الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في جواز تشميس دود القز

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : في جواز تشميس دود القز ، وأنه من أعجب المخلوقات وبيان تربيته واستخراج الحرير منه :

وقد جوز الأصحاب تشميس قزهم وتدخين زنبور وشيا بموقد ( وقد جوز الأصحاب ) من أئمة المذهب المعتد بأقوالهم ، والمعول على نقلهم واستدلالهم ( تشميس قزهم ) أي الإبريسم : قال علي بن سعيد : سألت الإمام أحمد رضي الله عنه عن تشميس القز يموت الدود فيه قال ولم يفعل ذلك ؟ قلت يجف القز ، وإن تركه كان في ذلك ضرر كثير قال : إذا لم يجدوا منه بدا ولم يريدوا بذلك أن يعذبوا بالشمس فليس به بأس ، وإنما أسند الناظم جواز ذلك للأصحاب مع أنه منصوص الإمام رضي الله عنه لضيق النظم ولأن ما أسند إليهم يكون مسندا إليه ، فإنهم إنما يستمدون من أقواله وأفعاله صريحا أو تلويحا ، أو قياسا على كلامه كما هو مقرر .

واعلم أن دودة القز يقال لها الدودة الهندية ، وهي من أعجب المخلوقات وذلك أنه يكون أولا بزرا في قدر حب التين ، ثم يخرج منه عند استقبال فصل الربيع ويكون عند الخروج أصغر من الذرة في لونه ويخرج في الأماكن الدفئة من غير حضن إذا كان مصرورا في حق ، وربما تأخر خروجه فتجعله النساء تحت ثديهن وإبطهن وغذاؤه ورق التوت الأبيض ولا يزال يكبر ويعظم إلى أن يصير في قدر الإصبع وينتقل من السواد إلى البياض أولا فأولا ، وكل ذلك في مدة ستين يوما في الأكثر ، ثم يأخذ في النسج على نفسه بما يخرجه من فيه إلى أن ينفد ما في جوفه منه ويكمل عليه ما يبنيه فيكون كهيئة الجوزة فيبقى فيه محبوسا قريبا من عشرة أيام ، ثم ينقب على نفسه تلك الجوزة ويخرج [ ص: 62 ] منها فراشا أبيض له جناحان لا يسكنان من الاضطراب وعند خروجه يهيج إلى السفاد فيلصق الذكر ذنبه بذنب الأنثى ويلتحمان مدة ، ثم يفترقان وتبرز الأنثى البزر الذي تقدم ذكره على خرق بيض تفرش له قصدا إلى أن ينفد ما فيها منه ، ثم يموتان . هذا إذا أريد منهما البزر ، وأما إذا أريد الحرير ترك في الشمس بعد فراغه من النسج بعشرة أيام يوما أو بعض يوم فيموت .

وفيه من أسرار الطبيعة أنه يهلك من صوت الرعد وضرب الطست ، والهاون ومن شم الخل والدخان ومس الحائض ، والجنب ويخشى عليه من الفأر ، والعصفور والنمل ، والوزغ وكثرة الحر ، والبرد .

قال في قوت القلوب : مثل بعض الحكماء ابن آدم بدودة القز لا يزال ينسج على نفسه بجهله حتى لا يكون له مخلص فيقتل نفسه ويصير القز لغيره وربما قتلوه إذا فرغ من نسجه ; لأن القز يلتف عليه فيروم الخروج فيشمس وربما غمز بالأيدي حتى يموت لئلا يقطع القز وليخرج القز صحيحا فهذه صورة المكتسب الجاهل الذي أهلكه أهله وماله فتنعم ورثته بما شقي هو به ، فإن أطاعوا به كان أجره لهم وحسابه عليه ، وإن عصوا به كان شريكهم في المعصية ; لأنه سبب في ارتكابهم لها به فلا يدرى أي الحسرتين عليه أعظم : إذهابه عمره لغيره ، أو نظره لما له في ميزان غيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث