الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ووصينا الإنسان بوالديه حسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا

تطلب بعض المفسرين وجه مناسبة وقوع هذه الآية عقب التي قبلها ، وذكر القرطبي عن القشيري أن وجه اتصال الكلام بعضه ببعض أن المقصود بيان أنه لا يبعد أن يستجيب بعض الناس للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ويكفر به بعضهم كما اختلف حال الناس مع الوالدين . وقال ابن عساكر : لما ذكر الله التوحيد والاستقامة عطف الوصية بالوالدين كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن . وكلا هذين القولين غير مقنع في وجه الاتصال .

ووجه الاتصال عندي أن هذا الانتقال إلى قول آخر من أقوال المشركين وهو كلامهم في إنكار البعث وجدالهم فيه فإن ذلك من أصول كفرهم بمحل القصد ، من هذه الآيات قوله والذي قال لوالديه أف لكما إلى قوله خاسرين .

وصيغ هذا في أسلوب قصة جدال بين والدين مؤمنين وولد كافر ، وقصة جدال بين ولد مؤمن ووالدين كافرين لأن لذلك الأسلوب وقعا في أنفس السامعين مع ما روي إن ذلك إشارة إلى جدال جرى بين عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قبل إسلامه وبين والديه كما سيأتي . ولذلك تعين أن يكون ما قبله توطئة وتمهيدا لذكر هذا الجدال .

وقد روى الواحدي عن ابن عباس أن قوله ووصينا الإنسان بوالديه حسنا إلى قوله يوعدون نزل في أبي بكر الصديق . وقال ابن عطية وغير واحد : نزلت في [ ص: 29 ] أبي بكر وأبيه أبي قحافة وأمه أم الخير أسلم أبواه جميعا .

وقد تكررت الوصاية ببر الوالدين في القرآن وحرض عليها النبيء - صلى الله عليه وسلم - في مواطن عديدة فكان البر بالوالدين أجلى مظهرا في هذه الأمة منه في غيرها وكان من بركات أهلها بحيث لم يبلغ بر الوالدين مبلغا في أمة مبلغه في المسلمين .

وتقدم ووصينا الإنسان بوالديه حسنا في سورة العنكبوت .

والمراد بالإنسان الجنس ، أي وصينا الناس وهو مراد به خصوص الناس الذين جاءتهم الرسل بوصايا الله والذين آمنوا وعملوا الصالحات وذلك هو المناسب لقوله في آخرها ( أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ) الآية .

وكذلك هو فيما ورد من الآيات في هذا الغرض كما في سورة العنكبوت وفي سورة لقمان بصيغة واحدة .

والحسن : مصدر حسن ، أي وصيناه بحسن المعاملة . وقرأه الجمهور كذلك . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف ( إحسانا ) . والنصب على القراءتين إما بنزع الخافض وهو الباء وإما بتضمين وصينا معنى : ألزمنا .

والكره : بفتح الكاف وبضمها مصدر أكره ، إذا امتعض من شيء ، أي كان حمله مكروها له ، أي حالة حمله وولادته لذلك .

وقرأ الجمهور " كرها " في الموضعين بفتح الكاف . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر ويعقوب بضم الكاف في الموضعين . وانتصب " كرها " على الحال ، أي كارهة أو ذات كره .

والمعنى : أنها حملته في بطنها متعبة من حمله تعبا يجعلها كارهة لأحوال ذلك الحمل .

ووضعته بأوجاع وآلام جعلتها كارهة لوضعه . وفي ذلك الحمل والوضع فائدة له هي فائدة وجوده الذي هو كمال حال الممكن وما ترتب على وجوده من الإيمان والعمل الصالح الذي به حصول النعم الخالدة .

وأشير إلى ما بعد الحمل من إرضاعه الذي به علاج حياته ودفع ألم الجوع عنه [ ص: 30 ] وهو عمل شاق لأمه فذكرت مدة الحمل والإرضاع لأنها لطولها تستدعي صبر الأم على تحمل كلفة الجنين والرضيع .

والفصال : الفطام ، وذكر الفصال لأنه انتهاء مدة الرضاع فذكر مبدأ مدة الحمل بقوله " وحمله " وانتهاء الرضاع بقوله " وفصاله " . والمعنى : وحمله وفصاله بينهما ثلاثون شهرا .

وقرأ يعقوب " وفصله " بسكون الصاد ، أي فصله عن الرضاعة بقرينة المقام .

ومن بديع معنى الآية جمع مدة الحمل إلى الفصال في ثلاثين شهرا لتطابق مختلف مدد الحمل إذ قد يكون الحمل ستة أشهر وسبعة أشهر وثمانية أشهر وتسعة وهو الغالب ، قيل : كانوا إذا كان حمل المرأة تسعة أشهر وهو الغالب أرضعت المولود أحد وعشرين شهرا ، وإذا كان الحمل ثمانية أشهر أرضعت اثنين وعشرين شهرا ، وإذا كان الحمل سبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهرا ، وإذا كان الحمل ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا ، وذلك أقصى أمد الإرضاع فعوضوا عن نقص كل شهر من مدة الحمل شهرا زائدا في الإرضاع لأن نقصان مدة الحمل يؤثر في الطفل هزالا .

ومن بديع هذا الطي في الآية أنها صالحة للدلالة على أن مدة الحمل قد تكون دون تسعة أشهر ولولا أنها تكون دون تسعة أشهر لحددته بتسعة أشهر لأن الغرض إظهار حق الأم في البر بما تحملته من مشقة الحمل فإن مشقة مدة الحمل أشد من مشقة الإرضاع فلولا قصد الإيماء إلى هذه الدلالة لكان التحديد بتسعة أشهر أجدر بالمقام .

وقد جعل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - هذه الآية مع آية سورة البقرة والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين دليلا على أن الوضع قد يكون لستة أشهر ، ونسب مثله إلى ابن عباس . ورووا عن معمر بن عبد الله الجهني قال : تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت لتمام ستة أشهر فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان فذكر له فبعث إليها عثمان ، فلما أتي بها أمر برجمها فبلغ ذلك عليا [ ص: 31 ] فأتاه فقال : أما تقرأ القرآن قال : بلى . أما سمعت قوله وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ، وقال حولين كاملين فلم نجده بقي إلا ستة أشهر . فرجع عثمان إلى ذلك وهو استدلال بني على اعتبار أن شمول الصور النادرة التي يحتملها لفظ القرآن هو اللائق بكلام علام الغيوب الذي أنزله تبيانا لكل شيء من مثل هذا .

وتقدم الكلام على أحكام الحمل في سورة البقرة .

التالي السابق


الخدمات العلمية