الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان ما يقبل التأول من الكلام وما لا يقبله

فصل

في بيان ما يقبل التأول من الكلام وما لا يقبله

لما كان وضع الكلام للدلالة على مراد المتكلم وكان مراده لا يعلم إلا بكلامه ، انقسم كلامه ثلاثة أقسام : أحدها : ما هو نص في مراده لا يقبل محتملا غيره ، والثاني : ما هو ظاهر في مراده وإن احتمل أن يريد غيره ، الثالث : ما ليس بنص ولا ظاهر في المراد بل هو محتمل محتاج إلى البيان ، فالأول يستحيل دخول التأويل فيه ، إذ تأويله كذب ظاهر على المتكلم ، وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها ، خصوصا آيات الصفات والتوحيد ، وإن الله مكلم ، متكلم ، آمر ، ناه ، قائل ، مخبر ، موجد ، حاكم ، واعد ، وموعد ، مبين ، هاد ، داع إلى دار السلام ، وأنه تعالى فوق عباده عال على كل شيء ، مستو على عرشه ، ينزل الأمر من عنده ، ويعرج إليه ، وأنه [ ص: 63 ] فعال حقيقة ، وأنه كل يوم في شأن ، فعال لما يريد ، وأنه ليس للخلق من دونه ولي ولا شفيع يطاع ولا ظهير ، وأنه المتفرد بالربوبية والتدبير والقيومية ( فإنه يعلم السر وأخفى ) ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) وأنه يسمع الكلام الخفي كما يسمع الجهر ، ويرى ما في السماوات والأرض ، ولا تخفى عليه منها ذرة واحدة ، وأنه على كل شيء قدير ، ولا يخرج مقدور واحد عن قدرته البتة ، كما لا يخرج عن علمه وتكوينه ، وأن له ملائكة مدبرة بأمره للعالم تصعد وتنزل وتتحرك وتتنقل من مكان إلى مكان ، وأنه يذهب بالدنيا ويخرب هذا العالم ويأتي بالآخرة ، ويبعث من في القبور ، إلى أمثال ذلك من النصوص التي هي في الدلالة على مرادها كدلالة لفظ العشرة والثلاثة على مدلولها ، وكدلالة لفظ الشمس والقمر والليل والنهار والبر والبحر والبغال والإبل والبقر والذكر والأنثى على مدلولها ، لا فرق بين ذلك البتة .

فهذا القسم إن سلط التأويل عليه عاد الشرع كله مؤولا ، لأنه أظهر أقسام القرآن ثبوتا وأكثرها ورودا ودلالة ، ودلالة القرآن عليه متنوعة غاية التنوع ، فقبول ما سواه للتأويل أقرب من قبوله بكثير .

القسم الثاني : ما هو ظاهر في مراد المتكلم ولكنه يقبل التأويل ، فهذا ينظر في وروده فإن اطرد استعماله على وجه استحال تأويله بما يخالف ظاهره ، لأن التأويل إنما يكون لموضع جاء خارجا عن نظائره ، متفردا عنها فيؤول حتى يرد إلى نظائره ، وتأويل هذا غير ممتنع إذا عرف من عادة المتكلم اطراد كلامه في توارد استعماله معنى ألفه المخاطب ، فإذا جاء موضع يخالفه رده السامع إلى ما عهد من عرف المخاطب إلى عادته المطردة .

وهذا هو المعقول في الأذهان والفطر وعند كافة العقلاء .

وقد صرح أئمة العربية بأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادعى فيه حذفه قد استعمل فيه ثبوته أكثر من حذفه ، فلا بد أن يكون موضع ادعاء الحذف قد استعمل فيه ثبوته أكثر من حذفه ، حتى إذا جاء ذلك محذوفا في موضع علم بكثرة ذكره في نظائره أنه قد أزيل في هذا الموضع فحمل عليه ، فهذا شأن من يقصد البيان ، وأما من يقصد التلبيس والتعمية فله شأن آخر .

[ ص: 64 ] مثال ذلك قوله : ( الرحمن على العرش استوى ) ( ثم استوى على العرش ) في جميع موارده من أولها إلى آخرها على هذا اللفظ ، فتأويله باستولى باطل ، وإنما كان يصح أن لو كان كثر مجيئه بلفظ استولى ، ثم يخرج موضع عن نظائره ويرد بلفظ استولى ، فهذا كان يصح تأويله باستولى ، فتفطن لهذا الموضع واجعله قاعدة فيما يمتنع تأويله من كلام المتكلم ويجوز تأويله .

ونظير هذا اطراد النصوص بالنظر إلى الله تعالى هكذا " ترون ربكم " " تنظرون إلى ربكم " ( إلى ربها ناظرة ) ولم يجئ في موضع واحد : ترون ثواب ربكم ، فيحمل عليه ما خرج عن نظائره .

ونظير ذلك اطراد قوله : ( وناديناه ) ( يناديهم ) ( وناداهما ربهما ) ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ) ( إذ ناداه ربه ) ونظائرها ، ولم يجئ في موضع واحد : أمرنا من يناديهم ، ولا : ناداه ملك ، فتأويله بذلك عين المحال .

ونظير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول . . . " في نحو ثلاثين حديثا ، كلها مصرحة بإضافة النزول إلى الرب تعالى : ولم يجئ موضع واحد بقوله : ينزل ملك ربنا ، حتى يحمل ما خرج عن نظائره عليه .

وإذا تأملت نصوص الصفات التي لا تسمح الجهمية بتسميتها نصوصا وإذا احترموها قالوا : ظواهر سمعية ، وقد عارضها القواطع العقلية ، وجدتها كلها من هذا الباب .

ومما يقتضي منه العجب أن كلام شيوخهم وتصنيفهم عندهم نص في مرادهم لا يحتمل التأويل ، وكلام الموافقين عندهم نص لا يجوز تأويله ، حتى إذا جاءوا إلى كلام الله ورسوله وقفوه على التأويل .

[ ص: 65 ] القسم الثالث : الخطاب بالمجمل الذي أحيل بيانه على خطاب آخر ، فهذا أيضا لا يجوز تأويله إلا بالخطاب الذي يبينه ، وقد يكون بيانه معه ، وقد يكون بيانه منفصلا عنه .

والمقصود أن الكلام الذي هو عرضة التأويل أن يكون له عدة معان ، وليس معه ما يبين مراد المتكلم ، فهذا التأويل فيه مجال واسع ، وليس في كلام الله ورسوله منه شيء من الجمل المركبة ، وإن وقع في الحروف المفتتح بها السور ، بل إذا تأمل من بصره الله تعالى طريقة القرآن والسنة وجدها متضمنة لدفع ما يوهمه الكلام من خلاف ظاهره ، وهذا موضع لطيف جدا في فهم القرآن نشير إلى بعضه .

فمن ذلك قوله تعالى : ( وكلم الله موسى تكليما ) رفع سبحانه توهم المجاز في تكليمه لكليمه بالمصدر المؤكد الذي لا يشك عربي القلب واللسان أن المراد به إثبات تلك الحقيقة كما تقول العرب : مات موتا ونزل نزولا ، ونظائره .

ونظيره التأكيد بالنفس والعين و " كل " وأجمع ، والتأكيد بقوله : حقا ونظائره ، ومن ذلك قوله تعالى : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير ) فلا يشك صحيح الفهم ألبتة في هذا الخطاب أنه نص صريح لا يحتمل التأويل بوجه في إثبات صفة السمع للرب تعالى حقيقة وأنه بنفسه يسمع .

ومن ذلك قوله تعالى : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) فرفع توهم السامع أن المكلف به عمل جميع الصالحات المقدورة والتجوز عنها يجوزه أصحاب تكليف ما لا يطاق ، رفع هذا التوهم بجملة اعترض بها بين المبتدأ وخبره تزيل الإشكال .

ونظيره : ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها ) ومن ذلك قوله تعالى : ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين ) فلما أمره بالقتال وأخبره أنه لا يكلف بغيره ، بل وإنما يكلف بنفسه أتبعه بقوله : ( وحرض المؤمنين ) لئلا يتوهم سامع أنه وإن لم يكلف بهم فإنه يهملهم ويتركهم .

[ ص: 66 ] ومن ذلك قوله تعالى : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين ) فتأمل كم في هذا الكلام من رفع إيهام ، منها قوله : ( واتبعتهم ذريتهم بإيمان ) لئلا يتوهم أن الاتباع في نسب أو تربية أو حرية أو رق أو غير ذلك ، ومنها قوله : ( وما ألتناهم من عملهم من شيء ) لرفع توهم أن الآباء تحط إلى درجة الأبناء ليحصل الإلحاق والتبعية ، فأزال هذا الوهم بقوله : ( وما ألتناهم من عملهم ) أي : ما نقصنا الآباء بهذا الاتباع شيئا من عملهم ، بل رفعنا الذرية إليهم قرة لعيونهم وإن لم يكن لهم أعمال يستحقون بها تلك الدرجة .

ومنها قوله : ( كل امرئ بما كسب رهين ) فلا يتوهم متوهم أن هذا الاتباع حاصل في أهل الجنة وأهل النار ، بل هو للمؤمنين دون الكفار ، فإن الله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بكسبه وقد يثيبه من غير كسبه .

ومنها قوله : ( يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا ) فلما أمرهن بالتقوى التي شأنها التواضع ولين الكلام نهاهن عن الخضوع بالقول لئلا يطمع فيهن ذو المرض ، ثم أمرهن بعد ذلك بالقول المعروف دفعا لتوهم الإذن في الكلام المنكر ، لما نهين عن الخضوع بالقول .

ومنه قوله تعالى : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) فرفع توهم فهم الخيطين من الخيوط بقوله : ( من الفجر ) .

ومن ذلك قوله تعالى : ( لمن شاء منكم أن يستقيم ) فلما أثبت لهم مشيئة فلعل متوهما يتوهم استقلالهم بها فأزال سبحانه ذلك بقوله : ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) ونظير ذلك قوله تعالى : ( كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) .

ومن ذلك قوله تعالى : ( وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ) فلعل [ ص: 67 ] متوهما أن يتوهم أن الله يجوز عليه ترك الوفاء بما وعد به فأزال ذلك بقوله : ( ومن أوفى بعهده من الله ) .

ومن ذلك قوله تعالى : ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك ) فلما ذكر إتيانه سبحانه ربما توهم أن المراد إتيان بعض آياته أزال هذا الوهم ورفعه بقوله : ( أو يأتي بعض آيات ربك ) فصار الكلام مع هذا التقسيم والتنويع نصا صريحا في معناه لا يحتمل غيره .

وإذا تأملت أحاديث الصفات رأيت هذا لائحا على صفحاتها بادئا على ألفاظها ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " إنكم ترون ربكم عيانا كما ترى الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب ، وكما نرى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب " وقوله صلى الله عليه وسلم : " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له ولا حاجب يحجبه " فلما كان كلام الملوك قد يقع بواسطة الترجمان ومن وراء الحجاب أزال هذا الوهم من الأفهام .

وكذلك لما قرأ صلى الله عليه وسلم : ( وكان الله سميعا بصيرا ) وضع إبهامه على أذنه وعينه رفعا لتوهم متوهم أن السمع والبصر غير العينين المعلومتين ، وأمثال ذلك كثير في الكتاب والسنة ، كما في الحديث الصحيح أنه قال : " يقبض الله سماواته بيده والأرض بيده الأخرى ، ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض يده ويبسطها " ، تحقيقا لإثبات اليد وإثبات صفة القبض .

ومن هذا إشارته إلى السماء حين استشهد ربه تبارك وتعالى على الصحابة أنه [ ص: 68 ] بلغهم تحقيقا لإثبات صفة العلو ، وأن الرب الذي استشهده فوق العالم مستو على عرشه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث