الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة السادسة : فإن قيل : وكيف نزل الكفر على الملكين وهم يفعلون ما يؤمرون ، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون ، فأنى يصح أن يتكلموا بالكفر ويعلموه ؟ قلنا : هذا الذي أشكل على بعضهم حتى روي عن الحسن أنه قرأ الملكين بكسر اللام ، وروي أنه كان ببابل علجان ، وقد بلغ التغافل أو الغفلة ببعضهم حتى قال : إنما هما داود وسليمان ، وتأول الآية : { وما أنزل على الملكين } أي في أيامهما .

                                                                                                                                                                                                              وقوله تعالى : { وما يعلمان من أحد } يعني : الشياطين .

                                                                                                                                                                                                              وقد روى المفسرون عن نافع قال : قال لي ابن عمر : أطلعت الحمراء ؟ قلت : طلعت . قال : لا مرحبا بها ولا أهلا ، وأراه لعنها .

                                                                                                                                                                                                              قلت : سبحان الله ، نجم مسخر مطيع تلعنه ؟ قال : ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن الملائكة عجت من معاصي بني آدم في الأرض ، فقالت : يا رب ، كيف [ ص: 46 ] صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب ؟ فأعلمهم الله سبحانه أنهم لو كانوا مكانهم ، ويحل الشيطان من قلوبهم محله من بني آدم لعملوا بعملهم ، وقد أعطيت بني آدم عشرا من الشهوات فبها يعصونني . قالت الملائكة : ربنا لو أعطيتنا تلك الشهوات ، وابتليتنا ، لحكمنا بالعدل ، وما عصيناك . فأمرهم سبحانه أن يختاروا منهم ملكين من أفضلهم ، فتعرض لذلك هاروت وماروت وقالا : نحن ننزل ; وأعطنا الشهوات ، وكلفنا الحكم بالعدل . فنزلا ببابل ، فكانا يحكمان حتى إذا أمسيا عرجا إلى مكانهما ، ففتنا بامرأة حاكمت زوجها اسمها بالعربية الزهرة وبالنبطية بيرخت وبالفارسية أقاهيد فقال أحدهما لصاحبه : إنها لتعجبني . قال له الآخر : لقد أردت أن أقول لك ذلك ، فهل لك في أن تعرض لها ؟ قال له الآخر : كيف بعذاب الله . قال : إنا لنرجو رحمة الله . فطلباها في نفسها قالت : لا حتى تقضيا لي على زوجي ; فقضيا لها وقصداها وأرادا مواقعتها ، فقالت لهما : لا أجيبكما لذلك حتى تعلماني كلاما أصعد به إلى السماء ، وأنزل به منها ; فأخبراها ، فتكلمت فصعدت إلى السماء فمسخها الله تعالى كوكبا ، فلما أرادا أن يصعدا ، لم يطيقا فأيقنا بالهلكة ; فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا ، فعلقا ببابل فجعلا يكلمان الناس كلامهما ، وهو السحر . ويقال : كانت الملائكة قبل ذلك يستغفرون للذين آمنوا ، فلما وقعا في الخطيئة استغفروا لمن في الأرض } .

                                                                                                                                                                                                              قال القاضي : وإنما سقنا هذا الخبر ; لأن العلماء رووه ودونوه فخشينا أن يقع لمن يضل به .

                                                                                                                                                                                                              وتحقيق القول فيه أنه لم يصح سنده ، ولكنه جائز كله في العقل لو صح في النقل ، وليس بممتنع أن تقع المعصية من الملائكة ، ويوجد منهم خلاف ما كلفوه ، وتخلق فيهم الشهوات ; فإن هذا لا ينكره إلا رجلان : أحدهما : جاهل لا يدري الجائز من المستحيل ، والثاني : من شم ورد الفلاسفة ، فرآهم يقولون : إن الملائكة روحانيون ، وإنهم لا تركيب فيهم ، وإنما هم بسائط ، وشهوات الطعام والشراب والجماع لا تكون [ ص: 47 ] إلا في المركبات من الطبائع الأربع ، وهذا تحكم في القولين من وجهين : أحدهما : أنهم أخبروا عن الملائكة وكيفيتهم بما لم يعاينوه ، ولا نقل إليهم ، ولا دل دليل العقل عليه .

                                                                                                                                                                                                              والثاني : أنهم أحالوا على البسيط أن يتركب ، وذلك عندنا جائز ; بل يجوز عندنا بلا خلاف أن يأكل البسيط ويشرب ويطأ ، ولا يوجد من المركب شيء من ذلك .

                                                                                                                                                                                                              وهذا الذي اطرد في البسيط من عدم الغذاء ، وفي المركب من وجود الغذاء عادة إلا أنه غاية القدرة ، وقد مكنا القول في ذلك ومهدناه في الأصول ، وخبر الله تعالى عنهم بأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، ويفعلون ما يؤمرون ، صدق لا خلاف فيه ، لكنه خبر عن حالهم ، وهي ما يجوز أن تتغير فيكون الخبر عنها بذلك أيضا ، وكل حق صدق لا خلاف فيه .

                                                                                                                                                                                                              وقد قال علماؤنا : إنه خبر عام يجوز أن يدخله التخصيص ، وهذا صحيح أيضا .

                                                                                                                                                                                                              وقد روى سنيد في تفسيره أنه دخل إليهما في مغارهما وكلما ، وتعلم منهما في زمن الإسلام ، وليس التعلم منهما إلا سماع كلامهما ، وهما إذا تكلما إنما يقولان : إنما نحن فتنة فلا تكفر أي لا تجعل ما تسمع منا سببا للكفر ، كما جعل السامري ما اطلع عليه من أثر فرس جبريل سببا لاتخاذ العجل إلها من دون الله .

                                                                                                                                                                                                              وفي هذا من العبرة : الخشية من سوء العاقبة والخاتمة ، وعدم الثقة بظاهر الحالة ، والخوف من مكر الله تعالى ، فهذا بلعام في الآدميين كهاروت وماروت في الملائكة المقربين ، فأنزلوا كل فن في مرتبته ، وتحققوا مقداره في درجته حسبما رويناه ، ولا تذهلوا عن بعض فتجهلوا جميعه .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية