الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى " قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون "

جزء التالي صفحة
السابق

( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون ( 70 ) قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون ( 71 ) وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون ( 72 ) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ( 73 ) )

( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ) أسائمة أم عاملة ( إن البقر تشابه علينا ) ولم يقل تشابهت لتذكير لفظ البقر كقوله تعالى " أعجاز نخل منقعر " ( 20 - القمر ) وقال الزجاج : أي جنس البقر تشابه أي التبس واشتبه أمره علينا فلا نهتدي إليه ( وإنا إن شاء الله لمهتدون ) إلى وصفها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والله ) لو لم يستثنوا لما بينت لهم إلى آخر الأبد "

( قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول ) مذللة بالعمل يقال رجل ذلول بين الذل ودابة ذلول بينة الذل ( تثير الأرض ) تقلبها للزراعة ( ولا تسقي الحرث ) أي ليست بساقية ( مسلمة ) بريئة من العيوب ( لا شية فيها ) لا لون لها سوى لون جميع جلدها قال عطاء : لا عيب فيها وقال مجاهد : لا بياض فيها ولا سواد ( قالوا الآن جئت بالحق ) أي بالبيان التام الشافي الذي لا إشكال فيه وطلبوها فلم يجدوا بكمال وصفها إلا مع الفتى فاشتروها بملء مسكها ذهبا ، ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) من غلاء ثمنها وقال محمد بن كعب : وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها وقيل ( وما كادوا يفعلون ) من شدة اضطرابهم واختلافهم فيها

قوله عز وجل : ( وإذ قتلتم نفسا ) هذا أول القصة وإن كانت مؤخرة في التلاوة واسم القتيل ( عاميل ( فادارأتم فيها ) أصله تدارأتم فأدغمت التاء في الدال وأدخلت الألف مثل قوله : " اثاقلتم " قال ابن عباس ومجاهد : معناه فاختلفتم وقال الربيع بن أنس : تدافعتم أي يحيل بعضكم على بعض من الدرء وهو الدفع فكان كل واحد يدفع عن نفسه ( والله مخرج ) أي مظهر ( ما كنتم تكتمون ) فإن القاتل كان يكتم القتل

( فقلنا اضربوه ) يعني القتيل ( ببعضها ) أي ببعض البقرة [ ص: 109 ] واختلفوا في ذلك البعض قال ابن عباس رضي الله عنه وأكثر المفسرين ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو المقتل وقال مجاهد وسعيد بن جبير : بعجب الذنب لأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى ويركب عليه الخلق وقال الضحاك : بلسانها وقال الحسين بن الفضل : هذا أدل بها لأنه آلة الكلام وقال الكلبي وعكرمة : بفخذها الأيمن وقيل بعضو منها لا بعينه ففعلوا ذلك فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى وأوداجه أي عروق العنق تشخب دما وقال قتلني فلان ثم سقط ومات مكانه فحرم قاتله الميراث وفي الخبر : " ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة " وفيه إضمار تقديره فضرب فحيي ( كذلك يحيي الله الموتى ) كما أحيا عاميل ، ( ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) قيل تمنعون أنفسكم من المعاصي

أما حكم هذه المسألة في الإسلام : إذا وجد قتيل في موضع ولا يعرف قاتله فإن كان ثم ( لوث ) على إنسان واللوث أن يغلب على القلب صدق المدعي بأن اجتمع جماعة في بيت أو صحراء فتفرقوا عن قتيل يغلب على القلب أن القاتل فيهم أو وجد قتيل في محلة أو قرية كلهم أعداء للقتيل لا يخالطهم غيرهم فيغلب على القلب أنهم قتلوه - فادعى الولي على بعضهم يحلف المدعي خمسين يمينا على من يدعي عليه وإن كان الأولياء جماعة توزع الأيمان عليهم ثم بعدما حلفوا أخذوا الدية من عاقلة المدعى عليه إن ادعوا قتل خطأ وإن ادعوا قتل عمد فمن ماله ولا قود على قول الأكثرين وذهب بعضهم إلى وجوب القود وهو قول عمر بن عبد العزيز وبه قال مالك وأحمد وإن لم يكن على المدعى عليه لوث فالقول قول المدعى عليه مع يمينه ثم هل يحلف يمينا واحدة أم خمسين يمينا ؟ فيه قولان ( أحدهما ) يمينا واحدة كما في سائر الدعاوى ( والثاني ) يحلف خمسين يمينا تغليظا لأمر الدم وعندأبي حنيفة رضي الله عنه لا حكم للوث ولا يزيد بيمين المدعي وقال إذا وجد قتيل في محلة يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء أهلها فيحلفهم أنهم ما قتلوه ولا عرفوا له قاتلا ثم يأخذ الدية من سكانها والدليل على أن البداية بيمين المدعي عند وجود اللوث :

[ أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار ] عن سهل بن أبي حثمة أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر فتفرقا لحاجتهما فقتل عبد الله بن سهل فانطلق هو وعبد الرحمن أخو المقتول وحويصة بن مسعود إلى رسول الله [ ص: 110 ] صلى الله عليه وسلم فذكروا له قتل عبد الله بن سهل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم فقالوا يا رسول الله لم نشهد ولم نحضر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبرئكم يهود بخمسين يمينا فقالوا يا رسول الله كيف نقبل أيمان قوم كفار فعزم النبي صلى الله عليه وسلم عقله من عنده وفي لفظ آخر فزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم عقله من عنده قال بشير بن يسار : قال سهل لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض في مربد لنا وفي رواية لقد ركضتني ناقة حمراء من تلك الفرائض في مربد لنا أخرجه مسلم عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب . .

وجه الدليل من الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بأيمان المدعين لتقوي جانبهم باللوث وهو أن عبد الله بن سهل وجد قتيلا في خيبر وكانت العداوة ظاهرة بين الأنصار وأهل خيبر وكان يغلب على القلب أنهم قتلوه واليمين أبدا تكون حجة لمن يقوى جانبه وعند عدم اللوث يقوى جانب المدعى عليه من حيث أن الأصل براءة ذمته وكان القول قوله مع يمينه

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث