الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة المفهوم إذا خرج مخرج الغالب وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب

( الفرق الثاني والستون بين قاعدة المفهوم إذا خرج مخرج الغالب وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب )

فإنه إن لم يخرج مخرج الغالب كان حجة عند القائلين بالمفهوم وإذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة إجماعا وضابطه أن يكون الوصف الذي وقع به التقييد غالبا على تلك الحقيقة وموجودا معها في أكثر صورها فإذا لم يكن موجودا معها في أكثر صورها فهو المفهوم الذي هو حجة ، وسر الفرق بينهما أن الوصف إذا كان غالبا على الحقيقة يصير بينها وبينه لزوم في الذهن فإذا استحضر المتكلم الحقيقة ليحكم عليها حضر معها ذلك الوصف الغالب ؛ لأنه من لوازمها فإذا حضر في ذهنه نطق به ؛ لأنه حاضر في ذهنه فعبر عن جميع ما وجده في ذهنه لا أنه قصد بالنطق به نفي الحكم عن صورة [ ص: 39 ] عدمه بل الحال تضطره للنطق به أما إذا لم يكن غالبا على الحقيقة لا يلزمها في الذهن فلا يلزم من استحضار الحقيقة المحكوم عليها حضوره فيكون المتكلم حينئذ له غرض في النطق به وإحضاره مع الحقيقة ولم يكن مضطرا لذلك بسبب الحضور في الذهن ، وإذا كان له غرض فيه وسلب الحكم عن المسكوت عنه يصلح أن يكون غرضه فحملناه عليه حتى لا يصرح بخلافه ؛ لأنه المتبادر للذهن من التقييد وهذا هو الفرق بين القاعدتين وسر انعقاد الإجماع على عدم اعتباره وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام من الشافعية رحمه الله يورد على هذا سؤالا فيقول الوصف الغالب أولى أن يكون حجة مما ليس بغالب .

وما انعقد عليه الإجماع يقتضي الحال فيه العكس بسبب أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب وكانت العادة شاهدة بثبوت ذلك الوصف لتلك الحقيقة يكون المتكلم مستغنيا عن ذكره للسامع بدليل أن العادة كافية في إفهام السامع ذلك فلو أخبره بثبوت ذلك الوصف لكان ذلك تحصيلا للحاصل أما إذا لم يكن غالبا فإنه لا دليل على ثبوته لتلك الحقيقة من جهة العادة فيتجه أن المتكلم بخبره به لعدم دليل يدل على ثبوته لتلك الحقيقة وهو حينئذ يفيده فائدة جديدة وغير مفيد له في الوصف الغالب الذي دلت عليه العادة ، وإذا كان في الغالب غير مفيد بإخباره عن ثبوته للحقيقة فيتعين أنه إنما نطق به لقصد آخر غير الإخبار عن ثبوته للحقيقة وهو سلب الحكم عن المسكوت عنه وهذا الغرض لا يتعين إذا لم يكن غالبا ؛ لأنه غرضه حينئذ يكون الإخبار عن ثبوته للحقيقة لا سلب الحكم عن المسكوت عنه فظهر أن الوصف الغالب على الحقيقة أولى أن يكون حجة [ ص: 40 ] وهو سؤال حسن متجه غير أنه عارضنا فيه ما تقدم من تقدير كونه حجة وهو أنه اضطر للنطق به بخلاف غير الغالب وأورد لك ثلاث مسائل توضح لك القاعدتين والفرق بينهما .

( المسألة الأولى ) قوله عليه السلام { في الغنم السائمة الزكاة } أو { زكوا عن الغنم السائمة } استدل به الشافعية على عدم وجوب الزكاة في المعلوفة ولا دليل فيه لوجهين الأول أنه خرج مخرج الغالب فيكون من المفهوم الذي ليس حجة إجماعا ؛ لأن السوم يغلب على الغنم في أقطار الدنيا لا سيما في الحجاز لعزة العلف هنالك والاستدلال بما ليس حجة إجماعا لا يستقيم الثاني أن هذا مفهوم وإن سلم أنه حجة فهو معارض بالمنطوق وهو قوله عليه السلام { في كل أربعين شاة شاة } فهذا الاستدلال باطل .

( المسألة الثانية ) قوله عليه السلام { أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل } مفهومه أنه إذا أذن لها وليها صح نكاحها وهذا المفهوم ملغي بسبب أن الغالب أنها لا تنكح نفسها في مجرى العادة إلا ووليها غير آذن بل غير عالم فصار عدم إذن الولي غالبا في العادة على تزويجها لنفسها فالتقييد به تقييد بما هو غالب فلا يكون حجة .

( المسألة الثالثة ) قوله تعالى { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } ومفهومه أنكم إذا لم تخشوا الإملاق لا يحرم عليكم القتل وهو مفهوم ملغي إجماعا بسبب أنه قد غلب في العادة أن الإنسان لا يقتل ولده إلا لضرورة وأمر قاهر ؛ لأن حنة الأبوة مانعة من قتله فتقييد القتل بخشية الإملاق تقييد له بوصف هو كان الغالب عليهم في القتل في ذلك الوقت فكانوا لا يقتلون إلا خوف الفقر أو الفضيحة في البنات وهو الوأد الذي صرح به في الكتاب العزيز في قوله { وإذا الموءودة سئلت } والوأد الثقل فإنهم كانوا يدفنونهن أحياء فيمتن من غم التراب وثقله ، ومنه قوله تعالى { ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم } أي لا يثقله وعلى هذا القانون اعتبر المفهوم الغالب من غيره

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

[ ص: 33 - 38 ] قال ( الفرق الثاني والستون بين قاعدة المفهوم إذا خرج مخرج الغالب وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب ) فإنه إن لم يخرج مخرج الغالب كان حجة عند القائلين بالمفهوم وإذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة إجماعا وضابطه أن يكون الوصف الذي وقع به التقييد غالبا على تلك الحقيقة موجودا معها في أكثر صورها فإذا لم يكن موجودا معها في أكثر صورها فهو المفهوم الذي هو حجة وسر الفرق بينهما أن الوصف إذا كان غالبا على الحقيقة يصير بينها وبينه لزوم في الذهن فإذا استحضر المتكلم الحقيقة ليحكم عليها حضر معها ذلك الوصف الغالب لأنه من لوازمها فإذا حضر في ذهنه نطق به لأنه حاضر في ذهنه فعبر عن جميع ما وجده في ذهنه لا أنه قصد بالنطق به نفي الحكم عن صورة [ ص: 39 ] عدمه بل الحال تضطره للنطق به أما إذا لم يكن غالبا على الحقيقة لا يلزمها في الذهن فلا يلزم من استحضار حقيقة المحكوم عليها حضوره فيكون المتكلم حينئذ له غرض في النطق به وإحضاره مع الحقيقة ولم يكن مضطرا لذلك بسبب الحضور في الذهن وإذا كان له غرض فيه وسلب الحكم عن المسكوت عنه يصلح أن يكون غرضه فحملناه عليه حتى يصرح بخلافه ؛ لأنه المتبادر للذهن من التقييد وهذا هو الفرق بين القاعدتين وسر انعقاد الإجماع على عدم اعتباره قلت : ما أبعد ما قاله أن يكون سرا وسببا لانعقاد الإجماع فكيف يكون الشارع مضطرا إلى النطق بما لا يقصده ؟ ، هذا محال فإنه إما أن يكون المراد بالشارع الله تعالى فاضطراره إلى أمر ما محال وإما أن يكون المراد بالشارع الرسول صلى الله عليه وسلم فكذلك هو من حيث هو معصوم والحامل على هذا الحال إنما هو القول بالمفهوم والصحيح أنه باطل عند التجرد عن القرائن المفهمة لمقتضاه والله أعلم .

قال ( وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام من الشافعية رحمه الله يورد على هذا سؤالا إلى آخر السؤال ) قلت : السؤال وارد [ ص: 40 ] قال ( وهو سؤال حسن غير أنه عارضنا فيه ما تقدم إلى آخر قوله والفرق بينهما ) قلت : قد سبق ما ورد على دعوى الاضطرار .

قال ( المسألة الأولى ) قوله عليه السلام { في الغنم السائمة الزكاة } إلى آخرها قلت : ما قاله من أنه لا دليل فيه للشافعية لوجهين الأول أنه قد خرج مخرج الغالب قد سبق ما أورده عليه عز الدين وقوله الثاني أنه معارض بالمنطوق وهو قوله صلى الله عليه وسلم { في كل أربعين شاة شاة } لا بأس به .

قال ( المسألة الثانية ) قوله عليه السلام { أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل } إلى آخره قلت : يرد على ما قاله فيها سؤال عز الدين .

قال ( المسألة الثالثة ) قوله تعالى { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } إلى آخرها قلت : إنما ألغي هذا المفهوم لمعارضته الأدلة الدالة على المنع من قتل من لم يجن جناية توجب القتل ولدا كان أو غير ولد .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

[ ص: 54 ] الفرق الثاني والستون بين قاعدة المفهوم إذا خرج مخرج الغالب )

قيل : لا يكون حجة إجماعا وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب قيل : يكون حجة عند القائلين بالمفهوم والصحيح كما في شرح التحرير الأصولي أن الوصف الذي وقع به تقييد الحقيقة إذا خرج مخرج الغالب بأن وجد معها في أكثر صورها كوصف الربائب باللاتي في حجوركم في قوله تعالى { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } وهن جمع ربيبة بنت زوجة الرجل من آخر سميت به ؛ لأنه يربيها غالبا كما يربي ولده ثم اتسع فيه فسميت به وإن لم يربها وإنما لحقته الهاء مع أنه فعيل بمعنى مفعول ؛ لأنه صار اسما فكونهن في حجور أزواج الأمهات هو الغالب من حالهن فوصفهن به لكونه الغالب فلا يدل الكلام المفيد للحكم المتعلق بالحقيقة المقيدة به على نفي الحكم عند عدمه كالكلام المفيد لتحريمهن عليهم على عدم تحريمهن عليهم عند عدم كونهن في حجورهم عند الجمهور لا إجماعا .

فقد روي عن علي رضي الله عنه جعله شرطا حتى إن البعيدة عن الزوج لا تحرم عليه كما نقله ابن عطية وغيره وأسنده إليه ابن أبي حاتم فقال حدثنا أبو زرعة حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف عن ابن جريج قال حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة قال أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان قال كانت عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي فوجدت عليها فلقيني علي بن أبي طالب فقال ما لك فقلت توفيت المرأة فقال علي : هل لها ابنة ؟ فقلت : نعم وهي بالطائف قال : كانت في حجرك ؟ قلت : لا ، قال : فانكحها قلت : فأين قول الله تعالى { وربائبكم اللاتي في حجوركم } قال : إنها لم تكن في حجرك إنما ذلك إذا كانت في حجرك ، قال الحافظ العماد بن كثير : إسناده قوي ثابت إلى علي على شرط مسلم وهو غريب جدا ا هـ بتوضيح وزيادة من العطار . نعم قد يقال المراد إجماع الأربعة الأئمة لا جميع المجتهدين لكن في المحلى على جمع الجوامع .

وقد مشى في النهاية في آية الربيبة على ما نقله عن الشافعي من أن القيد فيها لموافقة الغالب لا مفهوم له بعد أن نقل عن مالك القول بمفهومه ومن أن الربيبة الكبيرة وقت التزوج بأنها لا تحرم على الزوج ؛ لأنها ليست في حجره وتربيته وهذا وإن لم يستمر [ ص: 55 ] عليه مالك فقد نقله الغزالي وغيره كالماوردي وابن الصباغ وغيرهما عن داود كما نقله ابن عطية عن علي كرم الله وجهه ورواه عنه ابن أبي حاتم وغيره ومرجع ما نقل عن داود وعلي رضي الله عنه إلى أن القيد ليس لموافقة الغالب أي بل لنفي الحكم عن المسكوت عنه ا هـ فافهم .

وأورد الإمام ابن عبد السلام أنه كيف يكون لغير الغالب مفهوما دون الغالب والقاعدة تقتضي العكس وهو أنه إذا خرج مخرج الغالب يكون له مفهوم لا إذا لم يكن غالبا ؛ لأن الغالب على الحقيقة تدل العادة على ثبوته لها فالمتكلم يكتفي بدلالتها على ثبوته لها عن ذكره فإنما ذكره ليدل على نفي الحكم عما عداه بانحصار غرضه فيه ، فإذا لم يكن عادة فغرض المتكلم بتلك الصفة إفهام السامع بثبوتها للحقيقة .

وأجاب بأن القول بالمفهوم لخلو القيد عن الفائدة لولاه وهو إذا كان الغالب يفهم من الظن باللفظ أولا لغلبته فذكره بعده يكون تأكيدا لثبوت الحكم للمتصف به وهذه فائدة أمكن اعتبار القيد فيها فلا حاجة إلى المفهوم بخلاف غير الغالب .

وأجاب الأصل بأن الغالب ملازم للحقيقة في الذهن فذكره معها عند الحكم عليها لحضوره في ذهنه ؛ لأنه من لوازمها فيضطره الحال للنطق به لذلك لا لتخصيص الحكم به بخلاف غيره فإنه لا يلزم من استحضار الحقيقة المحكوم عليها حضوره معها فلا يضطره الحال لنطقه به معها فلا بد حينئذ من أن يكون للمتكلم غرض في نطقه به ، وإحضاره مع الحقيقة وسلب الحكم عن صورة عدمه يصلح أن يكون غرضه فيحمل عليه حتى يصرح بخلافه ؛ لأنه المتبادر إلى الذهن من التقييد ، وتعقبه ابن الشاط بأن ما أورده ابن عبد السلام وارد ودعوى الاضطرار باطلة إذ كيف يكون الشارع سواء قلنا الله تعالى أو الرسول صلى الله عليه وسلم مضطرا إلى النطق بما لا يقصده واضطرار الله تعالى إلى أمر ما محال وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث هو معصوم ، والحامل على هذا الحال إنما هو القول بالمفهوم والصحيح أنه باطل عند التجرد عن القرائن المفهمة لمقتضاه .

( قلت ) يعين أن الباطل هو ما للشافعي وأحمد والأشعري والإمام وكثير من القول بمفهوم المخالفة بأقسامه الراجعة إلى مفهوم الصفة كما مر عند التجرد عن القرائن المفهمة لمقتضاه إذا توفرت الشروط لتحققه وهي أمور أحرى [ ص: 56 ] أن لا تظهر أولوية المسكوت عنه في الحكم وإلا استلزم ثبوت الحكم في المسكوت عنه فكان مفهوم موافقة لا مخالفة كتحريم الضرب من قوله تعالى { فلا تقل لهما أف } وتأدية ما دون القنطار من قوله تعالى { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } .

والثاني : أن لا يكون قد خرج مخرج الغالب المعتاد مثل { وربائبكم اللاتي في حجوركم } فإن الغالب كون الربائب في الحجور ومن شأنهن ذلك فقيد به لذلك لا ؛ لأن حكم اللاتي لسن في الحجور بخلافة ومثل قوله تعالى { فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } إذ الخلع غالبا إنما يكون عند خوف أن لا يقوم كل من الزوجين بما أمر الله تعالى فلا يفهم منه أن الخلع لا يجوز عند عدم الخوف ومثل قوله صلى الله عليه وسلم { أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل } إذ المرأة إنما تباشر نكاح نفسها عند منع الولي فلا يفهم منه أنها إذا نكحت نفسها بإذن وليها لم يكن باطلا .

والثالث : أن لا يكون لسؤال سائل عن المذكور ولا لحادثة خاصة بالمذكور مثل أن يسأل هل في الغنم السائمة زكاة فيقول في الغنم السائمة زكاة أو يكون الغرض بيان ذلك له السائمة دون المعلوفة .

والرابع : أن لا يكون هناك تقدير جهالة بحكم المسكوت عنه وإلا ربما ترك التعرض له لعدم العلم بحاله ولا يكون خوف يمنع من ذكره كقول قريب العهد بالإسلام لعبده بحضور المسلمين تصدق بهذا على المسلمين يريد وغيرهم وتركه خوفا من أن يتهم بالنفاق أو غير ذلك مما يقتضي تخصيصه بالذكر كموافقة الواقع في نحو قوله تعالى { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } نزلت كما قال الواحدي وغيره في قوم من المؤمنين والوا اليهود دون المؤمنين .

وأما إذا لم تتوفر هذه الشروط بانتفاء المذكورات بل ثبت واحد منها فلا يستند في العمل إلى المفهوم ضرورة أن هذه المذكورات فوائد ظاهرة والمفهوم فائدة خفيفة فيؤخر عنها ويكون العمل حينئذ على مقتضى الدليل ولو خالف المفهوم ، فإذا دل على إعطاء المسكوت عنه حكم المنطوق به عمل بمقتضاه كما في نحو آيتي الربيبة والموالاة وقول قريب العهد بالإسلام إلخ فإن إرادة قريب العهد وغيرهم كما علمت وتحقق علة حكم المنطوق به في المسكوت عنه في الآيتين من حيث إن الربيبة [ ص: 57 ] حرمت لئلا يقع بينها وبين أمها التباغض لو أبيحت بأن يتزوجها فيوجد نظرا للعادة في مثل ذلك سواء كانت في حجر الزوج أم لا ، ومن حيث إن موالاة المؤمن الكافر حرمت لعداوة الكافر له وهي موجودة سواء والى المؤمن أم لا ، وقد عم من والاه ومن يواليه قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم } إلى قوله والكفار أولياء وقياس المسكوت المشتمل على علة الحكم على المنطوق لا يمتنع ؛ إذ كيف يمتنع وهناك من يقول إن المعروض للصفة ونحوها كالغنم في حديث { في الغنم السائمة زكاة } يعم المسكوت عنه كالمعلوفة في الحديث المذكور بدون قياس ؛ لأن عارضه من الصفة ونحوها بالنسبة إلى المسكوت المشتمل على العلة كأنه لم يذكر .

نعم الحق عدم العموم لا سيما وقد ادعى بعضهم الإجماع عليه وقول إمامنا رحمه الله تعالى بأن المعلوفة فيها الزكاة لم يكن من حيث شمول الغنم للمعلوفة في الحكم كما قيل بل إما لكون حديث { في كل أربعين شاة شاة } منطوقا عارض مفهوم حديث { في الغنم السائمة زكاة } فيقدم عليه كما قالوا بالمنة من قتل من لم يجن جناية توجب القتل ولدا كان أو غير ولد للأدلة الدالة على ذلك المعارضة لمفهوم قوله تعالى { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } لا لكونه غالبا في مجرى العادة في ذلك الوقت فإنهم كانوا لا يقتلون إلا خوف الفقر والفضيحة في البنات وهو الوأد الذي صرح به الله تعالى بقوله في كتابه العزيز { وإذا الموءودة سئلت } والوأد القتل فإنهم كانوا يدفنونهن أحياء فيمتن من غم التراب وثقله ومنه قوله تعالى { ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم } أي لا يثقله وإما لكونه عموما في خصوص عين الغنم فيترجح على حديث في الغنم إلخ ؛ لأنه عموم في خصوص حال الغنم لما مر عن الإمام ابن العربي في كتاب الأحكام من أن حال العين أرجح من حال الحال .

وإذا دل الدليل على إعطاء المسكوت عنه نقيض حكم المنقوض به عمل بمقتضاه كما في نحو الغنم المعلوفة قال الشافعي وأبو حنيفة بعدم الزكاة فيها ؛ لأنه الأصل فتبقى المعلوفة التي لم ينص عليها الأصل كما سيأتي وإذا كان القول بمفهوم المخالفة باطلا كان الصحيح مقابله وهو ما أشار له في جمع الجوامع بقوله وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقا قال المحلي أي لم يقل بشيء من مفاهيم المخالفة وإن قال في المسكوت [ ص: 58 ] بخلاف حكم المنطوق فلأمر آخر كما في انتفاء الزكاة عن المعلوفة ، قال : إن الأصل عدم الزكاة ووردت في السائمة فبقيت المعلوفة على الأصل ا هـ . ومحصله أنه لا يستند في العمل إلى المفهوم ولو توفرت شروط تحققه المذكورة بل إنما يستند إلى القرائن المفهمة لموافقته أو مخالفته لحكم المنطوق مطلقا في كلام الشارع أو كلام الناس .

نعم قال العطار في حاشيته على محلي جمع الجوامع : إن المصنف إنما نقل عن أبي حنيفة لا عن أصحابه فإنهم إنما ينكرون مفهوم المخالفة في كلام الشارع ، أما في كلام الناس فهو حجة عندهم عكس ما لوالد المصنف من إنكاره الكل في غير الشرع من كلام المصنفين والواقفين لغلبة الذهول عليهم بخلافه في الشرع من كلام الله ورسوله المبلغ عنه ؛ لأنه تعالى لا يغيب عنه شيء قال سم : وحاصل كلام والد المصنف أن المفهوم معنى يقصد تبعا للمنطوق فلا يعتبر ممن غلب عليه الذهول ؛ إذ الأمور التابعة إنما يعتد بها ممن قصدها ولاحظها ومن غلب عليه الذهول ولا وثوق بقصده وملاحظته وليس في هذا المعنى توقف الدلالة على الإرادة بل الذي فيه توقف اعتبارها في المعاني التابعة لا مطلقا على من يوثق فيه بإرادته وشتان ما بين المقامين ا هـ .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

ووجه بطلان القول بمفهوم المخالفة عند التجرد عن القرائن المفهمة لمقتضاه إذا توفرت شروط تحققه وإن قالوا إنه المذهب المختار أمران :

أحدهما : أنه داع إلى دعوى الاضطرار إلى النطق بما لا يقصد واضطرار الله تعالى أو الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أمر ما محال كما علمت .

الثاني : أن وجوه الاستدلال عليه ضعيفة .

أما الوجه الأول فإما أن يقرر بأنه لو لم يكن ظاهرا للحصر لزم اشتراك المسكوت عنه للمذكور في الحكم إذ لا واسطة بين الاختصاص والاشتراك فإنه يثبت الحكم في المذكور قطعا فإن لم يثبت في المسكوت عنه فهو الاختصاص وإن ثبت فهو الاشتراك وهذا ترديد بين النفي والإثبات فلا واسطة بينهما واللازم أعني الاشتراك المذكور منتف لاتفاقهم على أنه ليس للاشتراك غايته أنه محتمل وإما أن يقرر بأنه لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص به دون غيره ؛ إذ لا معنى للحصر فيه إلا اختصاصه به دون غيره فإذا لم يحصل لم يحصل واللازم أعني انتفاء إفادته اختصاص الحكم بالمذكور دون غيره منتف للعلم الضروري بأنه يفيد اختصاص الحكم بالمذكور [ ص: 59 ] دون غيره .

وأما ضعفه فمن جهتين الجهة الأولى أنه على التقرير الأول ، والثاني إن أراد باختصاص الحكم بالمذكور دون المسكوت أن الحكم النفسي المعبر عنه بالذكر اللفظي مختص به بمعنى أنا حكمنا على السائمة مثلا ولم نحكم على المعلوفة فلا نزاع فيه وإن أراد أن متعلق الحكم النفسي وهو النسبة الواقعة في نفس الأمر المعبر عنها بالحكم الخارجي مختص بالمذكور بمعنى أن الزكاة واجبة في السائمة ليست بواجبة في المعلوفة فممنوع ؛ إذ غاية الأمر عدم الحكم بالوجوب في المعلوفة وهو لا يستلزم الحكم بعدم الوجوب فيها لجواز أن تثبت نسبته ولا يحكم بثبوتها وحاصله تسليم اختصاص النسبة الذهنية دون الخارجية لكن لا يخفى أن هذا إنما يصح في الإخبار دون الإنشاء إذ ليس لنفسه متعلق هو الخارجي إلا أن يئول بالخبر أو يقال : إن المراد بالمتعلق هاهنا هو طرف الحكم كالسائمة مثلا بناء على أن متعلق الذكر النفسي هو الطرفان ليصح في الإخبار والإنشاء جميعا .

الجهة الثانية : أن هذا الاستدلال بكلا تقريريه كما يجري هنا يجري في اللقب بأن يقال لو لم يكن للحصر لكان للاشتراك واللازم باطل أو يقال لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص وأنه يفيده قطعا مع أن اللقب باطل اتفاقا وأما الوجه الثاني فهو أنه إذا قيل الفقهاء الحنفية فضلاء ولا مقتضى لتخصيص الحنفية بالفضل نفرت الشافعية ولولا فهمهم نفي الفضل عن غيرهم لما نفروا .

وأما ضعفه فبمنع الملازمة بين النفرة وفهمهم نفي الفضل عن غيرهم لجواز أن تكون النفرة إما لتصريح بغيرهم وتركهم على الاحتمال كما ينفر من التقدير في الذكر لاحتمال أن يكون للتفضيل وإن جاز أن يكون لغيره وإما لتوهم المعتقدين لإفادة النفي عن الغير قصد تلك الإفادة في الصورة المذكورة إما بمعنى أنهم نفروا عن أن تذكر عبارة يتوهم منها بعض الناس نفي الفضل عنهم أو بمعنى أن النفرة إنما هو للمعتقدين تلك الإفادة بحسب اعتقادهم وأنه توهم .

وأما الوجه الثالث فهو أنه صلى الله عليه وسلم عقب نزول قوله تعالى { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } قال كما في الحديث الصحيح الذي لا قدح في رواته { لأزيدن على السبعين } وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم فهم من الآية أن ما زاد على السبعين حكمه بخلاف السبعين وذلك مفهوم العدد وكل من قال به قال بمفهوم [ ص: 60 ] الصفة فيثبت مفهوم الصفة .

وأما ضعفه فبمنع فهم ذلك ؛ لأن ذكر السبعين للمبالغة وما زاد على السبعين مثله في الحكم المشترك بين السبعين وما فوقها وهو ما يتبادر إلى الفهم من عدم المغفرة فلا يتبادر من ذكر السبعين أن ما فوقها بخلافها ، وأما قوله عليه الصلاة والسلام { لأزيدن على السبعين } فلعله من جهة علمه أن هذا المعنى المشترك بين السبعين وما فوقها غير مراد في هذا المقام بخصوصه لا من جهة فهمه من هذا الكلام ولو سلم أنه فهمه من هذا الكلام فيجوز أن لا يكون من التقييد بالعدد بل من جهة أن الأصل قبول استغفار النبي عليه الصلاة والسلام وقد تحقق النفي في السبعين فبقي ما فوقها على الأصل .

وأما الوجه الرابع فهو أن يعلى بن أمية وعمر بن الخطاب فهما من قوله تعالى { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم } حيث قيد قصر الصلاة بحال الخوف أن عدم قصرها عند عدم الخوف { وأقر الرسول عليه الصلاة والسلام عمر عليه فقال يعلى لعمر ما بالنا نقصر وقد أمنا وقد قال الله تعالى { فليس عليكم جناح } إلخ فقال عمر رضي الله عنه عجبت مما عجبت منه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته } إذ لولا إفادة تقييد القصر بالخوف في الآية لعدمه عند عدمه لغة ما فهماه ولما أقره الرسول عليه الصلاة والسلام .

وأما ضعفه فبمنع فهمها منه لجواز أنهما حكما بذلك باستصحاب الحال في وجوب إتمام الصلاة من حيث إنه الأصل وخولف في الخوف بالآية ، ولذا ذكروا الآية عند التعجب يعنون أن القصر حال الخوف إنما يثبت بالآية فما بال حال الأمن لم يبق على ما هو الأصل من الإتمام بحيث لا يعدل عنه فيه إلا لدليل ولا دليل وإذا جاز ذلك لم يتعين أن يكون الفهم منه فلا تقوم به حجة فيه واعلم أن هذا مفهوم الشرط لا الصفة ولعل الغرض منه إلزام من لا يفصل بينهما .

وأما الوجه الخامس فهو أن إفادته لتخصيص تفضي إلى تكثير الفائدة فإن إثبات المذكور ونفي غيره أكثر فائدة من إثبات المذكور وحده وكثرة فائدته ترجح المصير إليه ؛ لأنه ملائم لغرض العقلاء وأما ضعفه فمن جهة أن هذا لا يلزم إلا القائلين بأن تكثير الفائدة دال على الوضع كعباد الصيمري والجمهور على أن الدال على الوضع إنما هو النقل تواترا أو آحادا كما تقرر في [ ص: 61 ] محله وعليه فلا يلزم ذلك على أن دلالته على النفي عن الغير على القول بأن الدال على الوضع تكثير الفائدة تتوقف على تكثير الفائدة إذ به تثبت وتكثير الفائدة إنما يحصل بدلالته على النفي على الغير وذلك دور ظاهر . نعم قد يقال : إن ما تتوقف عليه الدلالة تعقل كثرة الفائدة لا حصولها والموقوف على الدلالة حصول كثرة الفائدة لا تعقلها .

وأما الوجه السادس فهو أنه لو لم يكن المسكوت عنه مخالفا للمذكور في الحكم ففي نحو قوله صلى الله عليه وسلم { طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا إحداهن بالتراب } يلزم أن لا تكون السبع مطهرة ؛ لأن الطهارة إذا حصلت بدون السبع فلا تحصل بالسبع ؛ لأنه تحصيل الحاصل وأنه محال وكذلك في قوله عليه السلام { خمس رضعات يحرمن } يلزم أن لا يكون الخمس محرمة ؛ لأن الحرمة تحصل بدون الخمس فلا تحصل بالخمس ؛ لأنه تحصيل الحاصل وأنه محال .

وأما ضعفه فبأنه لا يلزم من عدم دلالة السبع على نفي الطهارة فيما دونها حصول الطهارة قبل السابعة ولا من عدم دلالة الخمس على نفي تحريم المرضعة حصول التحريم قبل الخمس لجواز أن يثبت التحريم وأن تثبت النجاسة بدليل آخر .

أما في الرضاع فظاهر بناء على أن الأصل عدم التحريم ، وأما في الإناء فلأنه وإن كان الأصل الطهارة ما لم يظهر دليل النجاسة والأصل عدمه إلا أن الإجماع على التنجس قائم هنا بوجود النجس وهو دليل قاطع فإذا لم يدل العدد على النفي فيما دونه بقي ما كان ثابتا من النجاسة وعدم التحريم حتى يظهر الدليل كذا في شرح العضد على مختصر ابن الحاجب وحاشية السعد عليه ولا يخفاك أن بطلان القول بمفهوم المخالفة لا ينتجه واحد من الأمرين المذكورين .

أما الأول فلأنا لا نسلم أن القول بالمفهوم في غير الغالب لا في الغالب داع إلى الاضطرار المذكور في الغالب دون غيره كما قال الأصل بذلك في بيان سر الفرق بينهما ودفع ما أورده ابن عبد السلام لجواز أن يكون سر الفرق بينهما غير ذلك وهو ما مر عن عبد السلام في جوابه عما أورده من أن التقييد بالغالب لما كانت فائدته هي التأكيد لثبوت الحكم للمتصف به ؛ لأنه لغلبته على الحقيقة يفهم من النطق بلفظها أولا لم يحتج فيه إلى المفهوم ضرورة أن فائدة التأكيد فيه ظاهرة والمفهوم فائدة خفية ؛ لأن استفادته بواسطة أن التخصيص بالذكر لا بد له من فائدة وغير [ ص: 62 ] التخصيص بالحكم منتف فتعين التخصيص بخلاف غير الغالب فإنه لما لم يظهر للتقييد به فائدة غير التخصيص تعين فيه التخصيص ومن هنا يندفع قول إمام الحرمين أن المفهوم من مقتضيات اللفظ فلا تسقطه موافقة الغالب بل قال زكريا : للشافعي رضي الله عنه في الرسالة كلام آخر يندفع به أيضا توجيه إمام الحرمين لما نفاه مخالفا للشافعي بما ذكر وحاصله أنه إذا ظهر لتخصيص المنطوق فائدة غير نفي الحكم بطريق الاحتمال إلى المفهوم فيصير الكلام مجملا حتى لا يقضي فيه بموافقة أو مخالفة ا هـ فافهم .

وأما الثاني فلأن ضعف دليل الشيء لا يقتضي بطلانه على أن وجوه الاستدلال على القول بإنكار المفهوم مطلقا قد ضعفت أيضا فما وجه إبطال مقابله دونه ، أما الوجه الأول فهو أنه لو ثبت المفهوم لثبت بدليل ولا دليل ؛ لأنه إما عقلي ولا مدخل له في مثله وإما نقلي إما متواتر فكان يجب أن لا يختلف فيه وإما آحاد وأنه لا يفيد في مثله .

وأما ضعفه فيمنع اشتراط التواتر وعدم إفادة الآحاد في مثله وإلا امتنع العمل بأكثر أدلة الأحكام لعدم التواتر في مفرداتها وأيضا فإنا نقطع أن العلماء في الأعصار والأمصار كانوا يكتفون في فهم معاني الألفاظ بالآحاد كنقلهم عن الأصمعي والخليل وأبي عبيد وسيبويه .

وأما الوجه الثاني فهو أنه لو ثبت المفهوم للزم ثبوته في الخبر لأن الذي به ثبت في الأمر وهو الحذر من عدم الفائدة قائم في الخبر والعلة تدور مع المعلول وجودا وعدما واللازم وهو ثبوته في الخبر باطل ؛ لأنه لو قال في الشام الغنم السائمة لم يدل على عدم المعلوفة بها وهو معلوم من اللغة والعرف قطعا .

وأما ضعفه فيمنع انتفاء اللازم لقول السعد الحق عدم التفرقة بين الخبر والإنشاء كما في قولنا الفقهاء الحنفية أئمة فضلاء ومطل الغني ظلم عند قصد الإخبار إلى غير ذلك من المواضع ونفي المفهوم في بعض المواضع بمعونة القرائن كما في قولنا في الشام الغنم السائمة لا ينافي ذلك .

وأما الوجه الثالث فهو أنه لو صح القول بالمفهوم للزم أن لا يصح أن يقال أد زكاة الغنم السائمة والمعلوفة مجتمعا أو أد زكاة الغنم السائمة أد زكاة الغنم المعلوفة متفرقا وتحقق التخصيص بالصفة في صورة الاجتماع من حيث إن الحكم علق بالسائمة تارة بالمعلوفة أخرى أما أولا فلأن وزان قولك في مفهوم المخالفة أد زكاة الغنم السائمة والمعلوفة مجتمعا أو متفرقا وزان قولك في مفهوم [ ص: 63 ] الموافقة لا تقل له أف واضربه في منافاة المفهوم للمنطوق فكما لا يجوز بلا شك أن يقال لا تقل له أف واضربه ؛ لأن مفهوم لا تقل له أف وهو حرمة الضرب يناقض منطوق اضربه وهو جواز الضرب ومفهوم اضربه وهو جواز أن يقال له أف يناقض منطوق لا تقل له أف وهو حرمة أن يقال له أف كذلك لا يجوز أن يقال أد زكاة الغنم السائمة والمعلوفة مجتمعا أو متفرقا .

وأما ثانيا فلأن المنطوقين مع المفهومين متعارضان والمنطوق أقوى من المفهوم فيندفع المفهومان فلا يبقى لذكر القيدين فائدة إذ فائدة التقييد المفهومة ويكون بمثابة قولك أد زكاة الغنم فيضيع ذكر السائمة والمعلوفة بخصوصهما واللازم أعني صحة أن يقال أد زكاة الغنم السائمة والمعلوفة مجتمعا أو متفرقا ظاهر البطلان .

وأما ضعفه فيمنع الملازمة بوجوه :

أحدها أن دلالة مفهوم الموافقة على ثبوت الحكم للمسكوت عنه قطعية ودلالة مفهوم المخالفة على نفي الحكم عن المسكوت عنه ظنية .

وثانيها : أنه لا تناقض في الظواهر مع إمكان الصرف عن معانيها لدليل ودفع التناقض أقوى دليل عليه .

وثالثها : أن الفائدة في ذكر القيدين السائمة والمعلوفة عدم تخصيص أحدهما عن العام فإن العام ظاهر في تناول الخاصين ويمكن إخراج أحدهما عنه تخصيصا له ، إذا ذكرهما بالنصوصية لم يمكن ذلك .

وأما الوجه الرابع فهو أنه لو ثبت المفهوم للزم أن لا يثبت خلافه إذا لو ثبت خلافه مع ثبوته لثبت التعارض بين دليل المفهوم ودليل خلافه والأصل عدم التعارض واللازم أعني عدم ثبوت خلاف المفهوم منتف ؛ لأن خلاف المفهوم قد ثبت في نحو { لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } فإن قوله أضعافا مضاعفة في معنى الوصف ومفهومه عدم النهي عن القليل منه وقد تحقق التحريم في القليل مع انتفاء الوصف كما تحقق في الكثير لتحقق الوصف .

وأما ضعفه فبوجهين :

أحدهما منع الملازمة في أصل الدليل لجواز أن يكون المفهوم حقا وثبت خلافه أحيانا بناء على دليل قطعي لا يعارضه دليل المفهوم لكونه ظنيا .

وثانيهما : منع انتفاء اللازم لجواز أن يثبت التعارض لقيام دليل عليه وإن كان الأصل عدمه ، ألا ترى أن الأصل البراءة ويخالفها بالدليل وهو أكثر من أن يحصى ا هـ ملخصا من العضد والسعد بزيادة من المحلي والعطار فتأمل بإنصاف والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث