الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

المسألة الثانية : في قدر المعطى ، فالمكاتب والغارم ، يعطيان قدر دينهما ، فإن قدرا على بعضه ، أعطيا الباقي . والفقير والمسكين يعطيان ما تزول به حاجتهما ، وتحصل كفايتهما .

ويختلف ذلك باختلاف الناس والنواحي ، فالمحترف الذي لا يجد آلة حرفته ، يعطى ما يشتريها به قلت قيمتها ، أو كثرت .

والتاجر يعطى رأس مال ليشتري ما يحسن التجارة فيه ، ويكون قدر ما يفي ربحه بكفايته غالبا ، وأوضحوه بالمثال فقالوا : البقلي يكتفي بخمسة دراهم ، والباقلاني بعشرة ، والفاكهي بعشرين ، والخباز بخمسين ، والبقال بمائة ، والعطار بألف ، والبزاز بألفي درهم ، والصيرفي بخمسة آلاف ، والجوهري بعشرة آلاف .

فرع

من لا يحسن الكسب بحرفة ولا تجارة ، قال العراقيون وآخرون : يعطى كفاية العمر الغالب . وقال آخرون ، منهم الغزالي والبغوي : يعطى كفاية سنة ، لأن الزكاة تتكرر كل سنة .

قلت : وممن قطع بالمسألة صاحب " التلخيص " ، والرافعي في " المحرر " ، ولكن الأصح ما قاله العراقيون ، وهو نص الشافعي - رضي الله عنه - ، ونقله الشيخ نصر المقدسي عن جمهور أصحابنا ، قال : وهو المذهب . والله أعلم .

[ ص: 325 ] وإذا قلنا : يعطى كفاية العمر ، فكيف طريقه ؟ قال في التتمة وغيره : يعطى ما يشتري به عقارا يستغل منه كفايته .

ومنهم من يشعر كلامه بأنه يعطى ما ينفق عينه في حاجاته ، والأول أصح .

فرع

وأما ابن السبيل ، فيعطى ما يبلغه مقصده ، أو موضع ماله إن كان له في طريقه مال ، فيعطى النفقة والكسوة إن احتاج إليهما بحسب الحال شتاء وصيفا ، ويهيأ له المركوب إن كان السفر طويلا والرجل ضعيفا لا يستطيع المشي .

وإن كان السفر قصيرا ، أو الرجل قويا ، لم يعط ، ويعطى ما ينقل زاده ومتاعه ، إلا أن يكون قدرا يعتاد مثله أن يحمله بنفسه ، ثم قال السرخسي في " الأمالي " : إن كان ضاق المال ، أعطي كراء المركوب . وإن اتسع ، اشتري له مركوب .

فإذا تم سفره ، استرد منه المركوب على الصحيح الذي قاله الجمهور . ثم كما يعطى لذهابه ، يعطى لإيابه إن أراد الرجوع ولا مال له في مقصده . هذا هو الصحيح .

وفي وجه : لا يعطى للرجوع في ابتداء السفر ، لأنه سفر آخر ، وإنما يعطى إذا أراد الرجوع ، ووجه ثالث : أنه إن كان على عزم أنه يصل الرجوع بالذهاب ، أعطي للرجوع أيضا .

وإن كان على أن يقيم هناك مدة ، لم يعط ، ولا يعطى لمدة الإقامة إلا مدة إقامة المسافرين ، بخلاف الغازي ، حيث يعطى للمقام في الثغر وإن طال ، لأنه قد يحتاج إليه لتوقع فتح الحصن ، وإنه لا يزول عنه الاسم لطول المقام ، هذا هو الصحيح .

وعن صاحب " التقريب " ، أنه إن أقام لحاجة يتوقع زوالها ، أعطي وإن زادت إقامته على إقامة المسافرين .

[ ص: 326 ] فرع

هل يدفع إلى ابن السبيل جميع كفايته ، أو ما زاد بسبب السفر ؟ وجهان . أصحهما : الأول .

فرع

وأما الغازي ، فيعطى النفقة والكسوة مدة الذهاب والرجوع ، ومدة المقام في الثغر وإن طال . وهل يعطى جميع المؤنة ، أم ما زاد بسبب السفر ؟ فيه الوجهان كابن السبيل ، ويعطى ما يشتري به الفرس إن كان يقاتل فارسا ، وما يشتري به السلاح وآلات القتال ، ويصير ذلك ملكا له .

ويجوز أن يستأجر له الفرس والسلاح . ويختلف الحال بحسب كثرة المال وقلته . وإن كان يقاتل راجلا ، فلا يعطى لشراء الفرس . وأما ما يحمل عليه الزاد ويركبه في الطريق ، فكابن السبيل .

فرع

إنما يعطى الغازي إذا حضر وقت الخروج ، ليهيئ به أسباب سفره . فإن أخذ ولم يخرج ، فقد سبق أنه يسترد .

فإن مات في الطريق ، أو امتنع من الغزو ، استرد ما بقي ، وإن غزا فرجع ومعه بقية ، فإن لم يقتر على نفسه ، وكان الباقي شيئا صالحا ، رده . وإن قتر على نفسه أو لم يقتر ، إلا أن الباقي شيء يسير ، لم يسترد قطعا .

وفي مثله في ابن السبيل ، يسترد على الصحيح ، لأنا دفعنا إلى الغازي لحاجتنا ، وهي أن يغزو وقد فعل ، وفي ابن السبيل يدفع لحاجته وقد زالت .

[ ص: 327 ] فرع

في بعض شروح " المفتاح " : أنه يعطى الغازي نفقته ونفقة عياله ذهابا ومقاما ورجوعا . وسكت الجمهور عن نفقة العيال ، لكن أخذها ليس ببعيد .

فرع

للإمام الخيار ، إن شاء دفع الفرس والسلاح إلى الغازي تمليكا ، وإن شاء استأجر له مركوبا ، وإن شاء اشترى خيلا من هذا السهم ووقفها في سبيل الله تعالى ، فيعيرهم إياها وقت الحاجة ، فإذا انقضت استرد .

وفيه وجه : أنه لا يجوز أن يشتري لهم الفرس والسلاح قبل وصول المال إليهم .

فرع

وأما المؤلف ، فيعطى ما يراه الإمام . قال المسعودي : يجعله على قدر كلفتهم وكفايتهم .

فرع

وأما العامل ، فاستحقاقه بالعمل ، حتى لو حمل صاحب الأموال زكاتهم إلى الإمام ، أو إلى البلد قبل قدوم العامل ، فلا شيء له ، كما يستحق أجرة المثل لعمله . فإن شاء الإمام بعثه بلا شرط ثم أعطاه أجرة مثل عمله ، وإن شاء سمى له قدر [ ص: 328 ] أجرته إجارة أو جعالة ، ويؤديه من الزكاة . ولا يستحق أكثر من أجرة المثل . فإن زاد ، فهل تفسد التسمية ، أم يكون قدر الأجرة من الزكاة والزائد في خالص مال الإمام ؟ فيه وجهان .

قلت : أصحهما : الأول . والله أعلم .

فإن زاد سهم العاملين على أجرته ، رد الفاضل على سائر الأصناف . وإن نقص ، فالمذهب : أنه يكمل من مال الزكاة ثم يقسم .

وفي قول : من خمس الخمس ، وقيل : يتخير الإمام بينهما بحسب المصلحة ، وقيل : إن بدأ بالعامل كمله من الزكاة ، وإلا فمن الخمس لعسر الاسترداد من الأصناف .

وقيل : إن فضل عن حاجة الأصناف ، فمن الزكاة ، وإلا ، فمن بيت المال . والخلاف في جواز التكميل من الزكاة ، واتفقوا على جواز التكميل من سهم المصالح مطلقا ، بل لو رأى الإمام أن يجعل أجرة العامل كلها في بيت المال ، جاز ، ويقسم الزكاة على سائر الأصناف .

فرع

إذا اجتمع في شخص صفتان ، فهل يعطى بهما ، أم بأحدهما فقط ؟ فيه طرق . أصحها : على قولين .

أظهرهما : بإحداهما ، فيأخذ بأيتهما شاء . والطريق الثاني : القطع بهذا . والثالث : إن اتحد جنس الصفتين ، أعطي بإحداهما ، وإن اختلف فيهما ، فيعطى بهما .

فالاتحاد ، كالفقر مع الغرم لمصلحة نفسه ، لأنهما يأخذان لحاجتهما إلينا . وكالغرم للإصلاح مع الغزو ، فإنهما لحاجتنا إليهما . والاختلاف ، كالفقر والغزو . فإن قلنا بالمنع ، فكان العامل فقيرا ، فوجهان . بناء على أن ما يأخذه العامل أجرة ، لأنه إنما يستحق بالعمل ، أم صدقة لكونه معدودا في الأصناف ؟ وفيه وجهان .

وإذا جوزنا الإعطاء بمعنيين ، جاز بمعان ، وفيه احتمال للحناطي .

[ ص: 329 ] قلت : قال الشيخ نصر : إذا قلنا : لا يعطى إلا بسبب ، فأخذ بالفقر ، كان لغريمه أن يطالبه بدينه ، فيأخذ ما حصل له . وكذا إن أخذه بكونه غارما ، فإذا بقي بعد أخذه منه فقيرا ، فلا بد من إعطائه من سهم الفقراء ، لأنه الآن محتاج . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث