الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة هل يقارن العلم بالجملة الجهل بالتفصيل

جزء التالي صفحة
السابق

يجوز تعلق العلم بالشيء في الجملة ، ثم اختلفوا هل يقارن العلم بالجملة الجهل بالتفصيل ؟ فرآه القاضي مقارنا له ، ولم يره الشيخ أبو الحسن الأشعري وهو الأصح ; لأنا نعلم كون هذا العرض عرضا ، ونجهل كونه سوادا . وتارة يعلم كونه عرضا ونعلم كونه سوادا ، فليس من ضرورة العلم بالوصف المتقدم الجهل بالوصف الحاضر .

قال المازري : ومن هذا يتبين فساد ما أطلقه إمام الحرمين أن الله سبحانه يسترسل علمه على ما لا يتناهى من غير تعلق بتفاصيل آحاده . قال : وددت لو محوته بدمي ، وفي نسخة : بماء عيني ، وكذا قال غيره . وظنوا أن الإمام يوافق الفلاسفة في نفي العلم بالجزئيات ، وهذا سوء فهم عن الرجل ، وليس ذلك مراده ويتحاشى عنه ، بل مراده أن العلم هل يتعلق بما لا يتناهى تعلقا إجماليا أو تفصيليا ؟ . فهو يقول : كما أن ما لا يتناهى لا يدخل في الوجود ، كذلك لا يتعلق به العلم التفصيلي ، وهما سواء في الاستحالة ; لأنه لو دخل في العلم لكان إما أن يبقى من المعلومات شيء أم لا ، فإن لم يبق شيء فقد تناهى ، والفرض خلافه . وإن بقي شيء فما [ ص: 96 ] حصلت الإحاطة . وهذا الذي أراده رضي الله عنه . وهو شنع عليه فيه أيضا لكنه دون الأول ، فإن منكر العلم بالجزئيات يقول : لا يعلم شيئا منها أصلا لا ما دخل في الوجود ولا ما لم يدخل ، وأما هذا الذي أراده الإمام فهو أن العلم لا يتعلق بما لم يدخل في الوجود ; لعدم تناهيه . أما ما دخل الوجود فإنه يعلم وهو قريب من مذهب جهم وهشام غير أنهما يقولان بعلوم حادثة ، والإمام يقول بعلم واحد قديم .

وقد صرح في البرهان " أيضا بموافقة أهل الحق ، فقال في النسخ في الكلام مع اليهود : وإن زعموا أن النسخ يمتنع من جهة إفضائه إلى البداء ، والقديم متعال عنه فلا حقيقة لهذا ، فإن البداء إذا أريد به تبيين ما لم يكن مبينا في علمه فليس هذا من شرط النسخ ، فإن الرب تعالى كان عالما في أزله بتفاصيل ما لم يقع فيما لا يزال . انتهى . وفي هذا الكلام أخذ بيده وهو متأخر عن الذي قاله في صدر الكتاب ، وحكى الإمام فخر الدين عن والده الإمام ضياء الدين عن [ ص: 97 ] أبي القاسم الأنصاري عن إمام الحرمين أنه كان يقول : لله تعالى معلومات لا نهاية لها ، وله في كل واحد من تلك المعلومات معلومات أخرى لا نهاية لها على البدل ، وهو تعالى عالم بتلك الأحوال على التفصيل ، وإنما أوضحت ذلك لبيان أن الإمام لم يخرج عن عقيدة أهل السنة ، وأن تلك العبارة ليست على ظاهرها ، ولا متعلق فيها عليه ، وهو من جليل ما يستفاد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث