزاء المثل من النعم إن أمكنه ؛ لأنه أوجب واحدا من ثلاثة وذلك مشروط بالإمكان بدليل من يوجب القيمة إنما يصرفها في النعم إذا [ ص: 283 ] أمكن أن يشتري بها فتكون القيمة لا تصلح لشراء هدي : هو بمثابة عدم النظير في الخلقة .

وأما السنة : وعليه اعتمد أحمد : فما روى جابر بن عبد الله قال : " جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الضبع يصيبه المحرم كبشا وجعله من الصيد " رواه أبو داود وابن ماجه .

وأما إجماع الصحابة : فإنه روي عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس وابن الزبير : أنهم قضوا في النعامة ببدنة وفي حمار الوحش ، وبقرة الأيل والثيتل والوعل : ببقرة وفي الضبع بكبش ، وفي الغزال بعنز ، وفي اليربوع بجفرة ، وإنما حكموا بذلك لمماثلته في الخلقة لا على جهة القيمة ؛ لوجوه ؛ أحدها : أن ذلك مبين في قصصهم كما سيأتي بعضه إن شاء الله .

الثاني : أن كل واحد من هذه القضايا تعددت في أمكنة وأزمنة مختلفة ، فلو كان المحكوم به قيمته لاختلفت باختلاف الأوقات والبقاع . فلما قضوا به على وجه واحد علم أنهم لم يعتبروا القيمة .

الثالث : أنه معلوم أن البدنة أكثر قيمة من النعامة والبقرة أكثر قيمة من حمار الوحش ، والكبش أكثر قيمة ، كما شهد به عرف الناس .

الرابع : أنهم قضوا في اليربوع جفرة ... .

التالي السابق


الخدمات العلمية