الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الذهب أو الفضة الذي وجبت فيه الزكاة كله جيدا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( باب زكاة الذهب والفضة : تجب الزكاة في الذهب والفضة ، لقوله عز وجل { : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } ; ولأن الذهب والفضة معد للنماء فهو كالإبل والبقر السائمة ولا تجب فيما سواهما من الجواهر كالياقوت والفيروزج واللؤلؤ والمرجان ; لأن ذلك معد للاستعمال ، فهو كالإبل والبقر العوامل ولا تجب فيما دون النصاب من الذهب والفضة . ونصاب الذهب عشرون مثقالا ; لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " { ولا يجب في أقل من عشرين مثقالا من الذهب شيء } ونصاب الفضة مائتا درهم والدليل عليه ما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { إذا بلغ مال أحدكم خمس أواق : مائتي درهم ففيه خمسة دراهم } والاعتبار بالمثقال الذي كان بمكة ، ودراهم الإسلام التي [ كل عشرة بوزن سبعة مثاقيل ] ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 488 ] قال : " { الميزان ميزان أهل مكة ، والمكيال مكيال أهل المدينة } ولا يضم أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب ; لأنهما جنسان فلم يضم أحدهما إلى الآخر كالإبل والبقر وزكاتهما ربع العشر نصف مثقال عن عشرين مثقالا من الذهب ، وخمسة دراهم عن مائتي درهم . والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في كتاب الصدقات " { في الرقة ربع العشر } وروى عاصم بن جمرة عن علي رضي الله عنه أنه قال : " ليس في أقل من عشرين دينارا شيء ، وفي عشرين نصف دينار " ويجب فيما زاد على النصاب بحسابه ; لأنه يتجزأ من غير ضرر ، فوجب فيما زاد بحسابه . ويجب في الجيد الجيد وفي الرديء الرديء ، فإن كانت أنواعا قليلة وجب في كل نوع بقسطه وإن كثرت الأنواع أخرج من الوسط كما قلنا في الثمار وإن كان له ذهب مغشوش أو فضة مغشوشة - فإن كان الذهب والفضة فيه قدر الزكاة وجبت الزكاة ، وإن لم تبلغ لم تجب ، وإن لم يعرف قدر ما فيه من الذهب والفضة ، فهو بالخيار ، إن شاء شبك ليعرف الواجب فيخرجه ، وإن شاء أخرج واستظهر ليسقط الفرض بيقين ) .

التالي السابق


( السابعة ) : إذا كان الذهب أو الفضة الذي وجبت فيه الزكاة كله جيدا أخرج جيدا منه ، أو من غيره ، فإن أخرج دونه معيبا أو رديئا أو مغشوشا لم يجزئه ، هكذا قطع به الأصحاب في كل الطرق ، وحكى الرافعي عن الصيدلاني أنه يجوز قال : وهو غلط ، وحكاه عنه إمام الحرمين فيما إذا كان البعض جيدا [ ص: 492 ] والبعض رديئا فأخرج عن الجميع رديئا ، قال الصيدلاني : يجزيه مع الكراهة ، قال الإمام : وهذا عندي خطأ محض صريح إذا اختلفت القيمة ، فالصواب ما سبق أنه لا يجزيه بلا خلاف ، وهل له استرجاع المعيب والرديء والمغشوش ؟ فيه وجهان أو قولان مشهوران ، محكيان في الحاوي والشامل والمستظهري والبيان وغيرهم عن ابن سريج ، ( أحدهما ) : ليس له الرجوع ; ويكون متطوعا ; لأنه أخرج المعيب في حق الله تعالى ، فلم يكن له استرجاعه ، كما لو لزمه عتق رقبة سليمة فأعتق معيبة ، فإنها تعتق ولا تجزيه ; ولا رجوع له بلا خلاف ، ( والثاني ) له الرجوع وهو الصحيح باتفاق الأصحاب ; لأنه لم يجزئه عن الزكاة ، فجاز له الرجوع كما لو عجل الزكاة فتلف ماله قبل الحول ، قال صاحب الشامل : وهذا ينبغي أن يكون إذا بين عند الدفع كونها زكاة هذا المال بعينه ، فإن أطلق لم يتوجه الرجوع ، وجزم صاحب المستظهري بهذا الوجه الذي ذكره صاحب الشامل ، فإن قلنا بالصحيح : إن له استرجاعها فإن كانت باقية أخذها ، فإن استهلكها المساكين أخرج التفاوت . قال ابن سريج : وكيفية معرفة ذلك أن يقوم المخرج بجنس آخر ، فيعرف التفاوت ، مثاله معه مائتا درهم جيدة ، فأخرج عنها خمسة معيبة ، فقومنا الخمسة الجيدة بذهب ، فساوت نصف دينار ، وساوت المعيبة خمسي دينار ، فعلمنا أنه بقي عليه درهم جيد . هذا كله إذا كان كل ماله جيدا ، فإن كان كله رديئا كفاه الإخراج من نفسه أو من رديء مثله ، وهذا لا خلاف فيه ، وإن تبرع ، فأخرج أجود منه أجزأه وكان خيرا وأفضل ، وإن كانت الفضة أو الذهب أنواعا بعضها جيد وبعضها رديء أو بعضها أجود من بعض .

فإن قلت الأنواع وجب من كل نوع بقسطه وإن كثرت وشق اعتبار الجميع أخرج من أوسطها لا من الأجود ولا من الأردأ ، كما سبق في الثمار . ويجوز إخراج الصحيح عن المكسور ، وقد زاد خيرا ، ولا يجوز عكسه . بل إذا لزمه دينار جمع المستحقين وسلمه إليهم كلهم بأن يسلمه إلى واحد بإذن الباقين ، وإن وجب نصف دينار وسلم إليهم دينارا كاملا نصفه عن الزكاة ونصفه يبقى له معهم أمانة ، فإذا تسلموه برئت ذمته من الزكاة ، ثم يتفاصل هو وهم في الدينار بأن يبيعوه لأجنبي ، ويتقاسموا ثمنه أو يشتروا منه نصيبه أو يشتري نصيبهم لكن يكره له شرى صدقته [ ص: 493 ] ممن تصدق عليه ، سواء الزكاة وصدقة التطوع . كما سنوضحه في آخر قسم الصدقات إن شاء الله تعالى ، وهذا الذي ذكرناه من أنه لا يجزئ المكسر عن الصحيح هو المذهب وبه قطع جمهور الأصحاب . قال الرافعي : وحكي ( وجه ثان ) أنه يجوز أن يصرف إلى كل مسكين حصته مكسرا ( ووجه ثالث ) : أنه يجوز ذلك لكن مع التفاوت بين الصحيح والمكسر ، ( ووجه رابع ) : أنه يجوز إذا لم يكن بين الصحيح والمكسر فرق في المعاملة والصواب الأول .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث