الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه

ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم .

وصاية ثانية للشهداء تجمع الشهادات في جميع الأحوال ; فإنه أمر أن يكتب الشاهد بالعدل ، ثم نهى عن الامتناع من الكتابة بين المتداينين ، وأعقب ذلك بالنهي عن كتمان الشهادة كلها ، فكان هذا النهي بعمومه بمنزلة التذييل لأحكام الشهادة في الدين .

[ ص: 126 ] واعلم أن قوله تعالى : ولا تكتموا الشهادة نهي ، وأن مقتضى النهي إفادة التكرار عند جمهور علماء الأصول ، أي تكرار الانكفاف عن فعل المنهي في أوقات عروض فعله ، ولولا إفادته التكرار لما تحققت معصية ، وأن التكرار الذي يقتضيه النهي تكرار يستغرق الأزمنة التي يعرض فيها داع لفعل المنهي عنه ، فلذلك كان حقا على من تحمل شهادة بحق ألا يكتمه عند عروض إعلانه : بأن يبلغه إلى من ينتفع به ، أو يقضي به كلما ظهر الداعي إلى الاستظهار به ، أو قبل ذلك إذا خشي الشاهد تلاشي ما في علمه بغيبة أو طرو نسيان ، أو عروض موت ، بحسب ما يتوقع الشاهد أنه حافظ للحق الذي في علمه ، على مقدار طاقته واجتهاده .

وإذ قد علمت آنفا أن الله أنبأنا بأن مراده إقامة الشهادة على وجهها بقوله : وأقوم للشهادة وأنه حرض الشاهد على الحضور للإشهاد إذا طلب بقوله : ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا فعلم من ذلك كله الاهتمام بإظهار الشهادة إظهارا للحق ، ويؤيد هذا المعنى ويزيده بيانا قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - ألا أخبركم بخير الشهداء ، الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها رواه مالك في الموطأ ورواه عنه مسلم والأربعة .

فهذا وجه تفسير الآية تظاهر فيه الأثر والنظر ، ولكن روي في الصحيح عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم - قالها ثانية ، وشك أبو هريرة في الثالثة - ثم يخلف قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا الحديث .

وهو مسوق مساق ذم من وصفهم بأنهم يشهدون قبل أن يستشهدوا ، وأن ذمهم من أجل تلك الصفة ، وقد اختلف العلماء في محمله ، قال عياض : حمله قوم على ظاهره من ذم من يشهد قبل أن تطلب منه الشهادة ، والجمهور على خلافه وأن ذلك غير قادح ، وحملوا ما في الحديث على ما إذا شهد كاذبا ، وإلا فقد جاء في الصحيح خير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها وأقول : روى مسلم عن عمران بن حصين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم - قالها مرتين أو ثلاثا - ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون الحديث .

[ ص: 127 ] والظاهر أن ما رواه أبو هريرة وما رواه عمران بن حصين حديث واحد ، سمعه كلاهما ، واختلفت عبارتهما في حكايته فيكون لفظ عمران بن حصين مبينا لفظ أبي هريرة أن معنى قوله : قبل أن يستشهدوا دون أن يستشهدوا ، أي دون أن يستشهدهم مشهد ، أي : أن يحملوا شهادة أي يشهدون بما لا يعلمون ، وهو الذي عناه المازري بقوله : وحملوا ما في الحديث - أي حديث أبي هريرة - على ما إذا شهد كاذبا . فهذا طريق للجمع بين الروايتين ، وهي ترجع إلى حمل المجمل على المبين .

وقال النووي : تأوله بعض العلماء بأن ذم الشهادة قبل أن يسألها الشاهد هو في الشهادة بحقوق الناس بخلاف ما فيه حق الله . قال النووي : وهذا الجمع هو مذهب أصحابنا ، وهذه طريقة ترجع إلى إعمال كل من الحديثين في باب ، بتأويل كل من الحديثين على غير ظاهره ، لئلا يلغى أحدهما .

قلت : وبنى عليه الشافعية فرعا برد الشهادة التي يؤديها الشاهد قبل أن يسألها . ذكره الغزالي في الوجيز ، والذي نقل ابن مرزوق في شرح مختصر خليل على الوجيز " الحرص على الشهادة بالمبادرة قبل الدعوى لا تقبل ، وبعد الدعوى وقبل الاستشهاد وجهان ؛ فإن لم تقبل فهل يصير مجروحا وجهان " .

فأما المالكية فقد اختلف كلامهم .

فالذي ذهب إليه عياض وابن مرزوق أن أداء الشاهد شهادته قبل أن يسألها مقبول لحديث الموطأ : خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها ونقل الباجي عن مالك : أن معنى الحديث أن يكون عند الشاهد شهادة لرجل لا يعلم بها ، فيخبره بها ويؤديها له عند الحاكم ، فإن مالكا ذكره في الموطأ ولم يذيله بما يقتضي أنه لا عمل عليه ، وتبع الباجي ابن مرزوق في شرحه لمختصر خليل ، وادعى أنه لا يعرف في المذهب ما يخالفه والذي ذهب إليه ابن الحاجب ، وخليل وشارحو مختصريهما : أن أداء الشهادة قبل أن يطلب من الشاهد أداؤها مانع من قبولها : قال ابن الحاجب : وفي الأداء يبدأ به دون طلب فيما تمحض من حق الآدمي قادحة ، وقال خليل - عاطفا على موانع قبول الشهادة - : " أو رفع قبل الطلب في محض حق الآدمي " [ ص: 128 ] وكذلك ابن راشد القفصي في كتابه ( الفائق في الأحكام والوثائق ) ونسبه النووي في شرحه على صحيح مسلم لمالك ، على أن المستند متحد وهو إعمال حديث أبي هريرة ولعله أخذ نسبة ذلك لمالك من كلام ابن الحاجب المتقدم .

وادعى ابن مرزوق أن ابن الحاجب تبع ابن شاس إذ قال : فإن بادر بها من غير طلب لم يقبل . وأن ابن شاس أخذه من كلام الغزالي قال : والذي تقتضيه نصوص المذهب أنه إن رفعها قبل الطلب لم يقدح ذلك فيها بل إن لم يكن فعله مندوبا فلا أقل من أن لا ترد ، واعتضد بكلام الباجي في شرح حديث : خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها .

وقد سلكوا في تعليل المسألة مسلكين : مسلك يرجع إلى الجمع بين الحديثين ، وهو مسلك الشافعية ، ومسلك إعمال قاعدة رد الشهادة بتهمة الحرص على العمل بشهادته وأنه ريبة .

وقوله : ومن يكتمها فإنه آثم قلبه زيادة في التحذير ، والإثم : الذنب والفجور .

والقلب اسم للإدراك والانفعالات النفسية والنوايا ، وأسند الإثم إلى القلب وإنما الآثم الكاتم لأن القلب - أي حركات العقل - يسبب ارتكاب الإثم . فإن كتمان الشهادة إصرار قلبي على معصية ، ومثله قوله تعالى : سحروا أعين الناس وإنما سحروا الناس بواسطة مرئيات وتخيلات . وقول الأعشى :


كذلك فافعل ما حييت إذا شتوا وأقدم إذا ما أعين الناس تفرق

لأن الفرق ينشأ عن رؤية الأهوال .

وقوله : والله بما تعملون عليم تهديد ، كناية عن المجازاة بمثل الصنيع ; لأن القادر لا يحول بينه وبين المؤاخذة إلا الجهل فإذا كان عليما أقام قسطاس الجزاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث