الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب المفقود

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

كتاب المفقود

( إذا غاب الرجل فلم يعرف له موضع ولا يعلم أحي هو أم ميت نصب القاضي من يحفظ ماله ويقوم عليه ويستوفي حقه ) لأن القاضي نصب ناظرا لكل عاجز عن النظر لنفسه والمفقود بهذه الصفة وصار كالصبي والمجنون ، وفي نصب الحافظ لماله والقائم عليه نظر له . وقوله يستوفي حقه لإخفاء أنه يقبض غلاته والدين الذي أقر به غريم من غرمائه لأنه من باب الحفظ ، ويخاصم في دين وجب بعقده [ ص: 142 ] لأنه أصيل في حقوقه ، ولا يخاصم في الذي تولاه المفقود ولا في نصيب له في عقار أو عروض في يد رجل لأنه ليس بمالك ولا نائب عنه إنما هو وكيل بالقبض من جهة القاضي وأنه لا يملك الخصومة بلا خلاف ، إنما الخلاف في الوكيل بالقبض من جهة المالك في الدين ، وإذا كان كذلك يتضمن الحكم به قضاء على الغائب ، وأنه لا يجوز إلا إذا رآه القاضي وقضى به لأنه مجتهد فيه ، ثم ما كان يخاف عليه الفساد يبيعه القاضي لأنه تعذر عليه حفظ صورته ومعناه فينظر له بحفظ المعنى ( ولا يبيع ما لا يخاف عليه الفساد في نفقة ولا غيرها ) لأنه لا ولاية له على الغائب إلا في حفظ ماله فلا يسوغ له ترك حفظ السورة وهو ممكن .

[ ص: 143 ] قال ( وينفق على زوجته وأولاده من ماله ) وليس هذا الحكم مقصورا على الأولاد بل يعم جميع قرابة الولاد .

والأصل أن كل من يستحق النفقة في ماله حال حضرته بغير قضاء القاضي ينفق عليه من ماله عند غيبته لأن القضاء حينئذ يكون إعانة ، وكل من لا يستحقها في حضرته إلا بالقضاء لا ينفق عليه من ماله في غيبته لأن النفقة حينئذ تجب بالقضاء والقضاء على الغائب ممتنع ، فمن الأول الأولاد الصغار والإناث من الكبار والزمني من الذكور الكبار ، ومن الثاني الأخ والأخت والخال والخالة . وقوله من ماله مراده الدراهم والدنانير لأن حقهم في المطعوم والملبوس فإذا لم يكن ذلك في ماله يحتاج إلى القضاء بالقيمة وهي النقدان والتبر بمنزلتهما في هذا الحكم لأنه يصلح قيمة كالمضروب ، وهذا إذا كانت في يد القاضي ، فإن كانت وديعة أو دينا ينفق عليهم منهما إذا كان المودع [ ص: 144 ] والمديون مقرين بالدين الوديعة والنكاح والنسب ، وهذا إذا لم يكونا ظاهرين عند القاضي ، فإن كانا ظاهرين فلا حاجة إلى الإقرار ، وإن كان أحدهما ظاهر الوديعة والدين أو النكاح والنسب يشترط الإقرار بما ليس بظاهر هذا هو الصحيح .

فإن دفع المودع بنفسه أو من عليه الدين بغير أمر القاضي يضمن المودع ولا يبرأ المديون لأنه ما أدى إلى صاحب الحق ولا إلى نائبه ، بخلاف ما إذا دفع بأمر القاضي لأن القاضي نائب عنه ، [ ص: 145 ] وإن كان المودع والمديون جاحدين أصلا أو كانا جاحدين الزوجية والنسب لم ينتصب أحد من مستحقي النفقة خصما في ذلك لأن ما يدعيه للغائب لم يتعين سببا لثبوت حقه وهو النفقة ، لأنها كما تجب في هذا المال تجب في مال آخر للمفقود .

التالي السابق


كتاب المفقود

هو الغائب الذي لا يدرى حياته ولا موته

( قوله إذا غاب الرجل ولم يعرف له موضع ولا يعلم أحي هو أم ميت نصب القاضي من يحفظ ماله ويقوم عليه ) أي على ماله ( ويستوفي حقوقه لأن القاضي نصب ناظرا لكل عاجز عن النظر لنفسه والمفقود عاجز عنه فصار كالصبي والمجنون ) فعلى القاضي أن يفعل في أمرهم ما ذكرنا لما ذكرنا ( وقوله ) أي قول القدوري ( يستوفي في حقوقه يريد أنه يقبض غلاته والدين الذي أقر به غريم ويخاصم في دين وجب بعقده ) [ ص: 142 ] أي بعقد الذي نصب القاضي ( لأنه أصيل في حقوق عقده ، ولا يخاصم في الدين الذي تولاه المفقود ولا في نصيب له في عقار أو عروض في يد رجل ) ولا في حق من الحقوق إذا جحد من هو عنده أو عليه ( لأنه ليس بمالك ولا نائب إنما هو وكيل بالقبض من جهة القاضي وهو لا يملك الخصومة بلا خلاف ، إنما الخلاف في الوكيل يقبض الدين من جهة المالك ) عند أبي حنيفة يملك الخصومة فيه وعندهما لا يملك ( وإذا كان كذلك ) يعني إذا كان وكيل القاضي لا يملك الخصومة ( فلو قضى بخصومته كان قضاء على الغائب ) والأوجه أن يقول للغائب : والقضاء عليه فيما لو ادعى إنسان على المفقود دينا أو وديعة أو شركة في عقار أو رقيق أو ردا بعيب أو مطالبة لاستحقاقه لا تسمع الدعوى ولا البينة لأنهما إنما يسمعان على خصم والوكيل ليس خصما ، والورثة إنما يصيرون خصماء بعد موت المورث ولم يظهر موته بعد فيكون قضاء على الغائب .

( وهو لا يجوز إلا إذا رآه القاضي ) أي إذا رأى القاضي المصلحة في الحكم للغائب وعليه فحكم فإنه ينفذ لأنه مجتهد فيه . فإن قيل : ينبغي أن لا ينفذ حتى يمضيه قاض آخر لأن نفس القضاء مجتهد فيه ، كما لو كان القاضي محدودا في قذف فإن نفاذ قضائه لموقوف على أن يمضيه قاض آخر .

أجيب بمنع أنه من ذلك بل المجتهد سببه وهو هذه البينة هل تكون حجة للقضاء من غير خصم حاضر أم لا ، وإذا قضى بها نفذ كما لو قضى بشهادة المحدود في قذف . وفي الخلاصة الفتوى على هذا ( ثم ما كان يخاف عليه الفساد ) كالثمار ونحوها ( يبيعه القاضي لأنه تعذر عليه حفظ صورته ومعناه فينظر للغائب بحفظ معناه ) ولا يبيع ما لا يخاف فساده منقولا كان أو عقارا ( في نفقة ولا غيرها ، لأن القاضي لا ولاية له على الغائب إلا في الحفظ وفي البيع ترك حفظ الصورة بلا ملجئ فلا يجوز ، فإن لم يكن له مال إلا عروض أو عقار أو خادم واحتاج ولده ) أو زوجته إلى النفقة لا يباع ، بخلاف الوصي فإنه يبيع العروض على الوارث الكبير الغائب لأن ولايته ثابتة فيما [ ص: 143 ] يرجع إلى حق الموصى ، وبيع العروض فيه معنى حقه ، وربما يكون حفظ الثمن للإيصال إلى ورثته أيسر ، وهنا لا ولاية للقاضي على المفقود إلا في الحفظ .

وفي المبسوط : وقال أبو حنيفة : إن كان له أب محتاج فله أن يبيع شيئا من عروضه وينفقه عليه وليس له بيع العقار وهو استحسان . وفي القياس : ليس له بيع العروض وهو قولهما . وذكر الكرخي أن محمدا ذكر قول أبي حنيفة في الأمالي وقال : هو حسن .

وجه الاستحسان أن الأب وإن زالت ولايته بقي أثرها حتى صح استيلاده جارية ابنه مع أن الحاجة إلى ذلك ليس من أصول الحوائج ، وإذا ثبت بقاء أثر ولايته كان كالوصي في حق الوارث الكبير ، وللوصي بيع العروض دون العقار ( وينفق على زوجته وأولاده من ماله ) يعني الحاصل في بيته والواصل من ثمن ما يتسارع إليه الفساد ومن ماله مودع عند مقر ودين على مقر .

قال المصنف ( وليس هذا مقصورا على الأولاد ) قلت : ولا هو على إطلاقه فيهم بل يعم قرابة الولاد ، يعني من الأب والجد وإن علا ( والأصل أن كل من يستحق النفقة في ماله حال حضرته بغير قضاء القاضي ينفق عليه من ماله عند غيبته ) لأن لهم أن يأخذوا حاجتهم بيدهم من ماله إذا كان جنس حقهم من النقد والثياب للبس فكان إعطاء القاضي إن كان المال عنده أو تمكينهم إن كان عندهم إعانة لا قضاء على الغائب فإنهم كانوا مأذونين شرعا أن يتناولوا بأنفسهم ( وكل من لا يستحقها في حضرته إلا بالقضاء لا ينفق عليه من ماله ) فمن الأول : أعني المستحقين بلا قضاء ( الأولاد الصغار والإناث الكبار ) إذا لم يكن لهم مال ، وكذا الأب والجد والزمني من الذكور الكبار فكل من له مال لا يستحق النفقة عليه في حال حضوره فضلا عن غيبته ، إلا الزوجة فإنها تستحق وإن كانت غنية لأن استحقاقها بالعقد والاحتباس واستحقاق غيرها بالحاجة وهي تنعدم بالغنى ( ومن الثاني ) يعني من لا يستحق إلا بالقضاء ( الأخ والأخت والخال والخالة ) ونحوهم من قرابة غير الولاد .

( وقوله ) أي قول القدوري ( من ماله ، يعني الدراهم والدنانير لأن حقهم في المطعوم والملبوس ، فإذا لم يكن في ماله ) عين المطعوم والملبوس ( يحتاج إلى القضاء بالقيمة وهي النقدان والتبر ) أي غير المضروب ( وكذلك لأنه يصلح قيمة كالمضروب ) وهذا إذا كانت الدراهم والدنانير والتبر في يد القاضي ( فإن كانت وديعة أو دينا ينفق عليهم منها ) إن كان المودع مقرا الوديعة [ ص: 144 ] والنكاح والنسب المديون كذلك مقر بالدين والنكاح والنسب .

( وهذا ) يعني اشتراط إقرارهما بالنكاح والنسب ( إذا لم يكونا ظاهرين ) عند القاضي ( فإن كانا ظاهرين ) معروفين له ( فلا يحتاج إلى إقرارهما بهما ، ولو كان الظاهر عنده أحدهما الوديعة والدين أو النكاح والنسب ) جعل كل اثنين واحدا ( يشترط إقرار من في جهته المال بالآخر الذي ليس ظاهرا فيقر في الأول عند القاضي أن هذه زوجته وهذا ولده ، وفي الثاني بأن له عندي وديعة أو علي دينه وقوله هذا هو الصحيح ) احتراز عن جواب القياس الذي قال به زفر لا أن هذا اختلاف الروايتين ، قال : لا ينفق من الوديعة شيئا عليهم لأن إقرار المودع بذلك ليس حجة على الغائب وهو ليس خصما عن الغائب ، ولا يقضي على الغائب بلا خصم ، ومثل هذا في الدين أيضا . قلنا : المودع مقر بأن ما في يده ملك الغائب ، وأن للولد والزوجة حق الإنفاق منه ، وإقرار الإنسان بما في يده معتبر فينتصب هو خصما باعتبار ما في يده ثم يتعدى القضاء منه إلى المفقود ، ومثل هذا القياس ليس في الوديعة والدين خاصة بل في جميع أموال المفقود ، وقد يقال أيضا في جوابه : نعم القياس ما ذكرت ، لكنا استحسنا ذلك بحديث هند امرأة أبي سفيان ، وقد أسلفناه .

قال فيه : { خذي من ماله ما يكفيك ويكفي بنيك بالمعروف } إذ هو يفيد مطلقا جواز الإنفاق من مال الغائب لمن تجب له النفقة من الزوجة والولد ، ثم إذا ثبت في الزوجة والولد على خلاف القياس لا يلحق به قرابة غير الولاد بالقياس ، وثبوت نفقة الأب بالدلالة لأن حقه فيها آكد من حق الولد ، فإن الولد لا يستحقها بمجرد الحاجة ، بل إذا كان عاجزا عن الكسب والأب يستحقها بمجردها وإن كان يقدر على الكسب ( قوله ولو دفع المودع بنفسه أو من عليه الدين بغير أمر القاضي يضمن المودع ولا يبرأ المديون لأنه ما أدى إلى صاحب الحق ولا إلى نائبه ، بخلاف ما إذا دفع بأمر القاضي لأن القاضي نائب عنه ) فكان له أن يأمر هؤلاء بالقبض ، وليس القاضي نائبا في الحفظ فقط ، بل فيه .

وفي إيفاء ما عليه من الحقوق أيضا مما لا يحتاج في ثبوته عنده إلى سماع بينة ، وجاز له أن يوفي ما عليه من دين إذا علم بوجوبه ، بخلاف المودع فإنه المأمور بالحفظ فقط فيضمن إذا أعطاهم بلا أمره . فإن قيل : ينبغي أن لا يضمن المودع إذا دفعها إليهم لأنه لو رد الوديعة إلى من في عيال المودع برئ .

أجيب بأن ذلك إذا دفعها إليهم للحفظ عليه لا للإتلاف ، والأحسن أن يأخذ القاضي منها كفيلا لاحتمال أنه طلقها قبل ذهابه أو عجل لها النفقة ، لكن لو لم يأخذ جاز لأنه لا يجب أخذ الكفيل إلا لخصم وليس هنا خصم طالب هذا [ ص: 145 ] فلو كان المودع والمديون جاحدين أصلا ) أي جاحدين لكل من الوديعة والدين والنسب والزوجية ( أو جاحدين النسب والزوجية ) معترفين الوديعة والدين وليسا ظاهرين عند القاضي ( لم ينتصب أحد من مستحقي النفقة ) الزوجة أو الأب أو الابن ( خصما في ذلك ) أي في إثبات الدين أو النسب أو الوديعة بإقامة البينة على شيء من ذلك ، لأن المودع والمديون ليسا خصما في ثبوت الزوجية والقضاء بها ، ولا ما يدعيه للغائب سببا متعينا لثبوت حقه الذي هو النفقة ( لأنها كما تجب في هذا المال تجب في مال آخر للمفقود ) وستعرف تفصيل هذا إن شاء الله تعالى في أدب القاضي

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث