الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1973 [ ص: 138 ] 19 - باب: إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا .

ويذكر عن العداء بن خالد قال كتب لي النبي - صلى الله عليه وسلم - : "هذا ما اشترى محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العداء بن خالد ، بيع المسلم المسلم ، لا داء ، ولا خبثة ، ولا غائلة" . وقال قتادة : الغائلة الزنا والسرقة والإباق . وقيل لإبراهيم : إن بعض النخاسين يسمي آري : خراسان وسجستان ، فيقول : جاء أمس من خراسان ، جاء اليوم من سجستان . فكرهه كراهية شديدة . وقال عقبة بن عامر : لا يحل لامرئ يبيع سلعة ، يعلم أن بها داء ، إلا أخبره .

2079 - حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن صالح أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث رفعه إلى حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا -أو قال : حتى يتفرقا- فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" . [2082 ، 2108 ، 2110 ، 2114 - مسلم: 1532 - فتح: 4 \ 309]

التالي السابق


ثم ذكر حديث عبد الله بن الحارث رفعه إلى حكيم بن حزام قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا -أو قال : حتى يتفرقا- فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" .

[ ص: 139 ] الشرح :

حديث العداء بن خالد بن هوذة العامري -وقد أسلم هو وأبوه وعمه - رواه الترمذي . وابن ماجه عن ابن بشار ، عن عباد بن ليث -صاحب الكرابيسي- عن عبد المجيد بن وهب قال : قال لي العداء بن خالد : ألا أريك كتابا كتبه لي النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قلت : بلى . فأخرج لي كتابا : "هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله اشترى منه عبدا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم للمسلم" . ثم قال : حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عباد بن ليث ، وقال الدارقطني : لم يروه غيره . قلت : لا ، فقد أخرجه أبو عمر من حديث عثمان الشحام عن أبي رجاء العطاردي قال : قال لي العداء :

[ ص: 140 ] ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فإذا فيه مكتوب : "بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، اشترى منه عبدا أو أمة -شك عثمان- بياعة المسلم -أو بيع المسلم- المسلم لا داء ولا غائلة ولا خبثة"
.

وهذا أشبه من لفظ البخاري : "اشترى محمد" لأن العهدة إنما تكتب للمشتري لا للبائع . وكذلك رواه جماعة كرواية الترمذي ، وهو الصحيح ، وادعى ابن التين إرسال الحديث فقال : هذا الحديث مرسل . وهو عجيب ، وكأنه أراد أنه ذكره معلقا بغير إسناد ، وقد أسندناه واتصل ولله الحمد .

[ ص: 141 ] وقوله : ("بيع المسلم المسلم") أي لا خديعة فيه ; لأنه شأن المسلم . والداء : العيب كله .

قال ابن قتيبة : أي لا داء لك في العبد من الأدواء التي يرد بها كالجنون والجذام والبرص والسل والأوجاع المتفاوتة .

وقوله : ("ولا غائلة") هو من قولهم : اغتالني فلان إذا احتال عليك بحيلة يتلف بها بعض مالك ، يقال : غالت فلانا غولا إذا أتلفته . والمعنى : لا حيلة عليك في هذا البيع يغتال بها مالك . وقد نقل البخاري قول قتادة في الغائلة كما سلف وقال الخطابي : الغيلة : ما يغتال حقك من حيلة أو تدليس بعيب ، وهو معنى قول قتادة ، أي : لا يخفي شيئا من ذلك وليبينه . وذكر الأزهري وغيره أيضا : أن الغائلة هنا معناها : لا حيلة على المشتري في هذا البيع يغال بها ماله . ولما سأل الأصمعي سعيد بن أبي عروبة عن الغائلة أجاب كجواب قتادة سواء ، ولما سأله عن الخبثة قال : بيع عهدة المسلمين . وقال الخطابي : خبثة على وزن خيرة قيل : أراد بها الحرام كما عبر عن الحلال بالطيب . قال تعالى : ويحرم عليهم الخبائث [الأعراف : 157] والخبثة : نوع من أنواع الخبيث أراد به عبد رقيق لا أنه من قوم لا يحل سبيهم .

وقال ابن بطال : الخبثة : يريد الأخلاق الخبيثة كالإباق (والسرقة) ، والعرب أيضا يدعون الزنا خبثا وخبثة . وقال صاحب [ ص: 142 ] " العين" : الخبثة : الريبة .

قال ابن التين : وهو مضبوط في أكثر الكتب بضم الخاء ، وكذا سمعناه ، وضبط في بعضها بالكسر أيضا ، والخبثة أن يكون غير طيب ; لأنه من قوم لا يحل سبيهم لعهد تقدم لهم أو جزية ، في الأصل وخبث لهم . وقال الداودي : الخبثة : أن يخفي عنه شيئا .

وفي حديث العداء هذا ثماني فوائد أبداها ابن العربي :

الأولى : البداءة باسم الناقص قبل الكامل في الشروط ، والأدنى قبل الأعلى بمعنى : هو الذي اشترى ، فلما كان هو الذي طلب أخبر عن الحقيقة كما وقعت ، وكتب حتى يوافق المكتوب ويذكر على وجهه في (المثول) .

قلت : رواية البخاري السالفة عكس هذا ، وهو تقديم الأعلى على الأدنى .

ثانيها : في كتبه - صلى الله عليه وسلم - ذلك له وهو ممن يؤمن عهده ولا يجوز عليه أبدا نقضه لتعليم الأمة ; لأنه إذا كان هو يفعله فكيف غيره . قلت : هذا لا يتأتى على رواية البخاري .

ثالثها : أنه على الاستحباب ; لأنه باع وابتاع من اليهود من غير إشهاد ولو كان أمرا مفروضا أقام به قبل الخلق .

[ ص: 143 ] قلت : ذهب جماعة إلى اشتراطه ; ولأن الآية محكمة وابتياعه من اليهودي كان مرهنا ، وقد قال تعالى : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة [البقرة : 283] .

رابعها : يكتب الرجل اسمه واسم أبيه وجده حتى ينتهي إلى جد يقع به التعريف ويرتفع الاشتراك الموجب للإشكال عند الاحتياج إليه ، وما ذكره إنما يتأتى إذا كان الرجل غير معروف ، أما إذا كان معروفا فلا يحتاج إلى ذكر أبيه ، فإن لم يكن معروفا وكان أبوه معروفا لم يحتج إلى ذكر الجد ، كما جاء في البخاري من غير ذكر جد العداء .

خامسها ; لا يحتاج إلى ذكر النسب إلا إذا أفادت تعريفا أو دفع إشكال .

سادسها : قوله : "هذا ما اشترى العداء بن خالد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشترى منه" كرر لفظ الشرى وقد كان الأول كافيا ، ولكنه لما كانت الإشارة بهذا إلى المكتوب ، ذكر الاشتراء في القول (المقول) .

سابعها : قوله : (عبد) ولم يصفه ، ولا ذكر الثمن ، ولا قبضه ، ولا قبض المشتري .

واقتصر على قوله : ("لا داء") وهو ما كان في الجسد والخلقة ، ("ولا خبثة") : وهو ما كان في الخلق . ("ولا غائلة") وهو سكوت البائع على ما يعلم من مكروه البيع وهو الذي قصد الشارع إلى كتبه ليبين كيف يجب على المسلم في بيعه . فأما تلك الزيادات فإنما أحدثها الشروطيون لما حدث من الخيانة في العالم .

[ ص: 144 ] ثامنها : قوله : ("بيع المسلم المسلم") ليبين أن الشراء والبيع واحد . قال : وقد فرق بينهما أبو حنيفة وجعل لكل واحد حكما . وقال غيره : فيه تولي الرجل البيع بنفسه ، وكذا في حديث اليهودي . وذكر بعضهم لئلا يسامح ذو المنزلة فيكون نقصا من أجره ، وجاز ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعصمته لنفسه .

وقوله -أعني البخاري- : وقيل لإبراهيم : إن بعض النخاسين يسمي آري خراسان وسجستان ، فيقول : جاء أمس من خراسان وجاء اليوم من سجستان ، فكرهه كراهة شديدة . أي : كان بعض النخاسين يسمي آري يريد : يسمي موضع الدابة في داره ومربطها خراسان وسجستان ، يريد بذلك الخديعة والغرر بالمشتري منه ، وهذا الأثر رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن هشيم ، عن مغيرة ، عنه بلفظ : قيل له : إن ناسا من النخاسين وأصحاب الدواب يسمي أحدهم اصطبل دوابه خراسان وسجستان ، ثم يأتي السوق ، فيقول : جاءت من ذلك ، فكره ذلك إبراهيم ، ورواه دعلج عن محمد بن علي بن زيد ، ثنا سعيد بن قيس ، ثنا هشيم ولفظه : إن بعض النخاسين يسمي آريه خراسان وسجستان ، إلى آخره .

واختلف أهل اللغة في تفسير الآري كما قال ابن بطال ، وضبطها خطأ بضم الهمزة : فقال ابن الأنباري : هو عند العرب الآخية التي تحبس بها الدابة وتلزم بها موضعا واحدا ، وهو مأخوذ من قولهم : قد تأرى الرجل بالمكان إذا أقام به .

[ ص: 145 ] قال الأعشى :

لا يتأرى لما في القدر يرقبه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والعامة تخطئ في الآري فتظن أنها المعلف . هذا آخر كلام ابن الأنباري ، وجعله أيضا ابن السكيت من لحن العامة ، وقال صاحب "العين" : الآري : المعلف ، وأرت الدابة إلى معلفها تأري إذا ألفته .

وقال ابن التين : ضبط في بعض الكتب بفتح الهمزة وسكون الراء ، وفي بعضها بضم الهمزة وفتح الراء ، وفي رواية أخرى : قرى خراسان وسجستان ، وضبط في بعض الكتب بالمد وكسر الراء وتشديد الياء .

قال ابن فارس : آري الدابة : المكان الذي تتأرى فيه أي : تتمكث به ، وتقديره آري . وكذا قال أهل اللغة : إنها الخية التي تعمل في الأرض للدابة ، وقال صاحب "المطالع " : آرى كذا قيده جل الرواة ، ووقع للمروزي : أرى بفتح الهمزة والراء ، على مثال دعا ، وليس بشيء . ووقع لأبي ذر بضم الهمزة ، وهو أيضا تصحيف ، وهو في التقدير فاعول ، وهو مربط الدابة ، ويقال : معلفها ، قاله الخليل .

وقال الأصمعي : هو الخية في الأرض ، وأصله من الحبس والإقامة ، وعند التاريخي عن الشعبي وغيره : أمر سعد بن أبي وقاص أبا الهياج الأسدي والسائب بن الأقرع أن يقسما للناس -يعني : الكوفة- فاختطوا من رواء السهام ، وكان المسلمون يعقلون إبلهم ودوابهم في ذلك الموضع حول المسجد فسموه : الآري ، ومعنى ما أراد البخاري :

[ ص: 146 ] أن النخاسين كانوا يسمون مرابط دوابهم بهذه الأسماء ليدلسوا على المشتري فيحرص المشتري عليها ، ويظن أنها طرية الجلب ، وأرى أنه نقص في الأصل بعد لفظة : آري لفظة : دوابهم .

وما ذكره البخاري عن عقبة موقوفا ، رفعه الأئمة : أحمد ، وابن ماجه والحاكم من حديث ابن شماسة عنه مرفوعا : "المسلم أخو المسلم ، لا يحل لامرئ مسلم أن يغيب ما بسلعته عن أخيه ، إن علم بذلك تركها" هذا لفظ أحمد ، ولفظ ابن ماجه : "المسلم أخو المسلم ، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وفيه عيب إلا بينه" ، ولفظ الحاكم : "المسلم أخو المسلم ، ولا يحل لمسلم إن باع من أخيه بيعا فيه عيب أن لا يبينه له" ، قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين . وأقره البيهقي في "خلافياته" على تصحيحه .

وفي "مسند الإمام أحمد" -وحده- ابن لهيعة ، وحالته معلومة .

وابن شماسة : هو عبد الرحمن ، وقد انفرد عنه بالإخراج مسلم ووثق .

[ ص: 147 ] وفي سند الحاكم محمد بن سنان القزاز . قال الدارقطني : لا بأس به .

وضعفه غيره جدا ، وقد تابعه ابن بشار الإمام كما هو عند ابن ماجه ، وأما ابن جرير الطبري فقال : في إسناده نظر . ولابن ماجه من حديث مكحول وسليمان بن موسى عن واثلة مرفوعا : "من باع (عيبا) لم يبينه لم يزل في مقت الله ولم تزل الملائكة تلعنه" .

وروى مكحول عن أبي أمامة مرفوعا : "أيما مسلم استرسل إلى مسلم فغبنه كان غبنه ذاك ربا" ، رواه قاضي سمرقند محمد بن أسلم في كتاب "الربا" عن علي بن إسحاق : أنا موسى بن عمير ، عن مكحول به .

[ ص: 148 ] وحديث الباب يأتي قريبا في باب : كم يجوز الخيار ، وأقرب منه باب : ما يمحق الكذب والكتمان في البيع .

وأصل الباب : أن نصيحة المسلم للمسلم واجبة ، وقد كان سيد الأمة يأخذها في البيعة على الناس كما يأخذ عليهم الفرائض .

[ ص: 149 ] قال جرير : بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة ، فشرط علي :

"والنصح لكل مسلم"
كما سلف آخر الإيمان ، فكان إذا بايع أحدا يقول : " الذي أخذنا منك أحب إلينا من الذي أعطيناك" لأجل هذه المبايعة .

وأمر أمير المؤمنين بالتحابب والمؤاخاة في الله . وصح كما سلف أنه : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ; فحرم بهذا كله غش المؤمن وخديعته ، دليله حديث عقبة السالف وغيره ، فكتمان العيب في السلع حرام ، ومن فعل هذا فهو متوعد بمحق بركة بيعه في الدنيا والعقاب الأليم في الآخرة .

وعندنا : أن الأجنبي إذا علم بالعيب -أيضا- يجب عليه بيانه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث