الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي أعيد فعل ( ترى ) للاهتمام بهذه الرؤية وتهويلها كما أعيد فعل ( تلاقوا ) في قول وداك بن ثميل المازني :


رويدا بني شيبان بعض وعيدكم تلاقوا غدا خيلي على سفـوان     تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى
إذا ظهرت في المأزق المتداني



[ ص: 126 ] والعرض : أصله إظهار الشيء وإراءته للغير ، ولذلك كان قول العرب : عرضت البعير على الحوض ، معدودا عند علماء اللغة وعلماء المعاني من قبيل القلب في التركيب ، ثم تتفرع عليه إطلاقات عديدة متقاربة دقيقة تحتاج إلى تدقيق .

ومن إطلاقاته قولهم : عرض الجند على الأمير ، وعرض الأسرى على الأمير ، وهو إمرارهم ليرى رأيه في حالهم ومعاملتهم ، وهو إطلاقه هنا على طريق الاستعارة ، استعير لفظ ( يعرضون ) لمعنى : يمر بهم مرا عاقبته التمكن منهم والحكم فيهم فكأن جهنم إذا عرضوا عليها تحكم بما أعد الله لهم من حريقها ، ويفسره قوله في سورة الأحقاف ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها الآية .

وقد تقدم إطلاق له آخر عند قوله تعالى : ثم عرضهم على الملائكة في سورة البقرة .

وبني فعل ( يعرضون ) للمجهول لأن المقصود حصول الفعل لا تعيين فاعله . والذين يعرضون الكافرين على النار هم الملائكة كما دلت عليه آيات أخرى .

وضمير ( عليها ) عائد إلى العذاب بتأويل أنه النار أو جهنم أو عائد إلى جهنم المعلومة من المقام .

وانتصب ( خاشعين ) على الحال من ضمير الغيبة في ( تراهم ) لأنها رؤية بصرية .

والخشوع معناه : التطامن وأثر انكسار النفس من استسلام واستكانة فيكون للمخافة ، وللمهابة ، وللطاعة ، وللعجز عن المقاومة .

والخشوع مثل الخضوع إلا أن الخضوع لا يسند إلا إلى البدن فيقال : خضع فلان ، ولا يقال : خضع بصره إلا على وجه الاستعارة ، كما في قوله تعالى : فلا تخضعن بالقول ، وأما الخشوع فيسند إلى البدن كقوله تعالى : خاشعين لله في آخر سورة آل عمران . ويسند إلى بعض أعضاء البدن كقوله تعالى [ ص: 127 ] خشعا أبصارهم في سورة القمر ، وقوله : وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا في سورة طه .

والمراد بالخشوع في هذه الآية ما يبدو عليهم من أثر المذلة والمخافة .

فقوله : من الذل متعلق بـ ( خاشعين ) وتعلقه به يغني عن تعليقه بـ ( ينظرون ) ويفيد ما لا يفيده تعليقه به .

و ( من ) للتعليل ، أي خاشعين خشوعا ناشئا عن الذل ، أي ليس خشوعهم لتعظيم الله والاعتراف له بالعبودية لأن ذلك الاعتقاد لم يكن من شأنهم في الدنيا .

وجملة ينظرون من طرف خفي في موضع الحال من ضمير خاشعين لأن النظر من طرف خفي حالة للخاشع الذليل ، والمقصود من ذكرها تصوير حالتهم الفظيعة .

وفي قريب من هذا المعنى قول النابغة يصف سبايا :


ينظرن شزرا إلى من جاء عن عرض     بأوجه منـكـرات الـرق أحـرار



وقول جرير :


فغض الطرف إنك من نمير     فلا كعبا بلغت ولا كلابـا



والطرف ، أصله مصدر ، وهو تحريك جفن العين ، يقال : طرف من باب ضرب ، أي حرك جفنه ، وقد يطلق على العين من تسمية الشيء بفعله ، ولذلك لا يثنى ولا يجمع ، قال تعالى : لا يرتد إليهم طرفهم . ووصفه في هذه الآية بـ ( خفي ) يقتضي أنه أريد به حركة العين ، أي ينظرون نظرا خفيا ، أي لا حدة له فهو كمسارقة النظر ، وذلك من هول ما يرونه من العذاب ، فهم يحجمون عن مشاهدته للروع الذي يصيبهم منها ، ويبعثهم ما في الإنسان من حب الاطلاع على أن يتطلعوا لما يساقون إليه كحال الهارب الخائف ممن يتبعه ، فتراه يمعن في الجري ويلتفت وراءه الفينة بعد الفينة لينظر هل اقترب منه الذي يجري وراءه وهو في تلك الالتفاتة أفات خطوات من جريه لكن حب الاطلاع يغالبه .

[ ص: 128 ] و ( من ) في قوله : من طرف خفي للابتداء المجازي . والمعنى : ينظرون نظرا منبعثا من حركة الجفن الخفية .

وحذف مفعول ينظرون للتعميم أي ينظرون العذاب ، وينظرون أهوال الحشر وينظرون نعيم المؤمنين من طرف خفي .

التالي السابق


الخدمات العلمية