الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 219 ] كتاب الأشربة

سمي بها ، وهي جمع شراب لما فيه من بيان حكمها . قال : ( والأشربة المحرمة أربعة : الخمر وهي عصير العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد ، والعصير إذا طبخ حتى يذهب أقل ثلثيه ) وهو الطلاء المذكور في الجامع الصغير ( ونقيع التمر وهو السكر ، ونقع الزبيب إذا اشتد وغلى ) أما الخمر فالكلام فيها في عشرة مواضع .

أحدها : في بيان مائيتها وهي النيء من ماء العنب إذا صار مسكرا وهذا عندنا ، وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم .

وقال بعض الناس : هو اسم لكل مسكر لقوله عليه الصلاة والسلام : { كل مسكر خمر }" ` [ ص: 220 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : { الخمر من هاتين الشجرتين وأشار إلى الكرمة والنخلة } ، ولأنه مشتق من مخامرة العقل وهو موجود في كل مسكر ، ولنا : أنه اسم خاص بإطباق أهل اللغة فيما ذكرناه ، ولهذا اشتهر استعمال فيه ، وفي غيره ، ولأن حرمة الخمر قطعية وهي في غيرها ظنية ، وإنما سمي خمرا لتخمره ، لا لمخامرته العقل على أن ما ذكرتم لا ينافي كون الاسم خاصا فيه فإن النجم مشتق من النجوم وهو الظهور ، ثم هو اسم خاص للنجم المعروف ، لا لكل ما ظهر ، وهذا كثير النظير ; والحديث الأول طعن فيه يحيى بن معين رحمه الله

[ ص: 215 - 219 ]

التالي السابق


[ ص: 215 - 219 ] كتاب الأشربة الحديث الأول : { قال عليه السلام : كل مسكر خمر }" ; قلت : أخرجه مسلم عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر ، قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام }" ، انتهى .

وعند أحمد في " مسنده " : " { وكل خمر حرام }" . وكذلك ابن حبان في " صحيحه " في أول القسم الثاني ، وكذلك عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا ابن جريج عن أيوب السختياني به ، ومن طريقه رواه كذلك الدارقطني في " سننه " ، وهو عند مسلم أيضا ، لكنه على الظن ، ولفظه عن نافع عن ابن عمر ، قال : ولا أعلمه إلا { عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام }" انتهى

قال المصنف : وهذا الحديث طعن فيه يحيى بن معين ، وذكر غيره من أصحابنا أن ابن [ ص: 220 ] معين طعن في ثلاثة أحاديث : منها هذا ، وحديث : { من مس ذكره ، فليتوضأ }; وحديث { لا نكاح إلا بولي } ، وهذا الكلام كله لم أجده في شيء من كتب الحديث ، والله أعلم .

الحديث الثاني : { قال عليه السلام : الخمر من هاتين الشجرتين : النخلة ، والعنبة }" ; قلت . أخرجه الجماعة إلا البخاري عن يزيد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ، قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الخمر من هاتين الشجرتين : النخلة ، والعنبة }" انتهى وفي [ ص: 221 ] لفظ لمسلم : الكرمة والنخلة ، ووهم شيخنا علاء الدين ، فعزاه للبخاري أيضا ، وقلد غيره في ذلك ، فالمقلد ذهل ، والمقلد جهل ، والمصنف استدل بهذا الحديث ، والذي قبله للقائل بأن الخمر اسم لكل مسكر ، وفيه أحاديث أخرى ، ستأتي قريبا في " أحاديث تحريم الخمر " إن شاء الله تعالى .

فمنها حديث ابن عمر مرفوعا : { نزل تحريم الخمر ، وهي من خمسة : من العنب ، والتمر ، والعسل ، والحنطة ، والشعير }.

ومنها حديث أنس : { كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر ، وما شرابهم إلا الفضيخ : البسر ، والتمر } ، أخرجاه في " الصحيحين " ; ومنها قول عمر : الخمر ما خامر العقل ، رواه البخاري في " الصحيح " قال المصنف : وما ذكروه من أن الخمر اسم لكل ما خامر العقل ، فلا ينافي كون الاسم خاصا فيه ، فإن النجم مشتق من الظهور ، وهو خاص بالنجم المعروف ، انتهى كلامه .

ومعنى هذا الكلام أنه من باب الغلبة ، فهو وإن كان اسما لكل ما خامر العقل ، فقد غلب على التي من ماء العنب ، ويؤيد ما قاله المصنف ما أخرجه البخاري في " صحيحه " عن نافع عن ابن عمر ، قال : لقد حرمت الخمر ، وما بالمدينة منها شيء ، انتهى .

قال ابن الجوزي في " التحقيق " وقول ابن عمر : حرمت الخمر ، وما بالمدينة منها شيء يعني به ماء العنب فإنه مشهور باسم الخمر ، ولا يمنع هذا أن يسمى غيره خمرا انتهى

وهذه مصادمة ، ويؤيده أيضا ما أخرجه الدارقطني في " سننه " عن جعفر بن محمد عن بعض أهل بيته ، أنه سأل عائشة عن النبيذ ، فقالت : إن الله لم يحرم الخمر لاسمها ، وإنما حرمها لعاقبتها ، فكل شراب يكون عاقبته كعاقبة الخمر ، فهو حرام ، كتحريم الخمر ، انتهى .

وفيه مجهول ; وأما ما أخرجه البخاري عن ابن عمر في " تفسير سورة المائدة " ، قال : نزل تحريم الخمر ، وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ، ما فيها شراب العنب ، فهو إخبار منه بعلمه ، يدل عليه ما أخرجه البخاري عن أنس ، قال : حرمت الخمر علينا حين حرمت ، [ ص: 222 ] وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا ، وعامة خمرنا البسر والتمر انتهى .

فهذا اللفظ يوضح أن المراد بالأول القلة لا العدم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث