الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات

ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض رجوع إلى سنن ما سلف قبل قصة لقمان من خطاب المشركين، وتوبيخ لهم على إصرارهم على ما هم عليه مع مشاهدتهم لدلائل التوحيد، والتسخير على ما قال الراغب: سياقة الشيء إلى الغرض المختص به قهرا، وفي إرشاد العقل السليم المراد به إما جعل المسخر بحيث ينفع المسخر له أعم من أن يكون منقادا له يتصرف فيه كيف يشاء، ويستعمله كيف يريد كعامة ما في الأرض من الأشياء المسخرة للإنسان المستعملة له من الجماد والحيوان، أو لا يكون كذلك بل يكون سببا لحصول مراده من غير أن يكون له دخل في استعماله كجميع ما في السماوات من الأشياء التي نيطت بها مصالح العباد معاشا أو معادا، وأما جعله منقادا للأمر مذللا على أن معنى ( لكم ) لأجلكم [ ص: 93 ] فإن جميع ما في السماوات والأرض من الكائنات مسخرة لله تعالى مستتبعة لمنافع الخلق، وما يستعمله الإنسان حسبما يشاء، وإن كان مسخرا له بحسب الظاهر، فهو في الحقيقة مسخر لله عز وجل، وأسبغ أي أتم، وأوسع عليكم نعمه جمع نعمة وهي في الأصل الحالة المستلذة، فإن بناء الفعلة كالجلسة والركبة للهيئة، ثم استعملت فيما يلائم من الأمور الموجبة لتلك الحالة إطلاقا للمسبب على السبب، وفي معنى ذلك قولهم: هي ما ينتفع به ويستلذ، ومنهم من زاد ويحمد عاقبته، وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذه الزيادة لأن اللذة عند المحققين أمر تحمد عاقبته، وعليه لا يكون لله عز وجل على كافر نعمة، ونقل الطيبي عن الإمام أنه قال: النعمة عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، ومنهم من يقول: المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير قالوا: وإنما زدنا قيد الحسنة، لأن النعمة يستحق بها الشكر، وإذا كانت قبيحة لا يستحق بها الشكر، والحق أن هذا القيد غير معتبر، لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان، وإن كان فعله محظورا، لأن جهة الشكر كونه إحسانا، وجهة استحقاق الذم والعقاب الحظر، فأي امتناع في اجتماعهما، ألا ترى أن الفاسق يستحق الشكر لإنعامه، والذم لمعصية الله تعالى، فلم لا يجوز أن يكون الأمر ها هنا كذلك، أما قولنا: المنفعة، فلأن المضرة المحضة لا تكون نعمة، وقولنا: المفعولة على جهة الإحسان، لأنه لو كان نفعا، وقصد الفاعل به نفع نفسه، لا نفع المفعول به، لا يكون نعمة، وذلك كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها اهـ، ويعلم منه حكم زيادة ويحمد عاقبته، ظاهرة وباطنة أي محسوسة ومعقولة معروفة لكم، وغير معروفة، وعن مجاهد : النعمة الظاهرة ظهور الإسلام، والنصرة على الأعداء، والباطنة الإمداد من الملائكة عليهم السلام، وعن الضحاك : الظاهرة حسن الصورة، وامتداد القامة، وتسوية الأعضاء، والباطنة المعرفة، وقيل: الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح، والباطنة القلب والعقل والفهم، وقيل: الظاهرة نعم الدنيا والباطنة نعم الآخرة، وقيل: الظاهرة نحو إرسال الرسل، وإنزال الكتب، والتوفيق لقبول الإسلام، والإتيان به، والثبات على قدم الصدق، ولزوم العبودية، والباطنة ما أصاب الأرواح في عالم الذر من رشاش نور النور، وأول الغيث قطر، ثم ينسكب.

ونقل بعض الإمامية عن الباقر رضي الله تعالى عنه أنه قال: الظاهرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وما جاء به من معرفة الله تعالى، وتوحيده، والباطنة ولايتنا أهل البيت، وعقد مودتنا، والتعميم الذي أشرنا إليه أولا أولى، لكن أخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن عطاء قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله تعالى: وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة قال: هذه من كنوز علمي، سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: أما الظاهرة فما سوى من خلقك، وأما الباطنة فما ستر من عورتك، ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم.

وفي رواية أخرى رواها ابن مردويه، والديلمي، والبيهقي ، وابن النجار ، عن ابن عباس أنه قال: سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن قوله تعالى: وأسبغ إلخ، قال: أما الظاهرة فالإسلام وما سوى من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه، وأما الباطنة فما ستر من مساوئ عملك.

فإن صح ما ذكر فلا يعدل عنه إلى التعميم، إلا أن يقال: الغرض من تفسير الظاهرة والباطنة بما فسرنا به التمثيل وهو الظاهر، لا التخصيص، وإلا لتعارض الخبران.

ثم إن ظاهر هذين الخبرين يقتضي كون الذنب وهو المعبر عنه في الأول بما ستر من العورة، وفي الثاني بما ستر من مساوئ العمل، نعمة، ولم نر في كلامهم التصريح بإطلاقها عليه، ويلزمه أن من كثرت ذنوبه كثرت [ ص: 94 ] نعم الله تعالى عليه، فكان المراد أن النعمة الباطنة هي ستر ما ستر من العورة ومساوئ العمل، ولم يقل كذلك اعتمادا على وضوح الأمر، وجاء في بعض الآثار ما يقتضي ذلك، أخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي عن مقاتل : أنه قال في الآية: ( ظاهرة ) الإسلام، ( وباطنة ) ستره تعالى عليكم المعاصي، بل جاء في بعض روايات الخبر الثاني: وأما ما بطن فستر مساوئ عملك.

وجوز أن يكون (ما) في ما ستر في الخبرين مصدرية، ومن صلة ستر، لا بيان لما، وقرأ يحيى بن عمارة (وأصبغ) بالصاد، وهي لغة بني كلب، يبدلون من السين إذا اجتمعت مع أحد الحروف المستعلية الغين والخاء والقاف صادا فيقولون في سلخ صلخ، وفي سقر صقر، وفي سائغ صائغ، ولا فرق في ذلك بين أن يفصل بينهما فاصل وأن لا يفصل، وظاهر كلام بعضهم أنه لا فرق أيضا بين أن تتقدم السين على أحد تلك الأحرف وأن تتأخر، واشترط آخر تقدم السين، وذكر الخفاجي أنه إبدال مطرد.

وقرأ بعض السبعة وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما «نعمة» بالإفراد، وقرئ «نعمته» بالإفراد والإضافة، ووجه الإفراد بإرادة الجنس كما قيل ذلك في قوله تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وقال الزجاج : من قرأ «نعمة» فعلى معنى ما أعطاهم من التوحيد، ومن قرأ (نعمه) بالجمع فعلى جميع ما أنعم به عليهم، والأول أولى، ونصب ظاهرة وباطنة في قراءة التعريف على الحالية، وفي قراءة التنكير على الوصفية، ومن الناس من يجادل من الجدال، وهو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت الحبل، أي أحكمت فتله، كان المتجادلين يفتل كل منهما صاحبه عن رأيه، وقيل: الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة، وكأن الجملة في موضع الحال من ضميره تعالى فيما قيل، أي ألم تروا أن الله سبحانه فعل ما فعل من الأمور الدالة على وحدته سبحانه وقدرته عز وجل، والحال من الناس من ينازع ويخاصم كالنضر بن الحارث وأبي ابن خلف كانا يجادلان النبي صلى الله عليه وسلم في الله أي في توحيده عز وجل وصفاته جل شأنه كالمشركين المنكرين وحدته سبحانه وعموم قدرته جلت قدرته وشمولها للبعث، ولم يقل فيه بدل في الله بإرجاع الضمير للاسم الجليل في قوله تعالى: ألم تروا أن الله سخر لكم تهويلا لأمر الجدال بغير علم مستفاد من دليل عقلي ولا هدى راجع إلى رسول مأخوذ منه، وجوز جعل الهدى نفس الرسول مبالغة، وفيه بعد، ولا كتاب أنزله الله تعالى منير أي ذي نور، والمراد به واضح الدلالة على المقصود، وقيل: منقذ من ظلمة الجهل والضلال بل يجادلون بمجرد التقليد كما قال سبحانه:

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث