الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت الأظهر أنه من كلام الله تعالى ، لا من حكاية كلام الرسول والمؤمنين ، فيكون اعتراضا بين الجمل المحكية بالقول ، وفائدته إظهار ثمرة الإيمان ، والتسليم ، والطاعة ، فأعلمهم الله بأنه لم يجعل عليهم في هذا الدين التكليف بما فيه مشقة ، وهو مع ذلك تبشير باستجابة دعوتهم الملقنة ، أو التي ألهموها : وهي ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا إلى قوله : ما لا طاقة لنا به قبل أن يحكي دعواتهم تلك .

ويجوز أن يكون من كلام الرسول والمؤمنين ، كأنه تعليل لقولهم سمعنا وأطعنا ، أي : علمنا تأويل قول ربنا وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه بأنه يدخلها المؤاخذة بما في الوسع ، مما أبدي وما أخفي ، وهو ما يظهر له أثر في الخارج اختيارا ، أو يعقد عليه القلب ويطمئن به ، إلا أن قوله : لها ما كسبت إلخ ، يبعد هذا ، إذ لا قبل لهم بإثبات ذلك .

[ ص: 135 ] فعلى أنه من كلام الله فهو نسخ لقوله وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه وهذا مروي في صحيح مسلم عن أبي هريرة وابن عباس أنه قال : لما نزلت وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله اشتد ذلك على أصحاب رسول الله فأتوه وقالوا لا نطيقها ، فقال النبيء : قولوا : سمعنا وأطعنا وسلمنا ، فألقى الله الإيمان في قلوبهم ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وإطلاق النسخ على هذا اصطلاح للمتقدمين ، والمراد البيان والتخصيص ؛ لأن الذي تطمئن له النفس : أن هذه الآيات متتابعة النظم ، ومع ذلك يجوز أن تكون نزلت منجمة ، فحدث بين فترة نزولها ما ظنه بعض المسلمين حرجا .

و " الوسع " في القرآن بضم الواو ، وهو في كلام العرب مثلث الواو ، وهو الطاقة والاستطاعة ، والمراد به هنا ما يطاق ويستطاع ، فهو من إطلاق المصدر وإرادة المفعول ، والمستطاع هو ما اعتاد الناس قدرتهم على أن يفعلوه إن توجهت إرادتهم لفعله مع السلامة وانتفاء الموانع .

وهذا دليل على عدم وقوع التكليف بما فوق الطاقة في أديان الله تعالى لعموم ( نفسا ) في سياق النفي ، لأن الله تعالى ما شرع التكليف إلا للعمل واستقامة أحوال الخلق ، فلا يكلفهم ما لا يطيقون فعله ، وما ورد من ذلك فهو في سياق العقوبات ، وهذا حكم عام في الشرائع كلها .

وامتازت شريعة الإسلام باليسر والرفق ، بشهادة قوله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج وقوله : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولذلك كان من قواعد الفقه العامة : المشقة تجلب التيسير ، وكانت المشقة مظنة الرخصة ، وضبط المشاق المسقطة للعبادة مذكور في الأصول ، وقد أشبعت القول فيه في كتابي المسمى ( مقاصد الشريعة ) وما ورد من التكاليف الشاقة فأمر نادر ، في أوقات الضرورة ، كتكليف الواحد من المسلمين بالثبات للعشرة من المشركين في أول الإسلام وقلة المسلمين .

وهذه المسألة هي المعنونة في كتب الأصلين بمسألة التكليف بالمحال ، والتكليف بما لا يطاق ، وهي مسألة أرنت بها كتب الأشاعرة والمعتزلة ، واختلفوا فيها اختلافا [ ص: 136 ] شهيرا دعا إليه التزام الفريقين للوازم أصولهم وقواعدهم ، فقالت الأشاعرة : يجوز على الله تكليف ما لا يطاق بناء على قاعدتهم في نفي وجوب الصلاح على الله ، وأن ما يصدر منه تعالى كله عدل لأنه مالك العباد ، وقاعدتهم في أنه تعالى يخلق ما يشاء وعلى قاعدتهم في أن ثمرة التكليف لا تختص بقصد الامتثال بل قد تكون لقصد التعجيز والابتلاء وجعل الامتثال علامة على السعادة ، وانتفائه علامة على الشقاوة وترتب الإثم لأن لله تعالى إثابة العاصي ، وتعذيب المطيع ، فبالأولى تعذيب من يأمره بفعل مستحيل أو متعذر ، واستدلوا على ذلك بحديث تكليف المصور بنفخ الروح في الصورة وما هو بنافخ ، وتكليف الكاذب في الرؤيا بالعقد بين شعيرتين وما هو بفاعل ، ولا دليل فيه لأن هذا في أمور الآخرة ، ولأنهما خبرا آحاد لا تثبت بمثلها أصول الدين . وقالت المعتزلة : يمتنع التكليف بما لا يطاق بناء على قاعدتهم في أنه يجب لله فعل الصلاح ونفي الظلم عنه ، وقاعدتهم في أنه تعالى لا يخلق المنكرات من الأفعال ، وقاعدتهم في أن ثمرة التكليف هو الامتثال ، وإلا لصار عبثا وهو مستحيل على الله ، وأن الله يستحيل عليه تعذيب المطيع وإثابة العاصي .

واستدلوا بهذه الآية وبالآيات الدالة على أصولها ، مثل ولا يظلم ربك أحدا وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا قل إن الله لا يأمر بالفحشاء إلخ .

والتحقيق أن الذي جر إلى الخوض في المسألة هو المناظرة في خلق أفعال العباد ، فإن الأشعري لما نفى قدرة العبد ، وقال بالكسب ، وفسره بمقارنة قدرة العبد لحصول المقدور دون أن تكون قدرته مؤثرة فيه ، ألزمهم المعتزلة القول بأن الله كلف العباد بما ليس في مقدورهم ، وذلك تكليف بما لا يطاق ، فالتزم الأشعري ذلك ، وخالف إمام الحرمين والغزالي والأشعري في جواز تكليف ما لا يطاق ، والآية لا تنهض حجة على كلام الفريقين في حكم إمكان ذلك .

ثم اختلف المجوزون : هل هو واقع ، وقد حكى القرطبي الإجماع على عدم الوقوع وهو الصواب في الحكاية ، وقال إمام الحرمين في البرهان : والتكاليف كلها عند الأشعري من التكليف بما لا يطاق ؛ لأن المأمورات كلها متعلقة بأفعال هي عند الأشعري غير مقدورة للمكلف ، فهو مأمور بالصلاة وهو لا يقدر عليها ، وإنما [ ص: 137 ] يقدره الله تعالى عند إرادة الفعل مع سلامة الأسباب والآلات .

وما ألزمه إمام الحرمين الأشعري إلزام باطل ؛ لأن المراد بما لا يطاق ما لا تتعلق به قدرة العبد الظاهرة ، المعبر عنها بالكسب ، للفرق البين بين الأحوال الظاهرة ، وبين الحقائق المستورة في نفس الأمر ، وكذلك لا معنى لإدخال ما علم الله عدم وقوعه ، كأمر أبي جهل بالإيمان مع علم الله بأنه لا يؤمن ، في مسألة التكليف بما لا يطاق ، أو بالمحال ، لأن علم الله ذلك لم يطلع عليه أحد ، وأورد عليه أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - دعا أبا لهب إلى الإسلام وقد علم الله أنه لا يسلم لقوله تعالى : تبت يدا أبي لهب وتب إلى قوله : سيصلى نارا ذات لهب فقد يقال : إنه بعد نزول هذه الآية لم يخاطب بطلب الإيمان وإنما خوطب قبل ذلك وبذلك نسلم من أن نقول : إنه خارج عن الدعوة ومن أن نقول : إنه مخاطب بعد نزول الآية .

وهذه الآية تقتضي عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في الشريعة ، بحسب المتعارف في إرادة البشر وقدرهم ، دون ما هو بحسب سر القدر والبحث عن حقيقة القدرة الحادثة ، نعم يؤخذ منها الرد على الجبرية .

وقوله : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت حال من " نفسا " لبيان كيفية الوسع الذي كلفت به النفس : وهو أنه إن جاءت بخير كان نفعه لها وإن جاءت بشر كان ضره عليها ، وهذا التقسيم حاصل من التعليق بواسطة ( اللام ) مرة وبواسطة ( على ) أخرى ، وأما ( كسبت واكتسبت ) فبمعنى واحد في كلام العرب ، لأن المطاوعة في ( اكتسب ) ليست على بابها ، وإنما عبر هنا مرة بـ ( كسب ) وأخرى بـ ( اكتسب ) تفننا وكراهية إعادة الكلمة بعينها ، كما فعل ذو الرمة في قوله :


ومطعم الصيد هبال لبغيته ألفى أباه بذاك الكسب مكتسبا

وقول النابغة :


فحملت برة واحتملت فجار

وابتدئ أولا بالمشهور الكثير ، ثم أعيد بمطاوعه ، وقد تكون في اختيار الفعل الذي أصله دال على المطاوعة ، إشارة إلى أن الشرور يأمر بها الشيطان ، فتأتمر [ ص: 138 ] النفس وتطاوعه وذلك تبغيض من الله للناس في الذنوب ، واختير الفعل الدال على اختيار النفس للحسنات ، إشارة إلى أن الله يسوق إليها الناس بالفطرة ، ووقع في الكشاف أن فعل المطاوعة لدلالته على الاعتمال ، وكان الشر مشتهى للنفس ، فهي تجد في تحصيله ، فعبر عن فعلها ذلك بالاكتساب .

والمراد بـ ( ما اكتسبت ) الشرور ، فمن أجل ذلك ظن بعض المفسرين أن الكسب هو اجتناء الخير ، والاكتساب هو اجتناء الشر ، وهو خلاف التحقيق ; ففي القرآن ولا تكسب كل نفس إلا عليها - ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون - وقد قيل : إن ( اكتسب ) إذا اجتمع مع ( كسب ) خص بالعمل الذي فيه تكلف ، لكن لم يرد التعبير بـ ( اكتسب ) في جانب فعل الخير .

وفي هذه الآية مأخذ حسن لأبي الحسن الأشعري في تسميته استطاعة العبد كسبا واكتسابا ; فإن الله وصف نفسه بالقدرة ولم يصف العباد بالقدرة ، ولا أسند إليهم فعل " قدر " وإنما أسند إليهم الكسب ، وهو قول يجمع بين المتعارضات ويفي بتحقيق إضافة الأفعال إلى العباد ، مع الأدب في عدم إثبات صفة القدرة للعباد ، وقد قيل : إن أول من استعمل كلمة الكسب هو الحسين بن محمد النجار ، رأس الفرقة النجارية ، من الجبرية ، وكان معاصرا للنظام في القرن الثالث ، ولكن اشتهر بها أبو الحسن الأشعري حتى قال الطلبة في وصف الأمر الخفي : أدق من كسب الأشعري .

وتعريف الكسب عند الأشعري : هو حالة العبد يقارنها خلق الله فعلا متعلقا بها ، وعرفه الإمام الرازي بأنه صفة تحصل بقدرة العبد لفعله الحاصل بقدرة الله وللكسب تعاريف أخر .

وحاصل معنى الكسب وما دعا إلى إثباته هو أنه لما تقرر أن الله قادر على جميع الكائنات الخارجة عن اختيار العبد ، وجب أن يقرر عموم قدرته على كل شيء لئلا تكون قدرة الله غير متسلطة على بعض الكائنات ، إعمالا للأدلة الدالة على أن الله على كل شيء قدير ، وأنه خالق كل شيء ، وليس لعموم هذه الأدلة دليل يخصصه ، فوجب إعمال هذا العموم ، ثم إنه لما لم يجز أن يدعى كون العبد مجبورا على أفعاله للفرق الضروري بين الأفعال الاضطرارية كحركة المرتعش ، والأفعال الاختيارية ، [ ص: 139 ] كحركة الماشي والقاتل ، ورعيا لحقيقة التكاليف الشرعية للعباد لئلا يكون التكليف عبثا ولحقية الوعد والوعيد لئلا يكونا باطلا ، تعين أن تكون للعبد حالة تمكنه من فعل ما يريد فعله ، وترك ما يريد تركه ، وهي ميله إلى الفعل أو الترك ، فهذه الحالة سماها الأشعري الاستطاعة ، وسماها كسبا ، وقال : إنها تتعلق بالفعل فإذا تعلقت به خلق الله الفعل الذي مال إليه على الصورة التي استحضرها ومال إليها .

وتقديم المجرورين في الآية : لقصد الاختصاص . أي لا يلحق غيرها شيء ولا يلحقها شيء من فعل غيرها ، وكأن هذا إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية : من اعتقاد شفاعة الآلهة لهم عند الله .

وتمسك بهذه الآية من رأى أن الأعمال لا تقبل النيابة في الثواب والعقاب ، إلا إذا كان للفاعل أثر في عمل غيره ، ففي الحديث إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم بثه في صدور الرجال ، وولد صالح يدعو له ، وفي الحديث ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ، ذلك لأنه أول من سن القتل وفي الحديث من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث