الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب صفة عيسى ابن مريم عليه السلام والدجال

وحدثني عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أراني الليلة عند الكعبة فرأيت رجلا آدم كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم قد رجلها فهي تقطر ماء متكئا على رجلين أو على عواتق رجلين يطوف بالكعبة فسألت من هذا قيل هذا المسيح ابن مريم ثم إذا أنا برجل جعد قطط أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية فسألت من هذا فقيل لي هذا المسيح الدجال

التالي السابق


2 - باب صفة عيسى ابن مريم عليه السلام والدجال

1708 1658 - ( مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ) رضي الله عنهما ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أراني ) بفتح الهمزة ذكره بلفظ المضارع مبالغة في استحضار صورة الحال ، أي : أرى [ ص: 445 ] نفسي ( الليلة عند الكعبة ) في المنام ( فرأيت رجلا آدم ) بالمد اسم ( كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال ) بضم الهمزة وسكون الدال ، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة : " فأما عيسى فأحمر " والأحمر عند العرب الشديد البياض مع الحمرة ، والآدم الأسمر ، وجمع بين الوصفين بأنه احمر لونه بسبب كالتعب وهو في الأصل أسمر .

وقال القرطبي : كأن الأدمة تصير سمرة تضرب إلى الحمرة وهو غالب ألوان العرب ، وبه تجمع الروايتان .

وفي الصحيح عن ابن عمر : " لا والله ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعيسى : أحمر ، ولكن قال : بينما أنا نائم رأيت أني أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم " الحديث .

قال الحافظ : أقسم على غلبة ظنه أن الوصف اشتبه على الراوي وأن الموصوف بأنه أحمر إنما هو الدجال لا عيسى ، وقرب ذلك أن كلا منهما يقال له المسيح ، صفة مدح لعيسى وذم للدجال ، وكأن ابن عمر سمع ذلك جزما في وصف عيسى أنه آدم فساغ له الحلف لغلبة ظنه أن من وصفه بأحمر فقد وهم ، لكن قد وافق ابن عباس أبا هريرة على أن عيسى أحمر فظهر أن ابن عمر أنكر شيئا حفظه غيره وقد أمكن الجمع بينهما .

وأما قول الداودي : رواية من قال آدم - أثبت فلا أدري من أين وقع له ذلك مع اتفاق أبي هريرة وابن عباس على مخالفة ابن عمر .

( له لمة ) بكسر اللام وشد الميم : شعر جاوز شحمة الأذنين وألم بالمنكبين فإن جاوزهما فجمة بضم الجيم وإن قصر عنها فوفرة ( كأحسن ما أنت راء من اللمم ) جمع لمة ، وفي رواية موسى بن عقبة عن نافع : تضرب لمته بين منكبيه ( قد رجلها ) أي : سرحها ( فهي تقطر ماء ) من الماء الذي سرحها به أو هو استعارة كنى بها عن مزيد النظافة والنضارة ، ويؤيده أن في رواية لأحمد وأبي داود عن أبي هريرة : " يقطر رأسه ماء وإن لم يصبه بلل " وللبخاري عن سالم عن أبيه مرفوعا : " فإذا رجل آدم سبط الشعر " وله ولغيره من حديث ابن عباس وأبي هريرة : جعد ، والجعودة ضد السبوطة ، فجمع بينهما بأنه سبط الشعر جعد الجسم والمراد به اجتماعه واكتثاره ، وهذا نظير الخلاف السابق في لونه .

( متكئا ) حال ( على رجلين ) قال الحافظ : لم أقف على اسمهما ( أو ) للشك قال ( على عواتق رجلين ) جمع عاتق وهو ما بين المنكب والعنق ، وفي رواية موسى بن عقبة : واضع يده على منكبي رجلين ( يطوف بالكعبة ) حال ( فسألت ) الملك ( من هذا ؟ ) الطائف ( قيل : هذا المسيح عيسى ابن مريم ) بفتح الميم وكسر السين مخففة على المشهور وقد تشدد وحاء مهملة ، وصحف من أعجمها لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا [ ص: 446 ] بالدهن ، أو لأن زكريا مسحه ، أو لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ ، أو لمسحه الأرض بسياحته ، أو لأن رجله لا أخمص لها ، أو للبسه المسوح ، أقوال .

وقيل : هو بالعبرانية ماسح فعرب المسيح ، وقيل : معناه الصديق ( ثم إذا برجل جعد ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة شعره ( قطط ) بفتح القاف والمهملة الأولى على المشهور وقد تكسر ، أي : شديد جعودة الشعر ( أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية ) بتحتية بعد الفاء ، أي : بارزة من طفئ الشيء يطفو بغير همز إذا علا على غيره ، شبهها بالعنبة التي تقع في العنقود بارزة عن نظائرها وبالهمز ، أي : ذهب ضوءها .

قال عياض : رويناه بغير همز عن أكثر شيوخنا وصححوه وإليه ذهب الأخفش وأنكر بعضهم رواية الهمز ولا وجه لإنكارها ، ويصححها الرواية الأخرى أنه ممسوح العين وأنها ليست حجراء ولا ناتئة وأنها مطموسة ، وهذه صفة حبة العنب إذا طفيت وزال ماؤها ، ويصحح رواية الياء قوله في الرواية الأخرى : كأنها كوكب ، وأنها جاحظة ، وكأنها نخاعة في حائط مجصص وأنها عوراء ، ويجمع بين الأحاديث بأن ما صححت به رواية الياء يكون في عين ، وما صححت به رواية الهمز يكون في الأخرى ، وبه أيضا يجمع بين ما اختلف فيه الروايات ، ففي بعضها أنه أعور العين اليمنى ، وفي بعضها أنه أعور اليسرى لأن العور العيب وكلتا عينيه معيبة ، أحدهما بالطمس وهي اليمنى ، والأخرى بالبروز ، انتهى كلام عياض ملخصا .

قال النووي : وهو في نهاية من الحسن ، زاد في رواية موسى بن عقبة عن نافع : يطوف بالبيت .

( فسألت : من هذا ؟ قيل : هذا المسيح الدجال ) لأنه ممسوح العين ، أو لأن أحد شقي وجهه خلق ممسوحا لا عين فيه ولا حاجب ، أو لأنه يمسح الأرض إذا خرج .

وقال الجوهري : من خففه فلمسحه الأرض ، ومن شدد فلأنه ممسوح العين .

قال الحافظ : وفيه دلالة على أن قوله صلى الله عليه وسلم " إن الدجال لا يدخل المدينة ولا مكة " ، أي : في زمن خروجه ولم يرد بذلك في دخوله في الزمن الماضي .

وهذه الرؤيا منام كما صرح به في بعض طرقه المتقدمة .

وفي حديث أبي هريرة وابن عباس : " رأيت موسى وإبراهيم وعيسى " وذكر صفتهم .

قال عياض : رؤيته لهم إن كان مناما فلا إشكال وإن كان يقظة فمشكل ، ويقويه حديث ابن عباس عند البخاري : " وأما موسى فرجل جعد على جمل أحمر مخطوم بحبل كأني أنظر إليه إذ انحدر في الوادي " وأجيب بأن الأنبياء أفضل من الشهداء والشهداء أحياء عند ربهم فكذلك الأنبياء ، فلا يبعد أن يصلوا ويحجوا ويتقربوا إلى الله بما استطاعوا ما دامت الدنيا وهي دار التكليف باقية وبأنه صلى الله عليه وسلم أري حالهم التي [ ص: 447 ] كانوا عليها في حياتهم ، فمثلوا له كيف كانوا وكيف كان حجهم وتلبيتهم ، ولذا قال في رواية لمسلم عن ابن عباس : " كأني أنظر إلى موسى " وبأنه صلى الله عليه وسلم أخبر عما أوحي إليه من أمرهم وما كان منهم ، فلذا أدخل حرف التثنية في رواية وحيث أطلقها فهي محمولة على ذلك .

وجمع البيهقي كتابا لطيفا في حياة الأنبياء وروى فيه بإسناد صحيح عن أنس مرفوعا : " الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون " وأخرج أيضا من رواية محمد بن أبي ليلى عن ثابت عن أنس رفعه : " إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور " ومحمد سيئ الحفظ .

وذكر الغزالي ثم الرافعي حديثا مرفوعا : " أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث " ، ولا أصل له إلا إن أخذ من رواية ابن أبي ليلى ، وليس الأخذ بجيد لأنها قابلة للتأويل ، قال البيهقي : إن صح فالمراد أنهم لا يتركون يصلون إلا هذا القدر ثم يكونون مصلين بين يدي الله فقد ثبتت حياة الأنبياء ، لكن يشكل عليه حديث أبي هريرة رفعه : " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام " أخرجه أبو داود ورجاله ثقات ووجه إشكاله ظاهر لأن عود الروح في الجسد يقتضي انفصالها عنه وهو الموت .

وأجاب العلماء بأن المراد أن روحه كانت سابقة عقب دفنه لأنها تعاد ثم تنزع ثم تعاد سلمنا لكن ليس بنزع موت بل لا مشقة فيه ، وبأن المراد بالروح الملك الموكل بذلك أو النطق ، فتجوز فيه من جهة خطابنا بما نفهمه وبأنه يستغرق في أمور الملأ الأعلى فإذا سلم عليه رجع إليه فهمه ليجيب من يسلم عليه ، وقد أشكل ذلك من جهة أخرى هي استلزام استغراق الزمان كله في ذلك لاتصال الصلاة والسلام عليه في أقطار الأرض ممن لا يحصر كثرة .

وأجيب بأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة . انتهى ملخصا .

وحديث الباب رواه البخاري في اللباس عن عبد الله بن يوسف وفي التعبير عن القعنبي ومسلم في الإيمان عن يحيى ، الثلاثة عن مالك به وتابعه موسى بن عقبة عن نافع بنحوه في الصحيحين ، وله طرق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث