الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " وهو الذي مرج البحرين "

القول في تأويل قوله تعالى : ( وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ( 53 ) )

يقول تعالى ذكره : والله الذي خلط البحرين ، فأمرج أحدهما في الآخر ، وأفاضه فيه . وأصل المرج الخلط ، ثم يقال للتخلية مرج ; لأن الرجل إذا خلى الشيء حتى اختلط بغيره ، فكأنه قد مرجه ، ومنه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله لعبد الله بن عمرو : " كيف بك يا عبد الله إذا كنت في حثالة من الناس ، قد مرجت عهودهم وأماناتهم ، وصاروا هكذا وشبك بين أصابعه . يعني بقوله : قد مرجت : اختلطت ، ومنه قول الله : ( في أمر مريج ) أي مختلط . وإنما قيل للمرج مرج من ذلك ، لأنه يكون فيه أخلاط من الدواب ، ويقال : مرجت دابتك : أي خليتها تذهب حيث شاءت . ومنه قول الراجز :


رعى بها مرج ربيع ممرج



وبنحو ما قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل .

[ ص: 282 ] ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( وهو الذي مرج البحرين ) يعني أنه خلع أحدهما على الآخر .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ( مرج البحرين ) أفاض أحدهما على الآخر .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( وهو الذي مرج البحرين ) يقول : خلع أحدهما على الآخر .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو تميلة ، عن أبي حمزة ، عن جابر ، عن مجاهد ( مرج ) أفاض أحدهما على الآخر .

وقوله ( هذا عذب فرات ) الفرات : شديد العذوبة ، يقال : هذا ماء فرات : أي شديد العذوبة وقوله ( وهذا ملح أجاج ) يقول : وهذا ملح مر ، يعني بالعذب الفرات : مياه الأنهار والأمطار ، وبالملح الأجاج : مياه البحار .

وإنما عنى بذلك أنه من نعمته على خلقه ، وعظيم سلطانه ، يخلط ماء البحر العذب بماء البحر الملح الأجاج ، ثم يمنع الملح من تغيير العذب عن عذوبته ، وإفساده إياه بقضائه وقدرته ، لئلا يضر إفساده إياه بركبان الملح منهما ، فلا يجدوا ماء يشربونه عند حاجتهم إلى الماء ، فقال جل ثناؤه : ( وجعل بينهما برزخا ) يعني حاجزا يمنع كل واحد منهما من إفساد الآخر ( وحجرا محجورا ) يقول : وجعل كل واحد منهما حراما محرما على صاحبه أن يغيره ويفسده .

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك ، قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ) يعني أنه خلع أحدهما [ ص: 283 ] على الآخر ، فليس يفسد العذب المالح ، وليس يفسد المالح العذب ، وقوله : ( وجعل بينهما برزخا ) قال : البرزخ : الأرض بينهما ( وحجرا محجورا ) يعني : حجر أحدهما على الآخر بأمره وقضائه ، وهو مثل قوله ( وجعل بين البحرين حاجزا ) .

وحدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( وجعل بينهما برزخا ) قال : محبسا ، قوله : ( وحجرا محجورا ) قال : لا يختلط البحر بالعذب .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ( وجعل بينهما برزخا ) قال : حاجزا لا يراه أحد ، لا يختلط العذب في البحر . قال ابن جريج : فلم أجد بحرا عذبا إلا الأنهار العذاب ، فإن دجلة تقع في البحر ، فأخبرني الخبير بها أنها تقع في البحر ، فلا تمور فيه بينهما مثل الخيط الأبيض ، فإذا رجعت لم ترجع في طريقها من البحر ، والنيل يصب في البحر .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني أبو تميلة ، عن أبي حمزة ، عن جابر ، عن مجاهد ( وجعل بينهما برزخا ) قال : البرزخ أنهما يلتقيان فلا يختلطان ، وقوله ( حجرا محجورا ) : أي لا تختلط ملوحة هذا بعذوبة هذا ، لا يبغي أحدهما على الآخر .

حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن رجاء ، عن الحسن ، في قوله : ( وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ) قال : هذا اليبس .

حدثنا الحسن ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : ( وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ) قال : جعل هذا ملحا أجاجا ، قال : والأجاج : المر .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول : ( مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ) يقول : خلع أحدهما على الآخر ، فلا يغير أحدهما طعم الآخر ( وجعل بينهما برزخا ) هو الأجل ما بين الدنيا والآخرة ( وحجرا محجورا ) جعل الله بين البحرين حجرا ، يقول : حاجزا حجز أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : [ ص: 284 ] ( وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ) وجعل بينهما سترا لا يلتقيان . قال : والعرب إذا كلم أحدهم الآخر بما يكره قال حجرا ، قال : سترا دون الذي تقول .

قال أبو جعفر : وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في معنى قوله : ( وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ) دون القول الذي قاله من قال معناه : إنه جعل بينهما حاجزا من الأرض أو من اليبس ، لأن الله تعالى ذكره أخبر في أول الآية أنه مرج البحرين ، والمرج : هو الخلط في كلام العرب على ما بينت قبل ، فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين ، والملح الأجاج أرضا أو يبسا لم يكن هناك مرج للبحرين ، وقد أخبر جل ثناؤه أنه مرجهما ، وإنما عرفنا قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات ، مع اختلاط كل واحد منهما بصاحبه . فأما إذا كان كل واحد منهما في حيز عن حيز صاحبه ، فليس هناك مرج ، ولا هناك من الأعجوبة ما ينبه عليه أهل الجهل به من الناس ، ويذكرون به ، وإن كان كل ما ابتدعه ربنا عجيبا ، وفيه أعظم العبر والمواعظ والحجج البوالغ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث