الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات

فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم

فرع على جميع ما ذكر من حال المؤمنين وحال الكافرين ومن عواقب ذلك ووعده أو وعيده أن أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالثبات على ما له من العلم بوحدانية الله وعلى ما هو دأبه من التواضع لله بالاستغفار لذنبه ومن الحرص على نجاة المؤمنين بالاستغفار لهم لأن في ذلك العلم وذلك الدأب استمطار الخيرات له ولأمته [ ص: 105 ] والتفريع هذا مزيد مناسبة لقوله آنفا ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم الآية .

فالأمر في قوله ( فاعلم ) كناية عن طلب العلم وهو العمل بالمعلوم ، وذلك مستعمل في طلب الدوام عليه لأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قد علم ذلك وعلمه المؤمنون ، وإذا حصل العلم بذلك مرة واحدة تقرر في النفس لأن العلم لا يحتمل النقيض فليس الأمر به بعد حصوله لطلب تحصيله بل لطلب الثبات فهو على نحو قوله - تعالى - يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله .

وأما الأمر في قوله واستغفر لذنبك فهو لطلب تجديد ذلك إن كان قد علمه النبيء - صلى الله عليه وسلم - من قبل وعمله ، أو هو لطلب تحصيله إن لم يكن فعله من قبل .

وذكر " المؤمنات " بعد " المؤمنين " اهتمام بهن في هذا المقام وإلا فإن الغالب اكتفاء القرآن بذكر المؤمنين وشموله للمؤمنات على طريقة التغليب للعلم بعموم تكاليف الشريعة للرجال والنساء إلا ما استثني من التكاليف .

ومن اللطائف القرآنية أن أمر هنا بالعلم قبل الأمر بالعمل في قوله واستغفر لذنبك . قال ابن عيينة لما سئل عن فضل العلم : ألم تسمع قوله حين بدأ به فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك . وترجم البخاري في كتاب العلم من صحيحه باب العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله فبدأ بالعلم .

وما يستغفر منه النبيء - صلى الله عليه وسلم - ليس من السيئات لعصمته منها ، وإنما هو استغفار من الغفلات ونحوها ، وتسميته بالذنب في الآية إما محاكاة لما كان يكثر النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن يقوله اللهم اغفر لي خطيئتي وإنما كان يقوله في مقام التواضع ، وإما إطلاق لاسم الذنب على ما يفوت من الازدياد في العبادة مثل أوقات النوم والأكل ، وإطلاقه على ما عناه النبيء - صلى الله عليه وسلم - في قوله : إنه ليغان على قلبي وإني أستغفر الله في اليوم مائة مرة .

[ ص: 106 ] واللام في قوله " لذنبك " لام التعيين بينت مفعولا ثانيا لفعل " استغفر " واللام في قوله " وللمؤمنين " لام العلة ، أو بمعنى ( عن ) والمفعول محذوف ، أي استغفر الذنوب لأجل المؤمنين ، وفي الكلام حذف ، تقديره : وللمؤمنين لذنوبهم .

وجملة والله يعلم متقلبكم ومثواكم تذييل جامع لأحوال ما تقدم . فالمتقلب : مصدر بمعنى التقلب ، أوثر جلبه هنا لمزاوجة قوله ومثواكم . والتقلب : العمل المختلف ظاهرا كان كالصلاة ، أو باطنا كالإيمان والنصح .

والمثوى : المرجع والمآل ، أي يعلم الله أحوالكم جميعا من مؤمنين وكافرين ، وقدر لها جزاءها على حسب علمه بمراتبها ويعلم مصائركم وإنما أمركم ونهاكم وأمركم بالاستغفار خاصة لإجراء أحكام الأسباب على مسبباتها فلا تيأسوا ولا تهملوا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث