الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : أحل لكم صيد البحر ، الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      ظاهر عموم هذه الآية الكريمة يشمل إباحة صيد البحر للمحرم بحج أو عمرة ، وهو كذلك ، كما بينه تخصيصه تعالى تحريم الصيد على المحرم بصيد البر في قوله : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم [ 5 \ 96 ] ، فإنه يفهم منه أن صيد البحر لا يحرم على المحرم ، كما هو ظاهر .

                                                                                                                                                                                                                                      مسائل تتعلق بالاصطياد

                                                                                                                                                                                                                                      في الإحرام أو في الحرم

                                                                                                                                                                                                                                      المسألة الأولى : أجمع العلماء على منع صيد البر للمحرم بحج أو عمرة .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا الإجماع في مأكول اللحم الوحشي كالظبي ، والغزال ونحو ذلك ، وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه ، لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة - رضي الله عنه - أنه كان مع قوم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو حلال وهم محرمون ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرم أمامهم ، فأبصروا حمارا وحشيا وأبو قتادة مشغول يخصف نعله فلم يؤذنوه ، وأحبوا لو أنه أبصره فأبصره فأسرج فرسه ; ثم ركب ونسي سوطه ورمحه فقال لهم : ناولوني السوط والرمح ، فقالوا : والله لا نعينك عليه ، فغضب فنزل [ ص: 430 ] فأخذهما فركب فشد على الحمار فعقره ثم جاء به وقد مات ، فوقعوا فيه يأكلونه ، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم ، فأدركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألوه فقررهم على أكله ، وناوله أبو قتادة عضد الحمار الوحشي ، فأكل منها - صلى الله عليه وسلم - ، ولمسلم : " هل أشار إليه إنسان أو أمره بشيء " ، قالوا : لا ، قال : " فكلوه " .

                                                                                                                                                                                                                                      وللبخاري : " هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها " ، أو " أشار إليها " قالوا : لا ، قال : " فكلوا ما بقي من لحمها " ، وقد أجمع جميع العلماء على أن ما صاده محرم لا يجوز أكله للمحرم الذي صاده ، ولا لمحرم غيره ، ولا لحلال غير محرم ; لأنه ميتة .

                                                                                                                                                                                                                                      واختلف العلماء في أكل المحرم مما صاده حلال على ثلاثة أقوال ، قيل : لا يجوز له الأكل مطلقا ، وقيل : يجوز مطلقا ، وقيل : بالتفصيل بين ما صاده لأجله ، وما صاده لا لأجله فيمنع الأول دون الثاني .

                                                                                                                                                                                                                                      واحتج أهل القول الأول بحديث الصعب بن جثامة - رضي الله عنه : أنه أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان ، فرده عليه ، فلما رأى ما في وجهه قال : " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرام " ، متفق عليه ، ولأحمد ومسلم " لحم حمار وحشي " .

                                                                                                                                                                                                                                      واحتجوا أيضا بحديث زيد بن أرقم - رضي الله عنه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدي له عضو من لحم صيد فرده ، وقال : " إنا لا نأكله إنا حرم " أخرجه أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي .

                                                                                                                                                                                                                                      واحتجوا أيضا بعموم قوله تعالى : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ، ويروى هذا القول عن علي ، وابن عباس ، وابن عمر ، والليث ، والثوري ، وإسحاق ، وعائشة وغيرهم .

                                                                                                                                                                                                                                      واحتج من قال : بجواز أكل المحرم ما صاده الحلال مطلقا ; بعموم الأحاديث الواردة بجواز أكل المحرم من صيد الحلال ، كحديث طلحة بن عبيد الله عند مسلم ، والإمام أحمد : أنه كان في قوم محرمون ، فأهدي لهم طير ، وطلحة راقد ، فمنهم من أكل ومنهم من تورع فلم يأكل ، فلما استيقظ طلحة - رضي الله عنه - وافق من أكله وقال : أكلناه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                                      وكحديث البهزي واسمه زيد بن كعب ، أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - في حمار وحشي عقير [ ص: 431 ] في بعض وادي الروحاء وهو صاحبه : شأنكم بهذا الحمار ، فأمر - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر فقسمه في الرفاق وهم محرمون ، أخرجه الإمامان مالك في " موطئه " ، وأحمد في " مسنده " ، والنسائي ، وصححه ابن خزيمة وغيره ، كما قاله ابن حجر ، وممن قال بإباحته مطلقا أبو حنيفة وأصحابه .

                                                                                                                                                                                                                                      قال مقيده - عفا الله عنه : أظهر الأقوال وأقواها دليلا ، هو القول المفصل بين ما صيد لأجل المحرم ; فلا يحل له ، وبين ما صاده الحلال ، لا لأجل المحرم ; فإنه يحل له .

                                                                                                                                                                                                                                      والدليل على هذا أمران :

                                                                                                                                                                                                                                      الأول : أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن ; لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، ولا طريق للجمع إلا هذه الطريق ، ومن عدل عنها لا بد أن يلغي نصوصا صحيحة .

                                                                                                                                                                                                                                      الثاني : أن جابرا - رضي الله عنه - روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ، ما لم تصيدوه ، أو يصد لكم " ، رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم ، والبيهقي ، والدارقطني .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الشافعي : هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس ، فإن قيل في إسناد هذا الحديث ، عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن مولاه المطلب ، عن جابر ، وعمرو مختلف فيه ، قال فيه النسائي : ليس بالقوي في الحديث ، وإن كان قد روى عنه مالك .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الترمذي في مولاه المطلب أيضا : لا يعرف له سماع من جابر ، وقال فيه الترمذي أيضا في موضع آخر ، قال محمد : لا أعرف له سماعا من أحد من الصحابة ، إلا قوله حدثني من شهد خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                                      فالجواب أن هذا كله ليس فيه ما يقتضي رد هذا الحديث ; لأن عمرا المذكور ثقة ، وهو من رجال البخاري ومسلم ، وممن روى عنه مالك بن أنس ، وكل ذلك يدل على أنه ثقة ، وقال فيه ابن حجر في " التقريب " : ثقة ربما وهم ، وقال فيه النووي في " شرح المهذب " : أما تضعيف عمرو بن أبي عمرو فغير ثابت ; لأن البخاري ، ومسلما رويا له في صحيحيهما ، واحتجا به ، وهما القدوة في هذا الباب .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 432 ] وقد احتج به مالك ، وروى عنه وهو القدوة ، وقد عرف من عادته أنه لا يروي في كتابه إلا عن ثقة ، وقال أحمد بن حنبل فيه : ليس به بأس ، وقال أبو زرعة : هو ثقة ، وقال أبو حاتم : لا بأس به .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن عدي : لا بأس به ; لأن مالكا روى عنه ، ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة ، قلت : وقد عرف أن الجرح لا يثبت إلا مفسرا ، ولم يفسره ابن معين ، والنسائي بما يثبت تضعيف عمرو المذكور ، وقول الترمذي : إن مولاه المطلب بن عبد الله بن حنطب ، لا يعرف له سماع من جابر ، وقول البخاري للترمذي : لا أعرف له سماعا من أحد من الصحابة إلا قوله : حدثني من شهد خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس في شيء من ذلك ما يقتضي رد روايته ، لما قدمنا في سورة النساء من أن التحقيق هو الاكتفاء بالمعاصرة .

                                                                                                                                                                                                                                      ولا يلزم ثبوت اللقي ، وأحرى ثبوت السماع ، كما أوضحه الإمام مسلم بن الحجاج - رحمه الله تعالى - في مقدمة " صحيحه " ، بما لا مزيد عليه ، مع أن البخاري ذكر في كلامه هذا الذي نقله عنه الترمذي ، أن المطلب مولى عمرو بن أبي عمرو المذكور ، صرح بالتحديث ممن سمع خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو تصريح بالسماع من بعض الصحابة بلا شك .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال النووي في " شرح المهذب " : وأما إدراك المطلب لجابر ، فقال ابن أبي حاتم : وروى عن جابر ، قال : ويشبه أن يكون أدركه ، هذا هو كلام ابن أبي حاتم ، فحصل شك في إدراكه ، ومذهب مسلم بن الحجاج الذي ادعى في مقدمة " صحيحه " الإجماع فيه أنه لا يشترط في اتصال الحديث اللقاء ، بل يكتفى بإمكانه ، والإمكان حاصل قطعا ، ومذهب علي بن المديني ، والبخاري ، والأكثرين اشتراط ثبوت اللقاء ، فعلى مذهب مسلم الحديث متصل ، وعلى مذهب الأكثرين يكون مرسلا لبعض كبار التابعين ، وقد سبق أن مرسل التابعي الكبير يحتج به عندنا إذا اعتضد بقول الصحابة ; أو قول أكثر العلماء ، أو غير ذلك مما سبق .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد اعتضد هذا الحديث ، فقال به من الصحابة - رضي الله عنهم - من سنذكره في فرع مذاهب العلماء . اهـ . كلام النووي ، فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث المذكور على كل التقديرات ، على مذاهب الأئمة الأربعة ; لأن الشافعي منهم هو الذي لا يحتج [ ص: 433 ] بالمرسل ، وقد عرفت احتجاجه بهذا الحديث على تقدير إرساله .

                                                                                                                                                                                                                                      قال مقيده - عفا الله عنه : نعم ، يشترط في قبول رواية المدلس التصريح بالسماع ، والمطلب المذكور مدلس ، لكن مشهور مذهب مالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد - رحمهم الله تعالى - صحة الاحتجاج بالمرسل ، ولاسيما إذا اعتضد بغيره كما هنا ، وقد علمت من كلام النووي موافقة الشافعية .

                                                                                                                                                                                                                                      واحتج من قال بأن المرسل حجة بأن العدل لا يحذف الواسطة مع الجزم بنسبة الحديث لمن فوقها ، إلا وهو جازم بالعدالة والثقة فيمن حذفه ، حتى قال بعض المالكية : إن المرسل مقدم على المسند ; لأنه ما حذف الواسطة في المرسل إلا وهو متكفل بالعدالة والثقة فيما حذف بخلاف المسند ، فإنه يحيل الناظر عليه ، ولا يتكفل له بالعدالة والثقة ، وإلى هذا أشار في " مراقي السعود " بقوله في مبحث المرسل : [ الرجز ]


                                                                                                                                                                                                                                      وهو حجة ولكن رجحا عليه مسند وعكس صححا



                                                                                                                                                                                                                                      ومن المعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى ، فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث المذكور عند مالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد مع أن هذا الحديث له شاهد عند الخطيب وابن عدي من رواية عثمان بن خالد المخزومي ، عن مالك ، عن ابن عمر ، كما نقله ابن حجر في " التلخيص " وغيره وهو يقويه .

                                                                                                                                                                                                                                      وإن كان عثمان المذكور ضعيفا ; لأن الضعيف يقوي المرسل ، كما عرف في علوم الحديث ، فالظاهر أن حديث جابر هذا صالح ، وأنه نص في محل النزاع ، وهو جمع بين هذه الأدلة بعين الجمع الذي ذكرنا أولا ، فاتضح بهذا أن الأحاديث الدالة على منع أكل المحرم مما صاده الحلال كلها محمولة على أنه صاده من أجله ، وأن الأحاديث الدالة على إباحة الأكل منه محمولة على أنه لم يصده من أجله ، ولو صاده لأجل محرم معين حرم على جميع المحرمين ، خلافا لمن قال : لا يحرم إلا على ذلك المحرم المعين الذي صيد من أجله .

                                                                                                                                                                                                                                      ويروى هذا عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وهو ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم : " أو يصد لكم " ، ويدل للأول ظاهر قوله في حديث أبي قتادة : " هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها ، أو أشار لها ؟ " قالوا : لا ، قال : " فكلوه " ، فمفهومه أن إشارة واحد منهم تحرمه عليهم كلهم ، ويدل له أيضا ما رواه أبو داود عن علي أنه دعي وهو محرم إلى [ ص: 434 ] طعام عليه صيد فقال : " أطعموه حلالا فإنا حرم " ، وهذا مشهور مذهب مالك عند أصحابه مع اختلاف قوله في ذلك .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية