الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : ( الضرب الثاني : على الترتيب وهو هدي التمتع يلزمه شاة ، فإن لم يجد فيصام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ).

هذا الهدي واجب بنص القرآن ، والسنة ، والإجماع ؛ قال الله تعالى : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ) .

[ ص: 327 ] وبالسنة كما تقدم عن ابن عمر ، وبالإجماع .

وفيه فصول : -

الأول : في الهدي ويجزئ فيه ما يجزئ في الأضحية وهو بدنة ، أو بقرة ، أو شاة ، أو شرك في دم ؛ لأن الله قال : ( فما استيسر من الهدي ) والغنم : الهدي بدليل قوله في جزاء الصيد : ( هديا بالغ الكعبة ) ، ولا يقال : فقد يدخل في الجزاء ما لا يدخل في مطلق الهدي من الصغير والمعيب ويسمى هديا ؛ لأن ذلك إنما وجب باعتبار المماثلة المذكورة في قوله : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) وفي آية التمتع أطلق الهدي ، ولم يعتبر فيه مماثلة شيء ؛ ولأن ذلك يدل على أن المعيب والصغير من الأزواج الثمانية يكون هديا ، وهذا صحيح ، كما أن الرقبة المعيبة تكون رقبة في العتق ، لكن الواجب في مطلق الهدي والرقبة : إنما يكون صحيحا على الوجه المشروع .

وعلم ذلك بالسنة ؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم ( أهدى مرة غنما ) متفق عليه .

ولأن عائشة .. . .

[ ص: 328 ] وعن عكرمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ( قسم بين أصحابه في متعتهم غنما ، فأصاب سعدا يومئذ تيس ) رواه سعيد .

ولا يجب عليه الهدي حتى يكون واجدا له ؛ إما بأن يكون مالكه ، أو يجد ثمنه . فإن كان عادما بمكة واجدا ببلده بحيث يمكنه أن يقترض : لم يجب ذلك عليه نص عليه في رواية الأثرم إذا وجب عليه هدي متعة وليس معه نفقة وهو ممن لو استقرض أقرض فلا يستقرض ويهدي ، قال الله : ( فمن لم يجد فصيام ) وهذا ليس بواجد ؛ وذلك لأنه قد وجب عليه الهدي ، أو بدله في مكة فلم يجب عليه الاقتراض ، كما لو عدم الماء ، وهذا بخلاف عادم الرقبة في الظهار على أحد .. . .

ولأنها عبادة مؤقتة ذات بدل ، فإذا عدم المبدل حين الوجوب : جاز له الانتقال إلى بدله كالطهارة .

ويجب الهدي والصوم عنه بعد الوقوف في إحدى الروايتين ، وفي الأخرى : يجب إذا أحرم ، قال - في رواية ابن القاسم وسندي - وقد سئل متى يجب [ ص: 329 ] صيام المتعة فقال : إذا عقد الإحرام .

وقد تأول القاضي ذلك على أن الإحرام سبب للوجوب ، كما أن النصاب سبب لوجوب الزكاة ، لا أن الوجوب يتعلق به ، وإنما يتعلق بيوم النحر ، كما يتعلق وجوب الزكاة بالنصاب والحول .

وأقرها أبو الخطاب وغيره على ظاهرها ، وقال : معناه إذا أحرم بالحج ، ويؤيد ذلك ... . ، قال : والصيام للمتعة يجب على المتمتع إذا عقد الإحرام ، وكان في أشهر الحج وهذا يدخل على من قال : لا تجزئ الكفارة قبل الحنث ولعل هذا لا يحج ينصرف . وهم يقولون يجزئه الصيام . وفي قلبي من الصيام أيام التشريق شيء .

قال القاضي : وقوله : إذا عقد الإحرام أراد به إحرام العمرة ؛ لأنه شبهه بالكفارة قبل الحنث ، وإنما يصح الشبيه إذا كان صومه قبل الإحرام بالحج ؛ لأنه قد وجد أحد السببين ؛ ولأنه قال : إذا عقد الإحرام في أشهر الحج ، وهذا إنما يكون في إحرام العمرة ؛ لأن من شرط التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، [ ص: 330 ] لأن الله قال : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) وبإحرامه بالحج صار متمتعا ؛ لأنه ترفه بحله وسقوط أحد السفرين عنه ، ولأن الله تعالى قال : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج ) فجعله بعد إيجاب الهدي عليه مأمورا بصيام ثلاثة أيام في الحج ، وهو يؤمر قبل يوم عرفة فعلم أنه قد وجب عليه الهدي قبل الصيام .

والرواية الأولى : اختيار القاضي .. . . ، ثم اختلفوا في معناها ؛ فقال القاضي : - في خلافه - وأبو الخطاب وابن عقيل في بعض المواضع وغيرهم : معناها أنه يجب عند انقضاء وقت الوقوف وهو طلوع الفجر يوم النحر ؛ لأنه وقت التحلل ، ووقت جواز الذبح ، ويتوجه على هذه الطريقة : أن لا يجب حتى يرمي الجمرة ، أو يجب إذا انتصفت ليلة النحر .

وقال القاضي : في المجرد وابن عقيل وغيرهما : معنى كلامه أنه إذا وقف بعرفة فقد وجب عليه . وهذا معنى كلامه بلا ريب ؛ قال - في رواية المروذي وإبراهيم - : ويجب على المتمتع الدم إذا وقف بعرفة والقارن مثله ، يروي فيه عن عطاء ، وفي لفظ آخر - في متمتع مات قبل أن يذبح - قال : إذا وقف بعرفات وجب عليه الهدي .

قال القاضي وابن عقيل : يجب بالوقف ويتأخر إخراجه إلى يوم النحر ، وذلك لأن الله إنما أوجب الهدي على من تمتع بالعمرة إلى الحج ، وإنما يكون متمتعا [ ص: 331 ] إذا أتى بالحج .. . .

وأما وقت ذبح الهدي : فإنه يوم النحر ، فلا يجوز الذبح قبله ، لكن يجوز يذبح فيه بعد طلوع الفجر ، قاله القاضي وغيره .

وقال : .. . وهذا هو المذهب المعروف المنصوص ؛ قال - في رواية ابن منصور :- وأما هدي المتعة فإنه يذبح يوم النحر .

وقال أبو الخطاب : لا يجوز نحر هديه قبل وقت وجوبه . فظاهر كلامه أنا إذا قلنا : يجب بالإحرام بالحج : ينحر حينئذ ، وليس كذلك .

وذكر بعض أصحابنا : رواية أنه إذا قدم قبل العشر : جاز أن يذبحه قبله ، وإن قدم فيه لم يذبحه إلى يوم النحر .

وهذه الحكاية غلط ؛ فإنه من لم يسق الهدي : لم يختلف أنه لا يذبح إلى يوم النحر ، ومن ساقه فقد اختلف - عنه - فيه لكن الخلاف هو في جواز نحر الهدي المسوق ، وفي تحلل المحرم .

[ ص: 332 ] أما الهدي الواجب بالمتعة : فلا ، بل عليه أن ينحره يوم النحر ؛ قال - في رواية يوسف بن موسى - فيمن قدم متمتعا وساق الهدي ، فإن قدم في شوال نحر الهدي وحل وعليه هدي آخر ، وإذا قدم في العشر أقام على إحرامه ولم يحل . قال القاضي : فقد نص على أنه إذا نحر قبل العشر كان عليه هدي آخر ، يعني في يوم النحر ، ولم يعتد بما ذبح قبله .

لأن الله يقول : ( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) وما بعد الغاية يخالف ما قبلها ، فاقتضى ذلك أن بعد بلوغ الهدي محله يجوز الحلق ، والحلق إنما يجوز يوم النحر ، فعلم أن الهدي إنما يبلغ محله يوم النحر ، والآية عامة في هدي المحصر وغيره لعموم لفظها وحكمها ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه في حجة الوداع - : ( من لم يسق الهدي فليحل ، ومن ساق الهدي فلا يحل حتى يبلغ الهدي محله ) .

وعن عائشة - رضي الله عنها - في حديث لها قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من أحرم بعمرة ولم يهد فليحل ، ومن أحرم بعمرة فأهدى فلا يحل حتى يحل بحج ، نحر هديه ) . متفق عليه .

وفي حديث ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله ) . رواه البخاري .

[ ص: 333 ] وعن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم ، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله ) .

وعنها وعن ابن عمر - في حديث لهما ذكرا فيه : أن الناس تمتعوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للناس : ( من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ) . متفق عليهما .

فقد بين - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يحل حتى يحل نحر الهدي ، وبين أنه لا يحل حتى يقضي حجه ، فعلم أنه لا يحل نحر الهدي الذي ساقه ، ويبلغ محله : حتى يقضي حجه . فهديه الذي لم يسقه بطريق الأولى ؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى جميع من معه هدي من متمتع ومفرد وقارن أن يحلوا إلى يوم النحر ، وبين أنه إنما منعهم من الإحلال الهدي الذي ، وكذلك أخبر عن نفسه أنه لا يحل حتى ينحر ، وحتى يبلغ الهدي محله ، ولو كان الذبح جائزا قبل يوم النحر : لنحروا وحلوا ولم يكن الهدي مانعا من الإحلال قبل يوم النحر إذا كان ذبحه جائزا ، وهذا بين في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - المستفيضة عنه ؛ ولأن عامة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع كانوا متمتعين حلوا من إحرامهم لما طافوا بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، ولم ينحروا إلا يوم النحر ، وذبح النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أزواجه يوم النحر وكن متمتعات ، وقد قال : ( لتأخذوا عني مناسككم ) . فلو كان الذبح قبل النحر جائزا لفعله بعض المسلمين ، أو أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا سيما والمبادرة إلى إبراء الذمة أولى من التأخير .

وعن صدقة بن يسار قال : ( كنت عند ابن عمر ، فجاءه رجل كأنه بدوي - في العشر - فقال : إني تمتعت فكيف أصنع ؟ قال : طف بالبيت وبين الصفا والمروة ، وخذ ما تطاير من شعرك فإذا كان يوم النحر فعليك نسيكة ، قال : وما هي ؟ قال : شاة ) . رواه سعيد .

ولأن الله قال : ( ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) [ ص: 334 ] ووفاء النذور : هو فعل ما وجب عليهم من هدي ، وقد جعل الله ذلك مع قضاء التفث .

ولأن الله قال : ( لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ) وهذا يقتضي أن الانتفاع بها له وقت محدود .

وأيضا : فإن هدي المتعة نسك ، فلم يجز ذبحه إلى يوم النحر كالهدي المنذور ، والأضحية الواجبة .

ولأنه أحد أسباب التحلل : فلم يجز تقديمه على يوم النحر كالحلق والرمي والطواف .

ودليل الوصف .. . .

[ ص: 335 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث