الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

إذا تبين هذا فنقول: الجمع بين حديث أنس وهذه الأحاديث من وجهين:

أحدهما: ما قاله طوائف من العلماء في الجمع بين حديث أنس وغيره، وهو أن أنسا ذكر الرفع الشديد الذي يرى فيه بياض إبطيه وينحي فيه يديه، وهذا هو الذي سماه ابن عباس الابتهال، وجعل المراتب ثلاثة:

الإشارة بإصبع واحدة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير بإصبعه في التشهد وعلى المنبر يوم الجمعة بإصبعه، والحديث متعدد مشهور. وفي سنن أبي داود عن سعد قال: مر علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أدعو بإصبعي، فقال: "أحد أحد"، وأشار بالسبابة.

والثانية: المسألة، وهو أن تجعل يديك حذو منكبيك، كما في أكثر الأحاديث.

والثالث: الابتهال، وهو أن تمد يديك جميعا، وفي لفظ: والابتهال هكذا، ورفع يديه وجعل ظهورهما مما يلي وجهه.

فهذا الابتهال هو الذي ذكره أنس في الاستسقاء، ولهذا قال: كان يرفع حتى يرى بياض إبطيه، وإنما يرى بياض الإبطين بالرفع [ ص: 94 ] الشديد، وهذا الرفع إذا اشتد كان بطون يديه مما يلي وجهه والأرض، وظهورهما مما يلي السماء، وكذلك جاء مفسرا: "رفع يديه حذاء وجهه"، وفي لفظ: "جعل بطونهما مما يلي الأرض". ولو كان المراد به كما يظنه بعض الغالطين حيث يجعل يديه حذو منكبيه ويجعل ظهورهما مما يلي الوجه والأرض، وتارة يكون الظهور مما يلي السماء، يؤيد ذلك ما رواه أبو داود عن أنس بن مالك نفسه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو هكذا بباطن كفيه وظاهرهما.

وقد يكون أنس أراد بالرفع على المنبر يوم الجمعة كما في صحيح مسلم والسنن عن حصين بن عبد الرحمن قال: رأى عمارة بن رؤيبة بشر بن مروان وهو يدعو في يوم الجمعة، فقال عمارة: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ما يزيد على هذه بإصبعه المسبحة.

وفي مسند أحمد عن غضيف بن الحارث الثمالي قال: بعث إلي عبد الملك بن مروان أنا قد جمعنا الناس على أمرين: برفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبك إلى شيء [ ص: 95 ] منهما، قال: لم؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة. فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة.

وعلى هذا يحمل الحديث الذي في سنن أبي داود عن سهل بن سعد قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم شاهرا يديه يدعو على منبر ولا غيره، لكن رأيته يقول هكذا، وأشار بالسبابة وعقد الوسطى بالإبهام، وقد قيل: في إسناد هذا مقال، مع أنه ليس فيه إلا نفي الرؤية.

وهذه المسألة فيها قولان للعلماء هما وجهان في مذهب أحمد في رفع الخطيب يديه، فقيل: يستحب لعموم الأخبار الواردة في رفع الأيدي، وهذا قول ابن عقيل، وقيل: لا يستحب، بل يكره، وهذا أصح، قال إسحاق بن راهويه: ذلك بدعة للخاطب، إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير بإصبعه إذا دعا، لما تقدم من الآثار.

التالي السابق


الخدمات العلمية