الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                [ ص: 179 ] الباب الثاني

                                                                                                                في الشروط

                                                                                                                وفي ( الجواهر ) : هي أربعة : البلوغ ، والعقل ، والحرية لما في أبي داود قال عليه السلام : ( أيما صبي حج به أهله فمات أجزأ عنه ، فإن أدرك فعليه الحج ، وأيما عبد حج به أهله أجزأ عنه ، فإن أعتق فعليه الحج ) والإسلام يجري على الخلاف بخطاب الكفار بالفروع ، وهو المشهور ، فلا يكون شرطا في الوجوب ، ووافقنا الأئمة في الأربعة ، وزاد الشافعي شرطين : تخلية الطريق ، وإمكان السير ، وهما - عندنا - من فروع الاستطاعة ، وزاد ( ح ) وابن حنبل : سابعا ، وهو ذو المحرم في حق المرأة لقوله عليه السلام : ( لا تحجن المرأة إلا مع ذي محرم ) وفي مسلم : ( نهى عليه السلام أن تسافر المرأة مسيرة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم ) وجوابه : المعارضة بقوله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) . ( آل عمران : 97 ) والقياس على الهجرة ، وما ذكروه محمول [ ص: 180 ] على التطوع أو حالة الخوف ، قال مالك في ( الكتاب ) : تحج بلا ولي مع رجال ونساء مرضيين ، وإن امتنع واليها ، وقال : تخرج مع المرأة الواحدة المأمونة ، إذا أثبت أن المحرم ليس شرطا : فهل تخرج مع الرجال الثقات ؟ قال سند : منعه ابن عبد الحكم ، قال سند : وهو محمول على الكراهة ، قال سند : وهذا في حجة الإسلام ، أما في غير الفرض فلا تخرج إلا مع ذي محرم ، قاله : ابن حبيب لعموم النهي ، قال سند : فعدم هذه الشروط قد تقتضي عدم الوجوب والصحة ، كالعقل والإسلام على الخلاف فيه ، أو الوجوب والإجزاء عن الفرض دون النفل كالبلوغ والحرية ، وأما عدم السبب الذي هو الاستطاعة فيمنع الوجوب دون الإجزاء .

                                                                                                                فروع ثلاثة : الأول ، إذا اجتمعت الشروط مع السبب قال سند : فإن كان الوقت واسعا كان الوجوب موسعا ، فإن مات سقط عنه ، فإن فات الحج استقر في ذمته ، فإن مات سقط عنه ، ولا يلزم الورثة إذا لم يوص به ، وقاله ( ح ) ، وقال ( ش ) وابن حنبل : في رأس ماله ، والظاهر من قول مالك في تأخير الحج بمنع الوالدين ، وقول ابن القاسم في منع الزوج الزوجة منه يقتضي أنه على التراخي ، وقاله ( ش ) وقال ابن القاسم في ( الموازية ) : له مخالفة أبويه في الفريضة ، وقول أشهب : ليس للزوج منع زوجته : يقتضي الفور ، وقاله ( ح ) وحكاه العراقيون ، وهو المشهور ، وفي ( الجواهر ) : قال ابن محرز وغيره من المتأخرين : مسائل المذهب تدل على التراخي ، قال أبو الطاهر : ويمكن أن يكون أمر الآباء وغيرهم من باب تعارض الواجبين ، لا لأنه على التراخي ، حجة ( ش ) : أن فرض الحج نزل سنة ست وأخره عليه السلام إلى سنة عشر ، وحج أبو بكر - رضي الله عنه - سنة تسع ، أمره النبي عليه السلام وقعد بالمدينة من غير مانع ، وتأخر معه أكثر الناس ، ولم يسألهم عن أعذارهم ، ولأنه لو كان على الفور يسمى قضاء بعد ذلك ، [ ص: 181 ] كما إذا أحرم به ، ولأن المقصود المهم منه إنما هو ثواب الآخرة ، وهو يتأخر ولا يفوت ، بخلاف الزكاة وغيرها تفوت المصلحة المقصودة منها بالتأخير ، والجواب عن الأول : أن قوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) . ( البقرة : 196 ) هو الذي نزل في سنة ست ، وهو لا يقتضي وجوب الحج بل إتمامه ، وقوله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع ) . ( آل عمران : 97 ) نزل سنة تسع ولعل الوقت كان لا يتسع .

                                                                                                                وعن الثاني : أن القضاء لا يكون إلا فيما يتعلق بوقت معين كالصلوات ، وكذلك إذا أحرم تعين الوقت ، بدليل أن رد الغصوب ووفاء الديون إذا تأخرت لا تسمى قضاء ، وإن كانت فورية .

                                                                                                                وعن الثالث : أن الثواب قد يفوت بالموت ، نعم هو يحسن فارقا لا مستندا متأصلا ، ويوضح مذهبنا : أن الأمر على الفور ، وإنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة فتكون على الفور كالصوم ، قال سند : وإذا قلنا بالتراخي فما لم يخف العجز كالكفارات ، فعلى هذا إذا اخترمته المنية لا يأثم ، وقال بعض الشافعية : يأثم لأن التأخير جوز بشرط السلامة ، واختلفوا في زمن الإثم : فقيل : أول سنة ، وقيل : بالتأخير عن آخر سنة الإمكان .

                                                                                                                الثاني : قال سند : قال جماعة من العلماء : الحج راكبا أفضل ، اقتداء به عليه السلام ، وجوابهم : الاتفاق على أن من نذر الركوب أجزأه المشي من غير عكس ، وفي البخاري قال عليه السلام : ( ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار ) ولو مشى عليه السلام ما ركب أحد ، وذلك مشقة عظيمة ، ولأنه كان يركب ليراه الناس للمسألة ، أو لفرط مشقة المشي عليه صلى الله عليه وسلم ; لأنه صلى الله عليه وسلم كان يتنفل جالسا .

                                                                                                                الثالث : في ( الجواهر ) : يكره التنفل بالحج قبل أداء فرضه ، فإن فعل لا ينقلب فرضا بل نفل .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية