الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم

الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء الظاهر أن الاسم [ ص: 47 ] الجليل مبتدأ ( والذي ) خبره، والاستفهام إنكاري ( ومن شركائكم ) خبر مقدم ( ومن ) مبتدأ مؤخر ( ومن ) فيه للتبعيض، ( ومن ذلكم ) صفة ( شيء ) قدمت عليه فأعربت حالا، ( ومن ) فيه للتبعيض أيضا، ( وشيء ) مفعول يفعل، ( ومن ) الداخلة عليه مزيدة لتأكيد الاستغراق، وجوز الزمخشري أن يكون الاسم الجليل مبتدأ، ( والذي ) صفته، والخبر هل من شركائكم إلخ، والرابط اسم الإشارة المشار به إلى أفعاله تعالى السابقة - فمن ذلكم - بمعنى من أفعاله، ووقعت الجملة المذكورة خبرا لأنها خبر منفي معنى، وإن كانت استفهامية ظاهرا فكأنه قيل: الله الخالق الرازق المميت المحيي لا يشاركه شيء ممن لا يفعل أفعاله هذه، وبعضهم جعلها خبرا بتقدير القول، فكأنه قيل: الله الموصوف بكونه خالقا ورازقا ومميتا ومحييا مقول في حقه: هل من شركائكم من هو موصوف بما هو موصوف به.

وتعقب ذلك أبو حيان بأن اسم الإشارة لا يكون رابطا إلا إذا أشير به إلى المبتدإ، وهو هنا ليس إشارة إليه، لكنه شبيه بما أجازه الفراء من الربط بالمعنى، وخالفه الناس، وذلك في قوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن [البقرة: 234]، فإن التقدير: يتربصن أزواجهم، فقدر الضمير بمضاف إلى ضمير ( الذين )، فحصل به الربط.

وكذلك قدر الزمخشري (من ذلكم) بمن أفعاله المضاف إلى ضمير المبتدإ، لكن لا يخفى أن الإضافة غير معتبرة، وعلى تقدير اعتبارها يلزم تقدير مضاف آخر، وجوز أن تكون ( من ) الأولى لبيان من يفعل، ومتعلقها محذوف، ( ومن يفعل ) فاعل لفعل محذوف، أي: هل حصل واستقر من يفعل كائنا من شركائكم، وكذا جوز في ( من ) الثانية أن تكون لبيان المستغرق، وقيل: إن (من) الأولى (ومن) الثانية زائدتان كالثالثة، وهو كما ترى، والآية على ما قلناه أولا متضمنة جملتين دلت الأولى على إثبات ما هو من اللوازم المساوية للألوهية من الخلق والرزق والإماتة والإحياء له عز وجل، وأفادت الثانية بواسطة عكس السالبة الكلية نفيها رأسا عن شركائهم الذين اتخذوهم شركاء له سبحانه من الأصنام وغيرها مؤكدا بالإنكار، والعقل حاكم بأن ما يتخذ شريكا كالذي اتخذ في الحكم المذكور، أعني نفي تلك الأفعال منه، وإن شئت جعلت ( شركائكم ) شاملا للصنفين، ويفهم من ذلك عدم صحة الشركة، إذ لا يعقل شركة ما ليس بإله لعدم وجود لازم الألوهية فيه لمن هو إله في الألوهية، ولتأكيد ذلك قال سبحانه وتعالى: سبحانه وتعالى عما يشركون أي عن شركهم، والتعبير بالمضارع لما في الشرك من الغرابة، أو للإشعار باستمراره وتجدده منهم، وأشار بعضهم إلى أن تينك الجملتين يؤخذ منهما مقدمتان موجبة وسالبة كلية، مرتبتان على هيئة قياس من الشكل الثاني، وأن قوله تعالى: ( سبحانه ) إلخ، يؤخذ منه سالبة كلية، هي نتيجة ذلك القياس، فتكون الجملتان المذكورتان في حكم قياس من الشكل الثاني، وقوله تعالى: ( سبحانه ) إلخ، في حكم النتيجة له، ولا يخفى احتياج ذلك إلى تكلف فتأمل جدا، وقرأ الأعمش، وابن وثاب «تشركون» بتاء الخطاب.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث