الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الخامس لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم

554 [ ص: 346 ] حديث خامس لابن شهاب ، عن سعيد متصل

مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يموت لأحد من المسلمين ( ثلاثة من الولد ) فتمسه النار إلا تحلة القسم .

التالي السابق


هكذا روى هذا الحديث مالك ، وغيره عن ابن شهاب ، وفيه أن المسلم تكفر خطاياه وتغفر له ذنوبه بالصبر على مصيبته ولذلك زحزح عن النار ، فلم تمسه ، لأن من لم تغفر له ذنوبه لم يزحزح عن النار - والله أعلم - أجارنا الله منها .

وإنما قلت ذلك بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - : لا يزال المؤمن يصاب في ولده وحامته حتى يلقى الله [ ص: 347 ] وليست عليه خطيئة ، وإنما قلت : إن ذلك بالصبر ، والاحتساب ، والرضى لقوله - صلى الله عليه وسلم - : من صبر على مصيبته واحتسب كان جزاؤه الجنة ، وقد روى ابن سيرين ، وغيره هذا الحديث ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا فيه : من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حجابا من النار ، وفي بعض ألفاظ ( حديث ) أبي هريرة هذا ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من المسلمين من يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته ( إياهم ) ، يجاء بهم يوم القيامة فيقال لهم ادخلوا الجنة فيقولون حتى يدخل آباؤنا فيقال لهم ادخلوا أنتم وآباؤكم بفضل رحمتي .

وقد روى أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله : حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا سعيد بن عثمان ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا البخاري ، قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله [ ص: 348 ] عليه وسلم : ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد ( لم يبلغوا ) الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم . ففي قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأحاديث لم يبلغوا الحنث ومعناه عند أهل العلم لم يبلغوا الحلم ، ولم يبلغوا أن يلزمهم حنث دليل على ( أن ) أطفال المسلمين في الجنة لا محالة - والله أعلم - لأن الرحمة إذا نزلت بآبائهم من أجلهم استحال أن يرحموا من أجل من ليس بمرحوم ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - بفضل رحمته إياهم فقد صار الأب مرحوما بفضل رحمتهم ، وهذا على عمومه ، لأن لفظه - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأحاديث لفظ عموم ، وقد أجمع العلماء على ما قلنا من أن أطفال المسلمين في الجنة ، فأغنى ذلك عن كثير من الاستدلال ، ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافا إلا فرقة شذت من المجبرة فجعلتهم في المشيئة ، وهو قول شاذ ( مهجور ) مردود بإجماع الجماعة ، وهم الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم ، ولا يجوز على مثلهم [ ص: 349 ] الغلط في مثل هذا إلى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أخبار الآحاد الثقات العدول ، فمنها ما ذكرنا ، ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - : إني مكاثر بكم الأمم حتى بالسقط يظل محبنطئا يقال له : ادخل الجنة فيقول : لا حتى يدخلها أبواي فيقال له ادخل أنت وأبواك ، وعن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : صغاركم دعاميص الجنة ، وقد روى شعبة ، عن معاوية بن قرة بن إياس المزني ، عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا من الأنصار مات له ابن صغير فوجد عليه فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما يسرك أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا وجدته يستفتح لك فقالوا : يا رسول الله ، أله خاصة أم للمسلمين عامة ، قال : بل للمسلمين عامة ، وهذا حديث ثابت صحيح بمعنى ما ذكرناه وقد ذكرنا آثار هذا الباب ، وما قالته الفرق في ذلك واعتقدته في باب أبي الزناد ، والحمد لله .

وفي هذه الآثار مع إجماع الجمهور دليل على أن قوله صلى [ ص: 350 ] الله عليه وسلم : الشقي من شقي في بطن أمه ، وإن الملك ينزل فيكتب أجله ورزقه ، ويكتب شقيا أو سعيدا في بطن أمه ، مخصوص مجمل ، وإن من مات من أطفال المسلمين قبل الاكتساب فهو ممن سعد في بطن أمه بدليل ما ذكرنا من الأحاديث ، والإجماع .

وفي ذلك أيضا دليل واضح على سقوط حديث طلحة بن يحيى ، عن عمته عائشة بنت طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين ، قالت أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصبي من صبيان الأنصار ليصلي عليه فقلت : طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا قط ، ولم يدركه ذنب فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أو غير ذلك يا عائشة إن الله - عز وجل - خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها خلقا ، وهم في أصلاب آبائهم الله أعلم بما كانوا عاملين ، وهذا حديث ساقط ضعيف مردود بما ذكرنا من الآثار [ ص: 351 ] والإجماع وطلحة بن يحيى ضعيف لا يحتج به ، وهذا الحديث مما انفرد به ، فلا يعرج عليه ( ومعنى قوله : الله أعلم بما كانوا عاملين إخبار بأن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ، وما لا يكون لو كان كيف يكون ، والمجازاة إنما تكون على الأعمال ) وحديث شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه حديث ثابت صحيح ، وعليه الناس ، وهو يعارض حديث طلحة بن يحيى ويدفعه .

حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى ، قال : حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة ببغداد ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد صحبة ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، قال : أنبأنا شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه أن رجلا جاء بابنه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتحبه ؟ فقال : أحبك الله كما أحبه يا رسول الله ، فتوفي الصبي ففقده النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : أين فلان ؟ فقالوا : يا رسول الله ، توفي ابنه فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما ترضى أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا جاء حتى يفتحه لك ؟ فقالوا : يا رسول الله ، أله وحده أم لكلنا ؟ فقال : لا بل لكلكم ، وقد روينا ، عن علي بن أبي طالب ، ولا مخالف له في ذلك من الصحابة أنه قال : [ ص: 352 ] في قول الله - عز وجل - : كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين ، قال : هم أطفال المسلمين .

حدثناه خلف بن أحمد ، قال : حدثنا أحمد بن سعيد ، وأحمد بن مطرف ( قالا ) : حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي ، قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي ، قال : حدثنا المؤمل بن إسماعيل عن سفيان ، عن الأعمش ، عن عثمان بن موهب ، عن زاذان ، عن علي في قوله كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين ، قال : أصحاب اليمين أطفال المسلمين ، ورواه وكيع ، عن سفيان ، بإسناده مثله بمعناه .

وقد اختلف العلماء في أطفال المشركين ، وفي أطفال المسلمين أيضا على ما ذكرناه ومهدناه في باب أبي الزناد من هذا الكتاب ، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديثنا المذكور في هذا الباب إلا تحلة القسم فهو يخرج في التفسير المسند ، لأن القسم المذكور في هذا الحديث معناه عند أهل العلم قول الله - عز وجل - : وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا قسما واجبا ، وكذلك قال السدي : ورواه عن مرة ، عن [ ص: 353 ] عبد الله بن مسعود أنه قال : ذلك من ظاهر قوله ( فتمسه النار ) يدل على أن الورود الدخول - والله أعلم - لأن المسيس حقيقته في اللغة المباشرة ، وقد يحتمل على الاتساع أن يكون القرب .

وقد اختلف العلماء في الورود فقال منهم قائلون : الورود الدخول وممن قال ذلك ابن عباس ، وعبد الله بن رواحة ، وقد اختلف في ذلك عن ابن عباس ، ولم يختلف عن ابن رواحة ، وروى ابن المبارك ، وغيره عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم أن عبد الله بن رواحة بكى فقالت له امرأته ما يبكيك فقال : قد علمت أني داخل النار ، ولا أدري أناج ( أنا ) منها أم لا .

قال أبو عمر :

قال الله - عز وجل - : وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا . [ ص: 354 ] وهذا يحتمل - والله أعلم - أنها تكون بردا وسلاما على المؤمنين وينجون منها سالمين ، وذكر ابن جرير ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : إن الورود الذي ذكر الله - عز وجل - في القرآن الدخول ، ليردنها كل بر وفاجر ، ثم قال ابن عباس : في القرآن أربعة أوراد قوله فأوردهم النار وقوله حصب جهنم أنتم لها واردون وقوله ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا وقوله وإن منكم إلا واردها ، قال ابن عباس : والله لقد كان من دعاء من مضى ، اللهم أخرجني من ( النار سالما وأدخلني ) الجنة غانما ، وروى مجاهد ، عن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس ، عن قول الله - عز وجل - : وإن منكم إلا واردها فقال ابن عباس : واردها داخلها فقال : نافع يرد القوم ، ولا يدخلون ، فاستوى ابن عباس جالسا ، وكان متكئا فقال له : أما أنا وأنت فسنردها ، فانظر هل ننجو منها أم لا ؟ أما تقرأ قول الله وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار [ ص: 355 ] أفتراه ويلك ، أوقفهم على شفيرها ، والله تعالى يقول : ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ، وقد روى الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، وابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن أم مبشر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يدخل ( النار ) أحد شهد بدرا وبايع تحت الشجرة فقالت له حفصة ألم تسمع الله يقول : وإن منكم إلا واردها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما تسمعين الله يقول : ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ، وقال خالد بن معدان : إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قالوا : ألم تقل ( إنا نرد النار ) فيقال : ( قد وردتموها ، فألفيتموها رمادا ) .

وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ببغداد ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبي ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا غالب بن سليمان أبو صالح ، عن كثير بن زياد البرساني ، عن أبي سمية أنه سأل جابر بن عبد الله عن الورود فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : الورود الدخول [ ص: 356 ] لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها ، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ، وروى الكلبي عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله تعالى وإن منكم إلا واردها ، قال : الممر على الصراط . وممن قال أيضا إن الورود الممر على الصراط عبد الله بن مسعود وكعب الأحبار ، والسدي ، ورواه السدي ، عن مرة ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وروي عن كعب أنه أصحهما وإن منكم إلا واردها فقال : أتدرون ما ورودها ، قالوا : الله أعلم ، قال : ذلك أن يجاء بجهنم فتمسك للناس كأنها متن إهالة يعني الودك الذي يجمد على القدر من المرقة حتى إذا استقرت عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم نادى مناد أن خذي أصحابك ( وذري أصحابي فيخسف بكل ولي لها فهي أعلم بهم من الوالدة بولدها وينجو المؤمنون ندية ثيابهم ) وروي هذين الحديثين ، عن أبي [ ص: 357 ] نضرة وزاد ، وهو معنى قوله تعالى ‎ فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ، وروى وكيع ، عن شعبة ، عن عبد الله بن السائب ، عن رجل عن ابن عباس أنه قال في قول الله - عز وجل - : وإن منكم إلا واردها ، قال : هو للكفار ، وروي عنه أنه كان يقرأ وإن منهم إلا واردها ( ردا ) على الآيات التي قبلها في الكفار قوله فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا و أيهم أشد على الرحمن عتيا ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا وإن منهم إلا واردها ، وقال ابن الدفع محتجا لمصحف عثمان وقراءة العامة : جائز في اللغة يرجع من مخاطبة الغائب إلى لفظ المواجهة بالخطاب كما قال تعالى وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ، فأبدل الكاف من الهاء . [ ص: 358 ] قال أبو عمر :

( وترجع العرب من مواجهة الخطاب إلى لفظ الغائب ، قال الله تعالى ) حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ، وهذا ( كثير ) في القرآن وأشعار العرب ، وأحسن ما قيل في ذلك قول الشاعر :


إذا لم يكن للقوم جد ولم يكن لهم رجل عند الإمام مكين     فكونوا كأيد وهن الله بطشها
ترى أشملا ليست لهن يمين



وقد جاء عن مجاهد ( أنه قال ) : في تأويل قول الله - عز وجل - : وإن منكم إلا واردها ، قال : الحمى من فيح جهنم وهي حظ المومن من النار .

حدثنا سعيد بن نصر ( حدثنا ) ابن أبي دليم ، حدثنا ابن وضاح ، حدثنا محمد بن سليمان الدفع ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد أنه قال : الحمى حظ المومن من النار ، ثم قرأ وإن منكم إلا واردها ، قال : الحمى في الدنيا الورود ، فلا يردها في الآخرة [ ص: 359 ] قال أبو عمر :

ومن حجة من قال بهذا القول ، ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ، قال : حدثنا أبو أسامة ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن إسماعيل بن عبيد الله الأشعري ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاد مريضا ، ومعه أبو هريرة من وعك كان به فقال ( له ) النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أبشر ، فإن الله - تبارك وتعالى - يقول : هي ناري أسلطها على عبدي ( المومن ) لتكون حظه من النار ( في الآخرة ) .

( وحدثنا خلف بن أحمد ، قال : حدثنا أحمد بن مطرف ، حدثنا سعيد بن عثمان ، حدثنا علي بن معبد بن نوح ، حدثنا يزيد بن هارون ، قال : حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف عن الحصين ، عن أبي صالح الأشعري ، عن أبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الحمى كير من جهنم فما أصاب المومن منها كان حظه من النار ) .

[ ص: 360 ] أبو الحصين هذا : مروان بن رؤية الثعلبي ، وأبو صالح الأشعري مولى عثمان ، قاله ابن معين ، وغيره .

( وحدثنا خلف ، قال : حدثنا أحمد ، قال : حدثنا سعيد ، حدثنا علي بن معبد ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا عصمة بن سالم الهنابي ، وكان صدوقا عاقلا ، قال : حدثنا الأشعث بن جابر الحراني ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي ريحانة الأنصاري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( الحمى كير من جهنم وهي نصيب المومن من النار ) وقال قوم : الورود للمومنين أن يروا النار ، ثم ينجى منها الفائز ويصلاها من قدر عليه دخولها ، ثم يخرج منها بشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - أو بغيرها من رحمة الله .

واحتج بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مخاطبة أصحابه ، ومن جرى مجراهم من المومنين إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة ، فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار ، فمن أهل النار يقال ( له ) : هذا مقعدك حتى يبعثك [ ص: 361 ] الله إليه يوم القيامة . هذا حديث ابن عمر ، وقد روى أبو هريرة ، وغيره أن المومن يعرض عليه مقعده من النار فيقال له انظر ما نجاك الله منه ، ثم يفتح ( له ) إلى الجنة فيقال : انظر ما تصير إليه . هذا معنى الحديث فهذه الأقاويل كلها ( قد ) جاءت في معنى الورود في قوله - عز وجل - وإن منكم إلا واردها ، وقد يحتمل أن يكون قوله - صلى الله عليه وسلم - ( إلا تحلة القسم ) استثناء منقطعا بمعنى لكن تحلة القسم ، وهذا معروف في اللغة ، وإذا كان ذلك كذلك فقوله : لن تمسه النار إلا تحلة القسم أي لا تمسه النار أصلا كلاما تاما ، ثم ابتدأ إلا تحلة القسم أي لكن تحلة القسم لا بد منها في قول الله - عز وجل - : وإن منكم إلا واردها وهي الجواز على الصراط ، أو الرؤية ، والدخول دخول بالإجماع فلا يكون في شيء من ذلك مسيس يؤذي ، وقال بعض أهل العلم في قول الله " إلا ما ذكيتم " ، [ ص: 362 ] معناه لكن ما ذكيتم من غير ما ذكر في هذه الآية ذكاة تامة ، وقد ذكرنا ذلك فيما سلف من كتابنا ( هذا ) وذكرنا هناك تعارف ذلك في لسان العرب ، وذلك في باب زيد بن أسلم ، ومما يدل على ( أن ) الاستثناء ( هاهنا ) منقطع عائد إلى النار ( لا تمس من مات له ثلاثة من الولد ، فاحتسبهم ) حديثه الآخر - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله : ( لا يموت لأحدكم ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار ، فقالت امرأة : يا رسول الله ، أو اثنان ، قال : أو اثنان . والجنة الوقاية والستر ، ومن وقي النار وستر عنها فلن تمسه أصلا ، ولو مسته ما كان موقى ، وإذا وقيها وستر عنها فقد زحزح وبوعد بينه وبينها ، وهذا إنما يكون لمن صبر واحتسب ورضي وسلم - والله أعلم - .

وبهذا الحديث يفسر الأول ، لأن فيه ذكر الحسبة قوله : ( فيحتسبهم ) ولذلك جعله مالك بأثره مفسرا له ، والوجه عندي في هذا الحديث وما أشبهه من الآثار إنها لمن حافظ على أداء فرائضه ، واجتنب الكبائر ، والدليل على ذلك أن الخطاب في ذلك العصر لم يتوجه إلا إلى قوم الأغلب من أعمالهم ما ذكرنا ، وهم الصحابة رضوان الله عليهم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث