الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ

فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ الفاء للتفريع على قوله : استجيبوا لربكم الآية ، وهو جامع لما تقدم كما علمت إذ أمر الله نبيئه بدعوتهم للإيمان من قوله في أول السورة وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها ثم قوله : فلذلك فادع واستقم . وما تخلل ذلك واعترضه من تضاعيف الأمر الصريح والضمني إلى قوله : استجيبوا لربكم . الآية . ثم فرع على ذلك كله إعلام الرسول صلى الله عليه وسلم بمقامه وعمله إن أعرض معرضون من الذين يدعوهم ، وبمعذرته فيما قام به وأنه غير مقصر ، وهو تعريض بتسليته على ما لاقاه منهم ، والمعنى : فإن أعرضوا بعد هذا كله فما أرسلناك حفيظا عليهم ومتكفلا بهم إذ ما عليك إلا البلاغ .

وإذ قد كان ما سبق من الأمر بالتبليغ والدعوة مصدرا بقوله أوائل السورة والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل ، لا جرم ناسب أن يفرع على تلك الأوامر بعد تمامها مثل ما قدم لها فقال : فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ .

وهذا الارتباط هو نكتة الالتفات من الخطاب الذي في قوله : استجيبوا لربكم [ ص: 133 ] الآية ، إلى الغيبة في قوله هنا فإن أعرضوا وإلا لقيل : فإن أعرضتم .

والحفيظ تقدم في صدر السورة وقوله : فما أرسلناك عليهم حفيظا ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنه دليل عليه ، وقائم مقامه ، إذ المعنى : فإن أعرضوا فلست مقصرا في دعوتهم ، ولا عليك تبعة صدهم إذ ما أرسلناك حفيظا عليهم ، بقرينة قوله : إن عليك إلا البلاغ .

وجملة إن عليك إلا البلاغ بيان لجملة فما أرسلناك عليهم حفيظا باعتبار أنها دالة على جواب الشرط المقدر .

و ( إن ) الثانية نافية . والجمع بينها وبين ( إن ) الشرطية في هذه الجملة جناس تام .

والبلاغ : التبليغ ، وهو اسم مصدر ، وقد فهم من الكلام أنه قد أدى ما عليه من البلاغ لأن قوله : فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا دل على نفي التبعة عن النبيء صلى الله عليه وسلم من إعراضهم ، وأن الإعراض هو الإعراض عن دعوته ، فاستفيد أنه قد بلغ الدعوة ولولا ذلك ما أثبت لهم الإعراض .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث