الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته

فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه .

متفرع على جميع ما تقدم من أحكام الدين : أي إن أمن كل من المتداينين الآخر ، أي : وثق بعضكم بأمانة بعض فلم يطالبه بإشهاد ولا رهن ، فالبعض المرفوع هو الدائن ، والبعض المنصوب هو المدين وهو الذي اؤتمن .

والأمانة مصدر آمنه : إذا جعله آمنا ، والأمن اطمئنان النفس وسلامتها مما تخافه ، وأطلقت الأمانة على الشيء المؤمن عليه ، من إطلاق المصدر على المفعول ، وإضافة ( أمانته ) تشبه إضافة المصدر إلى مفعوله ، وسيجيء ذكر الأمانة بمعنى صفة الأمين عند قوله تعالى : وأنا لكم ناصح أمين في سورة الأعراف .

وقد أطلق هنا اسم الأمانة على الدين في الذمة وعلى الرهن لتعظيم ذلك الحق لأن اسم الأمانات له مهابة في النفوس ، فذلك تحذير من عدم الوفاء به ; لأنه لما سمي أمانة فعدم أدائه ينعكس خيانة ; لأنها ضدها ، وفي الحديث : أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك .

[ ص: 123 ] والأداء : الدفع والتوفية ، ورد الشيء أو رد مثله فيما لا تقصد أعيانه ، ومنه أداء الأمانة وأداء الدين أي عدم جحده . قال تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها والمعنى : إذا ظننتم أنكم في غنية عن التوثق في ديونكم بأنكم أمناء عند بعضكم ، فأعطوا الأمانة حقها .

وقد علمت مما تقدم عند قوله تعالى : ( فاكتبوه ) أن آية فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته تعتبر تكميلا لطلب الكتابة ، والإشهاد طلب ندب واستحباب عند الذين حملوا الأمر في قوله تعالى " فاكتبوه " على معنى الندب والاستحباب ، وهم الجمهور ، ومعنى كونه تكميلا لذلك الطلب أنها بينت أن الكتابة والإشهاد بين المتداينين ، مقصود بها حسن التعامل بينهما ، فإن بدا لهما أن يأخذا بهما فنعما ، وإن اكتفيا بما يعلمانه من أمان بينهما فلهما تركهما .

وأتبع هذا البيان بوصاية كلا المتعاملين بأن يؤديا الأمانة ويتقيا الله .

وتقدم أيضا أن الذين قالوا بأن الكتابة والإشهاد على الديون كان واجبا ثم نسخ وجوبه ، ادعوا أن ناسخه هو قوله تعالى : فإن أمن بعضكم بعضا الآية ، وهو قول الشعبي ، وابن جريج ، وجابر بن زيد ، والربيع بن سليمان ، ونسب إلى أبي سعيد الخدري .

ومحمل قولهم وقول أبي سعيد - إن صح ذلك عنه - أنهم عنوا بالنسخ تخصيص عموم الأحوال والأزمنة ، وتسمية مثل ذلك نسخا تسمية قديمة .

أما الذين يرون وجوب الكتابة والإشهاد بالديون حكما محكما ، ومنهم الطبري فقصروا آية فإن أمن بعضكم بعضا الآية . على كونها تكملة لصورة الرهن في السفر خاصة ، كما صرح به الطبري ولم يأت بكلام واضح في ذلك ، ولكنه جمجم الكلام وطواه .

ولو أنهم قالوا : إن هذه الآية تعني حالة تعذر وجود الرهن في حالة السفر ، أي فلم يبق إلا أن يأمن بعضكم بعضا فالتقدير : فإن لم تجدوا رهنا وأمن بعضكم بعضا إلى [ ص: 124 ] آخره - لكان له وجه ، ويفهم منه أنه إن لم يأمنه لا يداينه ، ولكن طوي هذا ترغيبا للناس في المواساة والاتسام بالأمانة ، وهؤلاء الفرق الثلاثة كلهم يجعلون هذه الآية مقصورة على بيان حالة ترك التوثيق في الديون .

وأظهر مما قالوه عندي : أن هذه الآية تشريع مستقل يعم جميع الأحوال المتعلقة بالديون من إشهاد ورهن ووفاء بالدين ، والمتعلقة بالتبايع ، ولهذه النكتة أبهم المؤتمنون بكلمة " بعض " ليشمل الائتمان من كلا الجانبين : الذي من قبل رب الدين والذي من قبل المدين .

فرب الدين يأتمن المدين إذا لم ير حاجة إلى الإشهاد ، ولم يطالبه بإعطاء الرهن في السفر ولا في الحضر .

والمدين يأتمن الدائن إذا سلم له رهنا أغلى ثمنا بكثير من قيمة الدين المرتهن فيه ، والغالب أن الرهان تكون أوفر قيمة من الديون التي أرهنت لأجلها ، فأمر كل جانب مؤتمن أن يؤدي أمانته ، فأداء المدين أمانته بدفع الدين دون مطل ولا جحود ، وأداء الدائن أمانته إذا أعطي رهنا متجاوز القيمة على الدين أن يرد الرهن ولا يجحده غير مكترث بالدين ; لأن الرهن أوفر منه ولا ينقص شيئا من الرهن .

ولفظ الأمانة مستعمل في معنيين : معنى الصفة التي يتصف بها الأمين ، ومعنى الشيء المؤمن .

فيؤخذ من هذا التفسير إبطال غلق الرهن : وهو أن يصير الشيء المرهون ملكا لرب الدين ، إذا لم يدفع الدين عند الأجل ، قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - لا يغلق الرهن وقد كان غلق الرهن من أعمال أهل الجاهلية ، قال زهير :


وفارقتك برهن لا فكاك له عند الوداع فأمسى الرهن قد غلقا

ومعنى : أمن بعضكم بعضا أن يقول كلا المتعاملين للآخر : لا حاجة لنا بالإشهاد ونحن يأمن بعضنا بعضا ، وذلك كي لا ينتقض المقصد الذي أشرنا إليه فيما مضى من دفع مظنة اتهام أحد المتداينين الآخر .

[ ص: 125 ] وزيد في التحذير بقوله : وليتق الله ربه وذكر اسم الجلالة فيه مع إمكان الاستغناء بقوله : وليتق ربه ، لإدخال الروع في ضمير السامع وتربية المهابة .

وقوله : الذي اؤتمن وقع فيه ياء هي المدة في آخر ( الذي ) ووقع بعده همزتان أولاهما وصلية وهي همزة الافتعال ، والثانية قطعية أصلية ، فقرأه الجمهور بكسر ذال الذي وبهمزة ساكنة بعد كسرة الذال ; لأن همزة الوصل سقطت في الدرج فبقيت الهمزة على سكونها ; إذ الداعي لقلب الهمزة الثانية مدا قد زال ، وهو الهمزة الأولى ، ففي هذه القراءة تصحيح للهمزة ; إذ لا داعي للإعلال .

وقرأه ورش عن نافع ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر : " الذيتمن " بياء بعد ذال " الذي " ثم فوقية مضمومة ؛ اعتبارا بأن الهمزة الأصلية قد انقلبت واوا بعد همزة الافتعال الوصلية ; لأن الشأن ضم همزة الوصل مجانسة لحركة تاء الافتعال عند البناء للمجهول ، فلما حذفت همزة الوصل في الدرج بقيت الهمزة الثانية واوا بعد كسر ذال " الذي " فقلبت الواو ياء . ففي هذه القراءة قلبان .

وقرأه أبو بكر عن عاصم : " الذي اوتمن " بقلب الهمزة واوا تبعا للضمة مشيرا بها إلى الهمزة .

وهذا الاختلاف راجع إلى وجه الأداء ، فلا مخالفة فيه لرسم المصحف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث