الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في إقرار المريض بدين وجب له على وارثه

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وإن أقر باستيفاء دين وجب له على وارث لا يصح سواء وجب بدلا عما هو مال أو بدلا عما ليس بمال لأنه إقرار بالدين لما بينا أن استيفاء الدين بطريق المقاصة ، وهو أن يصير المستوفى دينا في ذمة المستوفي فكان إقراره بالاستيفاء إقرارا بالدين ، وإقرار المريض لوارثه باطل .

وعلى هذا إذا تزوج امرأة فأقرت في مرض موتها أنها استوفت مهرها من زوجها ولا يعلم ذلك إلا بقولها وعليها دين الصحة ثم ماتت قبل أن يطلقها زوجها ولا مال لها غير المهر لا يصح إقرارها ويؤمر الزوج برد المهر إلى الغرماء فيكون بين الغرماء بالحصص ; لأن الزوج وارثها وإقرار المريض بدين وجب له على وارثه لا يصح وإن وجب بدلا عما ليس بمال لما بينا أن ذلك إقرار بالدين للوارث وأنه باطل ولو أقرت في مرضها أنها استوفت المهر من زوجها ثم طلقها الزوج قبل الدخول بها يصح إقرارها ; لأن الزوج بالطلاق قبل الدخول خرج من أن يكون وارثا لها فلم يكن إقرارها باستيفاء المهر منه إقرارا بالدين للوارث فصح ، وليس [ ص: 228 ] للزوج أن يضارب الغرماء بنصف المهر فيقول أنها أقرت باستيفاء جميع المهر مني وهي لا تستحق بالطلاق قبل الدخول إلا نصف المهر فصار نصف المهر دينا لي عليها فأنا أضرب مع غرمائها ; لأن إقرارها بالاستيفاء إنما يصح في حق براءة الزوج عن المهر لا في حق إثبات الشركة في مالها مع غرمائها ; لأن ديونهم ديون الصحة ، وإقرارها للزوج في حالة المرض فلا يصح في حقهم ولو كان الزوج دخل بها فأقرت باستيفاء المهر ثم طلقها طلاقا بائنا أو رجعيا ثم ماتت بعد انقضاء العدة فكذلك الجواب ; لأن الزوج عند الموت ليس بوارث ولو ماتت قبل انقضاء العدة لا يصح إقرارها ( أما ) في الطلاق الرجعي فلأن الزوجية باقية والوراثة قائمة ( وأما ) في البائن فلأن العدة باقية ، وكانت ممنوعة من هذا الإقرار لقيام النكاح في حالة العدة فكان النكاح قائما من وجه فلا يزول المنع ما دام المانع قائما من وجه ، ولهذا لا تقبل شهادة المعتدة لزوجها وإن كان الطلاق بائنا ، وإذا لم يصح إقرارها وعليها ديون الصحة فيستوفي أصحاب ديون الصحة ديونهم فإن فضل من مالها شيء ينظر إلى المهر وإلى ميراثه منها فيسلم له الأقل منهما ومشايخنا يقولون إن هذا الجواب على قول .

أبي حنيفة رضي الله عنه ( وأما ) على قولهما يجب أن يكون إقرارها باستيفاء المهر من الزوج صحيحا في حق التقديم على الورثة في جميع ما أقرت ( وأصل ) المسألة في كتاب الطلاق في المريض يطلق امرأته بسؤالها ثم يقر لها بمال أنه يصح إقراره عندهما لأنها أجنبية لا ميراث لها منه ، وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول لها الأقل من نصيبها من الميراث ومما أقر لها به فهما يعتبران ظاهر كونها أجنبية ، وأبو حنيفة - رحمه الله - يقول : يحتمل أنهما تواضعا على ذلك ليقر لها بأكثر من نصيبها فكان متهما فيما زاد على ميراثها في حق سائر الورثة فلم يصح فهذا كذلك ، والعبد المأذون في حالة المرض في الإقرار باستيفاء دين الصحة والمرض كالحر ; لأنه يملك الإقرار باستيفاء الدين وقبضه كالحر ، فكل ما صح من الحر يصح منه وما لا فلا ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث