الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال "

القول في تأويل قوله تعالى : ( أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ( 31 ) )

يقول تعالى ذكره : والذين يتبعونكم لطعام يأكلونه عندكم ، ممن لا أرب له في النساء من الرجال ، ولا حاجة به إليهن ، ولا يريدهن .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ) قال : كان الرجل يتبع الرجل في الزمان الأول لا يغار عليه ولا ترهب المرأة أن تضع خمارها عنده ، وهو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء .

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ( أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ) فهذا الرجل يتبع القوم ، وهو مغفل في عقله ، لا يكترث للنساء ، ولا يشتهيهن ، فالزينة التي تبديها لهؤلاء : قرطاها وقلادتها وسواراها ، وأما خلخالاها ومعضداها ونحرها وشعرها ، فإنها لا تبديه إلا لزوجها .

حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : ( أو التابعين ) قال : هو التابع يتبعك يصيب من طعامك .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا إسماعيل بن علية ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ) قال : الذي يريد الطعام ، [ ص: 162 ] ولا يريد النساء .

قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ) الذين لا يهمهم إلا بطونهم ، ولا يخافون على النساء .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .

حدثنا إسماعيل بن موسى السدي ، قال : ثنا شريك ، عن منصور ، عن مجاهد ، في قوله : ( غير أولي الإربة ) قال : الأبله .

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت ليثا ، عن مجاهد ، قوله : ( غير أولي الإربة ) قال : هو الأبله ، الذي لا يعرف شيئا من النساء .

حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ( غير أولي الإربة من الرجال ) الذي لا أرب له بالنساء ، مثل فلان .

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن عطية ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق عمن حدثه ، عن ابن عباس : ( غير أولي الإربة ) قال : هو الذي لا تستحيي منه النساء .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي : ( غير أولي الإربة ) قال : من تبع الرجل وحشمه ، الذي لم يبلغ إربه أن يطلع على عورة النساء .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، عن المغيرة ، عن الشعبي ( غير أولي الإربة ) قال : الذي لا أرب له في النساء .

قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، قال : المعتوه .

حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري في قوله : ( أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ) قال : هو الأحمق ، الذي لا همة له بالنساء ولا أرب .

وبه عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، في قوله : ( غير أولي الإربة من الرجال ) يقول : الأحمق ، الذي ليست له همة في النساء .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : [ ص: 163 ] قال ابن عباس : الذي لا حاجة له في النساء .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال : ابن زيد ، في قوله : ( أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ) قال : هو الذي يتبع القوم ، حتى كأنه كان منهم ونشأ فيهم ، وليس يتبعهم لإربة نسائهم ، وليس له في نسائهم إربة . وإنما يتبعهم لإرفاقهم إياه .

حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث ، فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة ، فدخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة ، فقال : إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع ، وإذا أدبرت أدبرت بثمان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا أرى هذا يعلم ما هاهنا ، لا يدخلن هذا عليكم " فحجبوه .

حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، قال : ثنا حفص بن عمر العدني ، قال : ثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة في قوله : ( أو التابعين غير أولي الإربة ) قال : هو المخنث الذي لا يقوم زبه .

واختلف القراء فى قوله : ( غير أولي الإربة ) فقرأ ذلك بعض أهل الشام ، وبعض أهل المدينة والكوفة " غير أولي الإربة " بنصب " غير " ، ولنصب " غير " هاهنا وجهان : أحدهما على القطع من التابعين ، لأن التابعين معرفة و " غير " نكرة ، والآخر على الاستثناء ، وتوجيه " غير " إلى معنى " إلا " ، فكأنه قيل : إلا . وقرأ غير من ذكرت بخفض " غير " على أنها نعت للتابعين ، وجاز نعت " التابعين " ب " غير " و " التابعون " معرفة وغير نكرة ، لأن " التابعين " معرفة غير مؤقتة . فتأويل الكلام على هذه القراءة : أو الذين هذه صفتهم .

والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا المعنى مستفيضة القراءة بهما في الأمصار ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، غير أن الخفض في " غير " أقوى في العربية ، فالقراءة به أعجب إلي والإربة : الفعلة من الأرب ، مثل الجلسة من الجلوس ، والمشية من المشي ، وهي الحاجة ، يقال : لا أرب لي فيك : لا حاجة لي فيك ، وكذا أربت لكذا وكذا إذا احتجت إليه ، فأنا آرب له أربا . فأما الأربة بضم الألف : فالعقدة .

وقوله : ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) يقول تعالى ذكره : أو الطفل الذين لم يكشفوا عن عورات النساء بجماعهن فيظهروا عليهن لصغرهم .

[ ص: 164 ] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( على عورات النساء ) قال : لم يدروا ما ثم ، من الصغر قبل الحلم .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .

وقوله : ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) يقول تعالى ذكره : ولا يجعلن في أرجلهن من الحلي ما إذا مشين أو حركنهن ، علم الناس الذين مشين بينهم ما يخفين من ذلك .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر ، عن أبيه ، قال : زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين من فضة ، واتخذت جزعا ، فمرت على قوم ، فضربت برجلها ، فوقع الخلخال على الجزع ، فصوت ، فأنزل الله ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن السدي ، عن أبي مالك ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) قال : كان في أرجلهم خرز ، فكن إذا مررن بالمجالس حركن أرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن .

حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : ( ولا يضربن بأرجلهن ) فهو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال ، ويكون في رجليها خلاخل ، فتحركهن عند الرجال ، فنهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك ; لأنه من عمل الشيطان .

حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) قال : هو الخلخال ، لا تضرب امرأة [ ص: 165 ] برجلها ليسمع صوت خلخالها .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) قال : الأجراس من حليهن ، يجعلنها في أرجلهن في مكان الخلاخل ، فنهاهن الله أن يضربن بأرجلهن لتسمع تلك الأجراس .

وقوله : ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ) يقول تعالى ذكره : وارجعوا أيها المؤمنون إلى طاعة الله فيما أمركم ونهاكم من غض البصر ، وحفظ الفرج ، وترك دخول بيوت غير بيوتكم ، من غير استئذان ولا تسليم ، وغير ذلك من أمره ونهيه ; ( لعلكم تفلحون ) يقول : لتفلحوا وتدركوا طلباتكم لديه ، إذا أنتم أطعتموه فيما أمركم ونهاكم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث