الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم

جزء التالي صفحة
السابق

ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما

ولن تستطيعوا : ومحال أن تستطيعوا العدل بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن ، فرفع لذلك عنكم تمام العدل وغايته ، وما كلفتم منه إلا ما تستطيعون بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم ، لأن تكليف ما لا يستطاع داخل في حد الظلم وما ربك بظلام للعبيد [فصلت : 46] وقيل : معناه أن تعدلوا في المحبة ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول "هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" يعني : المحبة; لأن عائشة - رضي الله عنها - كانت أحب إليه ، وقيل : إن العدل بينهن أمر صعب بالغ من الصعوبة حدا يوهم أنه غير مستطاع ، لأنه يجب أن يسوي بينهن في القسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها مما لا يكاد الحصر يأتي من ورائه ، فهو كالخارج من حد الاستطاعة . هذا إذا كن محبوبات كلهن; فكيف إذا مال القلب مع بعضهن فلا تميلوا كل الميل : فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها من غير رضا [ ص: 159 ] منها ، يعني : أن اجتناب كل الميل مما هو في حد اليسر والسعة; فلا تفرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في العدل كله ، وفيه ضرب من التوبيخ فتذروها كالمعلقة : وهي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة قال [من الرجز] :


هل هي إلا حظة أو تطليق أو صلف أو بين ذاك تعليق؟



وفي قراءة أبي : فتذروها كالمسجونة ، وفي الحديث : "من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" ، وروي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعث إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال ، فقالت عائشة - رضي الله عنها - : أإلى كل أزواج رسول الله بعث عمر مثل هذا؟ قالوا : لا، بعث إلى القرشيات بمثل هذا وإلى غيرهن بغيره ، [ ص: 160 ] فقالت : ارفع رأسك فإن رسول الله "صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه . فرجع الرسول فأخبره ، فأتم لهن جميعا وكان لمعاذ امرأتان ، فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى ، فماتتا بالطاعون فدفنهما في قبر واحد وإن تصلحوا : ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة وتتقوا فيما يستقبل ، غفر الله لكم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث