الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ثماني عشرة وستمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 367 ] 618

ثم دخلت سنة ثماني عشرة وستمائة

ذكر وفاة قتادة أمير مكة وملك ابنه الحسن وقتل أمير الحاج

في هذه السنة ، في جمادى الآخرة ، توفي قتادة بن إدريس العلوي ، ثم الحسني ، أمير مكة ، حرسها الله ، بها ، وكان عمره نحو تسعين سنة ، وكانت ولايته قد اتسعت من حدود اليمن إلى مدينة النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وله قلعة ينبع بنواحي المدينة ، وكثر عسكره ، واستكثر من المماليك ، وخافه العرب في تلك البلاد خوفا عظيما .

وكان ، في أول ملكه ، لما ملك مكة ، حرسها الله ، حسن السيرة أزال عنها العبيد المفسدين ، وحمى البلاد ، وأحسن إلى الحجاج ، وأكرمهم ، وبقي كذلك مدة ، ثم إنه بعد ذلك أساء السيرة ، وجدد المكوس بمكة ، وفعل أفعالا شنيعة ، ونهب الحاج في بعض السنين كما ذكرناه .

ولما مات ملك بعده ابنه الحسن ، وكان له ابن آخر اسمه راجح ، مقيم في العرب بظاهر مكة ، يفسد ، وينازع أخاه في ملك مكة ، فلما سار حاج العراق كان الأمير عليهم مملوكا من مماليك الخليفة الناصر لدين الله اسمه أقباش ، وكان حسن السيرة مع الحاج في الطريق ، كثير الحماية ، فقصده راجح بن قتادة ، وبذل له وللخليفة مالا ليساعده على ملك مكة ، فأجابه إلى ذلك ووصلوا إلى مكة ، ونزلوا [ ص: 368 ] بالزاهر ، وتقدم إلى مكة مقاتلا لصاحبها حسن .

وكان حسن قد جمع جموعا كثيرة من العرب وغيرها ، فخرج إليه من مكة وقاتله ، وتقدم أمير الحاج من بين يدي عسكره منفردا ، وصعد الجبل إدلالا بنفسه ، وأنه لا يقدم أحد عليه ، فأحاط به أصحاب حسن ، وقتلوه ، وعلقوا رأسه ، فانهزم عسكر أمير المؤمنين ، وأحاط أصحاب حسن بالحاج لينهبوهم ، فأرسل إليهم حسن عمامته أمانا للحجاج ، فعاد أصحابه ولم ينهبوا منهم شيئا ، وسكن الناس ، وأذن لهم حسن في دخول مكة وفعل ما يريدونه من الحج والبيع وغير ذلك ، وأقاموا بمكة عشرة أيام ، وعادوا ، فوصلوا إلى العراق سالمين ، وعظم الأمر على الخليفة ، فوصلت رسل حسن يعتذرون ، ويطلبون العفو عنه ، فأجيب إلى ذلك .

وقيل في موت قتادة : إن ابنه حسنا خنقه فمات ، وسبب ذلك أن قتادة جمع جموعا كثيرة وسار عن مكة يريد المدينة ، فنزل بوادي الفرع وهو مريض ، وسير أخاه على الجيش ومعه ابنه الحسن بن قتادة ، فلما أبعدوا بلغ الحسن أن عمه قال لبعض الجند : إن أخي مريض ، وهو ميت لا محالة وطلب منهم أن يحلفوا له ليكون هو الأمير بعد أخيه قتادة ، فحضر الحسن عند عمه ، واجتمع إليه كثير من الأجناد والمماليك الذين لأبيه ، فقال الحسن لعمه : قد فعلت كذا وكذا فقال : لم أفعل فأمر حسن الحاضرين بقتله ، فلم يفعلوا ، وقالوا : أنت أمير وهذا أمير ، ولا نمد أيدينا إلى أحدكما . فقال له غلامان لقتادة : نحن عبيدك ، فمرنا بما شئت فأمرهما أن يجعلا عمامة عمه في عنقه ، ففعلا ، ثم قتله .

فسمع قتادة الخبر ، فبلغ منه الغيظ كل مبلغ ، وحلف ليقتلن ابنه ، وكان على ما ذكرناه من المرض ، فكتب بعض أصحابه إلى الحسن يعرفه الحال ، ويقول له : ابدأ به قبل أن يقتلك فعاد الحسن إلى مكة ، فلما وصلها قصد دار أبيه في نفر يسير ، فوجد على باب الدار جمعا كثيرا ، فأمرهم بالانصراف إلى منازلهم ، ففارقوا الدار ، [ ص: 369 ] وعادوا إلى مساكنهم ، ودخل الحسن إلى أبيه ، فلما رآه أبوه شتمه ، وبالغ في ذمه وتهديده ، فوثب إليه الحسن فخنقه لوقته ، وخرج إلى الحرم الشريف ، وأحضر الأشراف ، وقال : إن أبي قد اشتد مرضه ، وقد أمركم أن تحلفوا لي أن أكون أنا أميركم . فحلفوا له ثم إنه أظهر تابوتا ودفنه ليظن الناس أنه مات ، وكان قد دفنه سرا .

فلما استقرت الإمارة بمكة له أرسل إلى أخيه الذي بقلعة الينبع على لسان أبيه يستدعيه ، وكتم موت أبيه عنه ، فلما حضر أخوه قتله أيضا ، واستقر أمره ، وثبت قدمه ، وفعل بأمير الحاج ما تقدم ذكره ، فارتكب عظيما : قتل أباه وعمه وأخاه في أيام يسيرة ، لا جرم لم يمهله الله ، سبحانه وتعالى ، نزع ملكه ، وجعله طريدا شريدا خائفا يترقب .

وقيل إن قتادة كان يقول شعرا ، فمن ذلك أنه طلب ليحضر عند أمير الحاج ، كما جرت عادة أمراء مكة ، فامتنع ، فعوتب من بغداد ، فأجاب بأبيات شعر منها :


ولي كف ضرغام أدل ببطشها وأشري بها بين الورى وأبيع     تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها
وفي وسطها للمجدين ربيع     أأجعلها تحت الرحا ثم أبتغي
خلاصا لها ؟ إني إذا لرقيع !     وما أنا إلا المسك في كل بلدة
يضوع ، وأما عندكم فيضيع



ذكر عدة حوادث

في هذه السنة استعاد المسلمون مدينة دمياط بالديار المصرية من الفرنج ، وقد تقدم ذكرها مشروحا مفصلا .

[ ص: 370 ] وفيها ، في صفر ، ملك التتر مراغة وخربوها وأحرقوها وقتلوا أكثر أهلها ، ونهبوا أموالهم وسبوا حريمهم .

وسار التتر منها إلى همذان ، وحاصروه ، فقاتلهم أهلها وظفر بها التتر ، وقتلوا منهم ما لا يحصى ، ونهبوا البلد .

وساروا إلى أذربيجان ، فأعادوا النهب ، ونهبوا ما بقي من البلاد ، ولم ينهبوه أولا .

ووصلوا إلى بيلقان ، من بلاد أران ، فحصروها وملكوها وقتلوا أهلها حتى كادوا يفنونهم ، ونهبوا أموالهم ، وساروا إلى بلاد الكرج من أذربيجان وأران ، ولقيهم خلق كثير من الكرج ، فقاتلوهم فانهزم الكرج ، وكثر القتل فيهم ، ونهب أكثر بلادهم وقتل أهلها ، وساروا من هناك إلى دربند شروان ، وحصروا مدينة شماخي ، وملوكها ، وقتلوا كثيرا من أهلها .

وساروا إلى بلد اللان واللكز ومن عندهم من الأمم ، فأوقعوا ، ورحلوا عن قفجاق ، وأجلوهم عنها ، واستولوا عليها ، وساحوا في تلك الأرض حتى وصلوا إلى بلاد الروس ، وقد تقدم ذكر جميعه مستقصى ، وإنما أوردناه هاهنا جملة ليعلم الذي كان في هذه السنة من حوادثهم .

[ الوفيات ]

وفيها توفي صديقنا أمين الدين ياقوت الكاتب الموصلي ، ولم يكن في زمانه من يكتب ما يقاربه ، ولا من يؤدي طريقة ابن البواب مثله ; وكان ذا فضائل جمة من علم الأدب وغيره ، وكان كثير الخير ، نعم الرجل ، مشهورا في الدنيا ، والناس متفقون على الثناء الجميل عليه والمدح له ، ولهم فيه أقوال كثيرة نظما ونثرا ، فمن ذلك ما قاله نجيب الدين الحسين بن علي الواسطي من قصيدة يمدحه بها :


جامع شارد العلوم ولولا     ه لكانت أم الفضائل ثكلى
ذو يراع تخاف سطوته الأس     د وتعنو له الكتائب ذلا
[ ص: 371 ] وإذا افتر ثغره عن سواد     في بياض فالبيض والسمر خجلى
أنت بدر والكاتب ابن هلال     كأبيه لا فخر فيمن تولى



ومنها :


إن يكن أولا ، فإنك بالتف     ضيل أولى ، لقد سبقت وصلى



وهي طويلة ، والكاتب ابن هلال هو ابن البواب الذي هو أشهر من أن يعرف .

وفيها توفي جلال الدين الحسن ، وهو من أولاد الحسن بن الصباح ، الذي تقدم ذكره ، صاحب ألموت وكردكوه ، وهو مقدم الإسماعيلية ، وقد ذكرنا أنه كان قد أظهر شريعة الإسلام من الأذان والصلاة ، وولي بعد ابنه علاء الدين محمد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث