الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع أصدق امرأته أربعين شاة سائمة بأعيانها لزمها الزكاة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وإن كان معه أجرة [ دار ] لم يستوف المستأجر منفعتها وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة ; لأنه يملكها ملكا تاما . وفي وجوب الإخراج قولان . قال في البويطي : يجب لأنه يملكها ملكا تاما فأشبه مهر المرأة ، وقال في الأم : لا يجب ; لأن ملكه قبل استيفاء المنفعة غير مستقر ، لأنه قد تنهدم الدار فتسقط الأجرة فلم تجب الزكاة فيه كدين الكتابة ، والأول أصح ; لأن هذا يبطل بالصداق قبل الدخول ، فإنه يجوز أن يسقط بالردة ، ويسقط نصفه بالطلاق ثم يجب إخراج زكاته ) .

التالي السابق


( فرع ) : إذا أصدق امرأته أربعين شاة سائمة بأعيانها لزمها الزكاة إذا تم حولها من يوم الإصداق ، سواء أدخل بها أم لا ، وسواء قبضتها أم لا ، هذا هو المذهب ، وقد سبقت الإشارة إليها ، وقد صرح به المصنف في قياسه ، وفيه قول مخرج من الأجرة أنه إذا لم يدخل بها فهو كالأجرة على ما سبق وحكي وجه أنه ما لم يقبضها لا زكاة عليها ولا على الزوج ، تفريعا على أن الصداق مضمون ضمان العقد ، فيكون على الخلاف في المبيع قبل القبض ، وبهذا قال أبو حنيفة : والمذهب الصحيح الذي قطع به الجمهور القطع بالوجوب عليها مطلقا ، ولو طلقها قبل الدخول نظر إن طلقها قبل الحول عاد نصف الماشية إلى الزوج ، فإن لم يميز فهما خليطان فعليها عند تمام الحول من يوم الإصداق نصف شاة .

وإن طلق بعد تمام الحول فلها ثلاثة أحوال .

( أحدها ) أن تكون قد أخرجت الزكاة من نفس الماشية ففيما يرجع به الزوج ثلاثة أقوال : ( أحدها ) نصف الجملة فإن تساوت قيمة الغنم أخذ [ ص: 513 ] منها عشرين ، وإن اختلفت أخذ النصف بالقيمة وهذا نصه في المختصر ، ( والثاني ) نصف الغنم الباقية ، ونصف قيمة الشاة المخرجة ، وهو نصه في كتاب الزكاة من الأم وهو الأصح ، قال ابن الصباغ : هو الأقيس لأن حقه يتعلق بنصف عين الصداق ; وقد ذهب بعض العين ، فيرجع في نصف ما بقي ، ( والثالث ) أنه بالخيار بين ما ذكرنا في القول الثاني ، وبين أن يترك الجميع ويرجع بنصف القيمة ، وهو نصه في كتاب الصداق ، هذا إذا كان المخرج من جنس مال الصداق ، فلو كان من غير جنسه بأن أصدقها خمسا من الإبل ، فحال الحول فباعت بعيرا ، واشترت من ثمنه شاة أخرجتها زكاة فنقل السرخسي عن الأصحاب أنه إن قلنا : إذا كان الواجب من جنسه ينصرف المخرج إلى حصتها ويرجع الزوج بعشرين شاة فهنا أولى ، وإلا فقولان :

( أحدهما ) الحكم كما سبق من القولين الباقيين من الثلاثة ، ( والثاني ) أنه ينصرف هنا إلى نصيبها وإن لم ينصرف هناك فيرجع الزوج بعشرين كاملة ; لأنها باختيارها صرفت المخرج في هذه الجهة ، فوجب اختصاصه بها .

( الحال الثاني ) أن تكون أخرجت الزكاة من موضع آخر فالمذهب وبه قطع العراقيون وغيرهم ، يأخذ نصف الأربعين ، وقال الصيدلاني وجماعة : فيه وجهان أحدهما : هذا ، والثاني : يرجع إلى نصف القيمة .

( الحال الثالث ) أن لا تخرج الزكاة أصلا ، فالمذهب أن نصف الأربعين تعود إلى الزوج شائعا ، فإذا جاء الساعي وأخذ من عينها شاة رجع الزوج عليها بنصف قيمتها . قال صاحب الحاوي : فلو اقتسماها قبل إخراج زكاتها ففي صحة القسمة وجهان مخرجان من القولين في تعلق الزكاة بالعين أو الذمة ، إن قلنا تتعلق بالعين فالقسمة باطلة ، وإن قلنا بالذمة فصحيحة ، فعلى هذا لهما عند مطالبة الساعي بالزكاة أربعة أحوال : ( أحدها ) أن يكون نصيب كل واحد منهما باقيا في يده ، فيأخذ الساعي الزكاة مما في يدها دون ما في يد الزوج ، لأن الزكاة إنما وجبت عليها ، فإذا أخذها منها استقر ملك الزوج على ما في يده .

( الثاني ) أن يكون نصيباهما تالفين ، فأيهما يطالب بالزكاة ؟ وجهان أحدهما : الزوجة لأن الوجوب عليها ، والثاني : للساعي مطالبة من شاء [ ص: 514 ] منهما ، لأن الزكاة وجبت فيما كان بأيديهما ، فإن طالب الزوجة لم يرجع على الزوج ، وإن طالبه وأخذ منه رجع على الزوجة .

( الثالث ) أن يكون ما في يدها باقيا دون ما في يده فيأخذ الساعي منها ولا رجوع لها .

( الرابع ) أن يكون ما في يد الزوج باقيا ، دون ما في يدها ، فيأخذ الساعي الزكاة مما في يد الزوج ، لأن الزكاة تعلقت بما في يده ، فإذا أخذها ففي بطلان القسمة وجهان ; أحدهما : تبطل لأنه أخذها بسبب متقدم ، فصار قدر الزكاة كالمستحق حال القسمة .

فعلى هذا بطلان القسمة يكون لوجود بعض الصداق للزوج دون بعضه ، فيكون على الأقوال الثلاثة ، والوجه الثاني لا تبطل القسمة ، لأن الوجوب في ذمتها وأخذ الساعي كان بعد صحة القسمة فلم يبطلها ، كما لو أتلفت المرأة شيئا مما في يد الزوج بقسمة ، فعلى هذا للزوج أن يرجع على الزوجة بقيمة الشاة المأخوذة وإن كانت مثل ما وجب عليها ، فإن أخذ الساعي منه زيادة لم يرجع بالزيادة ; لأن الساعي ظلمه بها فلا يجوز رجوعه على غيره . هذا آخر كلام صاحب الحاوي قال القاضي أبو الطيب في المجرد والأصحاب في هذين الوجهين الأخيرين : الصحيح أنه لا تبطل القسمة . وقال السرخسي : إذا طلقها بعد الحول وقبل إخراج الزكاة فتقاسما قبل إخراج الزكاة صحت المقاسمة على ظاهر نص الشافعي رضي الله عنه وعليه فرع الشافعي رضي الله عنه . لكن قال أصحابنا : إن قلنا : القسمة إفراز صحت كما نص عليه . فإن قلنا : إنها بيع فحكمه ما سبق في بيع مال الزكاة ، فإن قلنا : بصحة القسمة فجاء الساعي لأخذ الزكاة فإن وجد في ملك المرأة من عين الصداق أو غيره قدر الزكاة أخذها منها وإلا فمما أخذه الزوج ، ثم يرجع الزوج عليها بقيمة المأخوذ . قال القاضي أبو الطيب وغيره : وهذا الحكم في كل صداق تجب الزكاة في عينه قال الشافعي في الأم والأصحاب : ولو أصدقها أربعين شاة في الذمة فلا زكاة ، وإن مضت أحوال ، وهذا لا خلاف فيه ، لأن الحيوان يشترط [ ص: 515 ] في زكاته السوم ولا يتصور ذلك فيما في الذمة ، وقد تقدمت هذه المسألة ، وكذا لو أسلم إليه في أربعين شاة فلا زكاة فيها بلا خلاف لما ذكرناه . والله تعالى أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث