الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار

ثم سواه عدله بتكميل أعضائه في الرحم وتصويرها على ما ينبغي، وأصل التسوية جعل الأجزاء متساوية، ( وثم ) للترتيب الرتبي، أو الذكري، ونفخ فيه من روحه أضاف الروح إليه تعالى تشريفا له، كما في: بيت الله تعالى، وناقة الله تعالى، وإشعارا بأنه خلق عجيب، وصنع بديع، وقيل: أضافه لذلك إيماء إلى أن له شأنا له مناسبة ما إلى حضرة الربوبية.

ومن هنا قال أبو بكر الرازي: من عرف نفسه فقد عرف ربه، ونفخ الروح قيل: مجاز عن جعلها متعلقة بالبدن، وهو أوفق بمذهب القائلين بتجرد الروح وأنها غير داخلة في البدن من الفلاسفة، وبعض المتكلمين كحجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة، وقيل: هو على حقيقته، والمباشر له الملك الموكل على الرحم، وإليه ذهب القائلون بأن الروح جسم لطيف كالهواء، سار في البدن سريان ماء الورد في الورد والنار في الجمر، وهو الذي تشهد له ظواهر الأخبار، وأقام العلامة ابن القيم عليه نحو مائة دليل.

وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة التفات إلى الخطاب لا يخفى موقع ذكره بعد نفخ الروح، وتشريفه بخلعة الخطاب حين صلح للخطاب، والجعل إبداعي، واللام متعلقة به، والتقدم على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم، والتشويق إلى المؤخر، مع ما فيه من نوع طول يخل تقديمه بجزالة النظم الكريم، وتقديم السمع لكثرة فوائده، فإن أكثر أمور الدين لا تعلم إلا من جهته، وأفرد لأنه في الأصل مصدر.

وقيل: للإيماء إلى أن مدركه نوع واحد، وهو الصوت بخلاف البصر، فإنه يدرك الضوء واللون والشكل والحركة والسكون، وبخلاف الفؤاد فإنه يدرك مدركات الحواس بواسطتها، وزيادة على ذلك، أي خلق لمنفعتكم تلك المشاعر لتعرفوا أنها مع كونها في أنفسها نعما جليلة لا يقادر قدرها وسائل إلى التمتع بسائر النعم الدينية والدنيوية الفائضة عليكم، وتشكروها بأن تصرفوا كلا منها إلى ما خلق هو له، فتدركوا بسمعكم الآيات التنزيلية الناطقة بالتوحيد والبعث وبأبصاركم الآيات التكوينية الشاهدة بهما، وتستدلوا بأفئدتكم على حقيتهما، وقوله تعالى: قليلا ما تشكرون بيان لكفرهم بتلك النعم بطريق الاعتراض التذييلي، والقلة بمعنى النفي كما ينبئ عنه ما بعده.

ونصب الوصف على أنه صفة لمحذوف وقع معمولا (لتشكرون)، أي شكرا قليلا تشكرون، أو زمانا قليلا تشكرون.

واستظهر الخفاجي عليه الرحمة كون الجملة حالية لا اعتراضية.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث