الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

من أقسام الإنشاء الاستفهام ، وهو طلب الفهم ، وهو بمعنى الاستخبار .

وقيل : الاستخبار ما سبق أولا ، ولم يفهم حق الفهم ، فإذا سألت عنه ثانيا كان استفهاما ، حكاه ابن فارس في فقه اللغة ، وأدواته : الهمزة ، وهل ، وما ، ومن ، وأي ، وكم ، وكيف ، وأين ، وأنى ، ومتى ، وأيان . ومرت في الأدوات .

وقال ابن مالك في المصباح : وما عدا الهمزة نائب عنها ، ولكونه طلب ارتسام صورة ما في الخارج في الذهن ، لزم أن لا يكون حقيقة إلا إذا صدر من شاك مصدق بإمكان الإعلام ، فإن غير الشاك إذا استفهم يلزم منه تحصيل الحاصل ، وإذا لم يصدق بإمكان الإعلام انتفت عنه فائدة الاستفهام .

وقال بعض الأئمة : وما جاء في القرآن على لفظ الاستفهام فإنما يقع في خطاب الله على معنى أن المخاطب عنده علم ذلك الإثبات أو النفي حاصل .

وقد تستعمل صيغة الاستفهام في غيره مجازا ، وألف في ذلك العلامة شمس الدين بن الصائغ كتابا سماه " روض الأفهام في أقسام الاستفهام " قال فيه : قد توسعت العرب فأخرجت الاستفهام عن حقيقته لمعان ، أو أشربته تلك المعاني ، ولا يختص التجوز في ذلك بالهمزة ، خلافا للصفار .

الأول : الإنكار : والمعنى فيه على النفي وما بعده منفي ؛ ولذلك تصحبه ( إلا ) كقوله : فهل يهلك إلا القوم الفاسقون [ الأحقاف : 35 ] .

وهل نجازي إلا الكفور [ سبإ : 17 ] ، وعطف على المنفي في قوله : فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين [ الروم : 29 ] ؛ أي : لا يهدي ، ومنه : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون [ الشعراء : 111 ] ، أنؤمن لبشرين مثلنا [ المؤمنون : 47 ] ؛ أي : لا نؤمن أم له البنات ولكم البنون [ الطور : 39 ] ، ألكم الذكر وله الأنثى [ النجم : 21 ] ؛ أي : لا يكون هذا . أشهدوا خلقهم [ الزخرف : 19 ] ؛ أي : ما شهدوا ذلك .

[ ص: 139 ] وكثيرا ما يصحبه التكذيب ، وهو في الماضي بمعنى لم يكن ، وفي المستقبل بمعنى لا يكون ، نحو : أفأصفاكم ربكم بالبنين [ الإسراء : 40 ] ؛ أي : لم يفعل ذلك . أنلزمكموها وأنتم لها كارهون [ هود : 28 ] ؛ أي : لا يكون هذا الإلزام .

الثاني : التوبيخ : وجعله بعضهم من قبيل الإنكار ، إلا أن الأول إنكار إبطال ، وهذا إنكار توبيخ ، والمعنى على أن ما بعده واقع جدير بأن ينفى ، فالنفي هنا غير قصدي والإثبات قصدي ، عكس ما تقدم ، ويعبر عن ذلك بالتقريع أيضا ، نحو : أفعصيت أمري [ طه : 93 ] ، أتعبدون ما تنحتون [ الصافات : 95 ] ، أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين [ الصافات : 125 ] ، وأكثر ما يقع التوبيخ في أمر ثابت ، ووبخ على فعله كما ذكر ، ويقع على ترك فعل كان ينبغي أن يقع كقوله : أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر [ فاطر : 37 ] ، ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها [ النساء : 97 ] .

الثالث : التقرير : وهو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده .

قال ابن جني : ولا يستعمل ذلك ب ( هل ) كما يستعمل بغيرها من أدوات الاستفهام .

وقال الكندي : ذهب كثير من العلماء في قوله : هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم [ الشعراء : 72 ، 73 ] ، إلى أن ( هل ) تشارك الهمزة في معنى التقرير أو التوبيخ ، إلا أني رأيت أبا علي أبى ذلك ، وهو معذور ؛ لأن ذلك من قبيل الإنكار .

ونقل أبو حيان عن سيبويه أن استفهام التقرير لا يكون ب ( هل ) إنما يستعمل فيه الهمزة ، ثم نقل عن بعضهم أن ( هل ) تأتي تقريرا كما في قوله تعالى : هل في ذلك قسم لذي حجر [ الفجر : 5 ] ، والكلام مع التقرير موجب ، ولذلك يعطف عليه صريح الموجب ، ويعطف على صريح الموجب .

فالأول : كقوله تعالى : ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك [ الشرح : 1 ، 2 ] ، ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى [ الضحى : 6 ، 7 ] ، ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل [ الفيل : 2 ، 3 ] .

[ ص: 140 ] والثاني : نحو : أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما [ النمل : 84 ] ، على ما قرره الجرجاني من جعلها مثل : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [ النمل : 14 ] .

وحقيقة استفهام التقرير أنه استفهام إنكار ، والإنكار نفي ، وقد دخل على النفي ، ونفي النفي إثبات ، ومن أمثلته : أليس الله بكاف عبده [ الزمر : 36 ] ، ألست بربكم [ الأعراف : 172 ] ، وجعل منه الزمخشري : ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير [ البقرة : 106 ] .

الرابع : التعجب أو التعجيب : نحو : كيف تكفرون بالله [ البقرة : 28 ] ، ما لي لا أرى الهدهد [ النمل : 20 ] ، وقد اجتمع هذا القسم وسابقاه في قوله : أتأمرون الناس بالبر [ البقرة : 44 ] ، قال الزمخشري : الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجب من حالهم .

ويحتمل التعجب والاستفهام الحقيقي : ما ولاهم عن قبلتهم [ البقرة : 142 ] .

الخامس : العتاب : كقوله : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله [ الحديد : 16 ] ، قال ابن مسعود : ما كان بين إسلامهم وبين أن عوتبوا بهذه الآية إلا أربع سنين . أخرجه الحاكم .

ومن ألطفه ما عاتب الله به خير خلقه بقوله : عفا الله عنك لم أذنت لهم [ التوبة : 43 ] ، ولم يتأدب الزمخشري بأدب الله في هذه الآية على عادته في سوء الأدب .

[ ص: 141 ] السادس : التذكير : وفيه نوع اختصار ، كقوله : ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا [ يس : 60 ] ، ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض [ البقرة : 33 ] ، هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه [ يوسف : 89 ] .

السابع : الافتخار : نحو : أليس لي ملك مصر [ الزخرف : 51 ] .

الثامن : التفخيم : نحو : مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها [ الكهف : 49 ] .

التاسع : التهويل والتخويف : نحو : الحاقة ما الحاقة ، القارعة ما القارعة .

العاشر : عكسه ؛ وهو التسهيل والتخفيف ، نحو : وماذا عليهم لو آمنوا [ النساء : 39 ] .

الحادي عشر : التهديد والوعيد ، نحو : ألم نهلك الأولين [ المرسلات : 16 ] .

الثاني عشر : التكثير : نحو : وكم من قرية أهلكناها [ الأعراف : 4 ] .

الثالث عشر : التسوية ؛ وهو الاستفهام الداخل على جملة يصح حلول المصدر محلها ، نحو : سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم [ البقرة : 6 ] .

الرابع عشر : الأمر : نحو : أأسلمتم [ آل عمران : 20 ] ؛ أي : أسلموا فهل أنتم منتهون [ المائدة : 91 ] ؛ أي : انتهوا . أتصبرون [ الفرقان : 20 ] ؛ أي : اصبروا .

الخامس عشر : التنبيه ؛ وهو من أقسام الأمر ، نحو : ألم تر إلى ربك كيف مد الظل [ الفرقان : 45 ] ؛ أي : انظر . ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة [ الحج : 63 ] ، ذكره صاحب الكشاف عن سيبويه ؛ ولذلك رفع الفعل في جوابه ، وجعل منه قوله : فأين تذهبون [ التكوير : 26 ] ، للتنبيه على الضلال ، وكذا : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه [ البقرة : 130 ] .

السادس عشر : الترغيب ، نحو : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا [ البقرة : 245 ] ، هل أدلكم على تجارة تنجيكم [ الصف : 10 ] .

[ ص: 142 ] السابع عشر : النهي : نحو : أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه [ التوبة : 13 ] ، بدليل : فلا تخشوا الناس واخشون [ المائدة : 44 ] ، ما غرك بربك الكريم [ الانفطار : 6 ] ؛ أي : لا تغتر .

الثامن عشر : الدعاء ؛ وهو كالنهي إلا أنه من الأدنى إلى الأعلى ، نحو : أتهلكنا بما فعل السفهاء [ الأعراف : 155 ] ؛ أي : لا تهلكنا .

التاسع عشر : الاسترشاد : نحو : أتجعل فيها من يفسد فيها [ البقرة : 30 ] .

العشرون : التمني ، نحو : فهل لنا من شفعاء [ الأعراف : 53 ] .

الحادي والعشرون : الاستبطاء : نحو : متى نصر الله [ البقرة : 214 ] .

الثاني والعشرون : العرض ألا تحبون أن يغفر الله لكم [ النور : 22 ] .

الثالث والعشرون : التحضيض : نحو : ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم [ التوبة : 13 ] .

الرابع والعشرون : التجاهل : نحو : أؤنزل عليه الذكر من بيننا [ ص : 8 ] .

الخامس والعشرون : التعظيم ، نحو : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [ البقرة : 255 ] .

السادس والعشرون : التحقير : نحو : أهذا الذي يذكر آلهتكم [ الأنبياء : 36 ] ، أهذا الذي بعث الله رسولا [ الفرقان : 41 ] ، ويحتمله وما قبله قراءة ( من فرعون ) [ الدخان : 31 ] .

السابع والعشرون : الاكتفاء : نحو : أليس في جهنم مثوى للمتكبرين [ الزمر : 60 ] .

الثامن والعشرون : الاستبعاد : نحو : وأنى له الذكرى [ الفجر : 23 ] .

التاسع والعشرون : الإيناس : نحو : وما تلك بيمينك ياموسى [ طه : 17 ] .

الثلاثون : التهكم والاستهزاء ، نحو : أصلاتك تأمرك [ هود : 87 ] ، ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون [ الصافات : 91 ، 92 ] .

[ ص: 143 ] الحادي والثلاثون : التأكيد لما سبق من معنى أداة الاستفهام قبله كقوله : أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار [ الزمر : 19 ] ، قال الموفق عبد اللطيف البغدادي : أي : من حق عليه كلمة العذاب فإنك لا تنقذه ، فمن للشرط ، والفاء جواب الشرط ، والهمزة في ( أفأنت ) دخلت معادة مؤكدة لطول الكلام ، وهذا نوع من أنواعها .

وقال الزمخشري : الهمزة الثانية هي الأولى ، كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد .

الثاني والثلاثون : الإخبار : نحو : أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا [ النور : 50 ] ، هل أتى على الإنسان [ الإنسان : 1 ] .

التالي السابق


الخدمات العلمية