الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم

يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم

اعتراض بين جملة إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول ، وبين جملة إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار وجه به [ ص: 127 ] الخطاب إلى المؤمنين بالأمر بطاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وتجنب ما يبطل الأعمال الصالحة اعتبارا بما حكي من حال المشركين في الصد عن سبيل الله ومشاقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .

فوصف الإيمان في قوله يا أيها الذين آمنوا مقابل وصف الكفر في قوله إن الذين كفروا ، وطاعة الله مقابل الصد عن سبيل الله ، وطاعة الرسول ضد مشاقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، والنهي عن إبطال الأعمال ضد بطلان أعمال الذين كفروا .

فطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - التي أمروا بها هي امتثال ما أمر به ونهى عنه من أحكام الدين . وأما ما ليس داخلا تحت التشريع فطاعة أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه طاعة انتصاح وأدب ، ألا ترى أن بريرة لم تطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مراجعة زوجها مغيث لما علمت أن أمره إياها ليس بعزم .

والإبطال : جعل الشيء باطلا ، أي لا فائدة منه ، فالإبطال تتصف به الأشياء الموجودة .

ومعنى النهي عن إبطالهم الأعمال : النهي عن أسباب إبطالها ، فهذا مهيع قوله ولا تبطلوا أعمالكم . وتسمح محامله بأن يشمل النهي والتحذير عن كل ما بين الدين أنه مبطل للعمل كلا أو بعضا مثل الردة ومثل الرياء في العمل الصالح فإنه يبطل ثوابه . وهو عن ابن عباس قال - تعالى - يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى . وكان بعض السلف يخشى أن يكون ارتكاب الفواحش مبطلا لثواب الأعمال الصالحة ويحمل هذه الآية على ذلك ، وقد قالت عائشة لما بلغها أن زيد بن أرقم عقد عقدا تراه عائشة حراما أخبروا زيدا أنه أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لم يترك فعله هذا ولعلها أرادت بذلك التحذير وإلا فما وجه تخصيص الإحباط بجهاده وإنما علمت أنه كان أنفس عمل عنده .

وعن الحسن البصري والزهري لا تبطلوا أعمالكم بالمعاصي الكبائر .

ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب : أن زيد بن أرقم قال غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع عشرة غزوة وغزوت منها معه سبع عشرة غزوة .

وهذه كلها من مختلف الأفهام في المعني بإبطال الأعمال وما يبطلها وأحسن [ ص: 128 ] أقوال السلف في ذلك ما روي عن ابن عمر قال كنا نرى أنه ليس شيء من حسناتنا إلا مقبولا حتى نزل ولا تبطلوا أعمالكم ، فقلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا : الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فكففنا عن القول في ذلك وكنا نخاف على من أصاب الكبائر ونرجو لمن لم يصبها ا هـ . فأبان أن ذلك محامل محتملة لا جزم فيها .

وعن مقاتل لا تبطلوا أعمالكم بالمن وقال : هذا خطاب لقوم من بني أسد أسلموا وقالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد آثرناك وجئناك بنفوسنا وأهلنا ، يمنون عليه بذلك فنزلت فيهم هذه الآية ونزل فيهم أيضا قوله - تعالى - يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم .

وهذه محامل ناشئة عن الرأي والتوقع ، والذي جاء به القرآن وبينته السنة الصحيحة أن الحسنات يذهبن السيئات ولم يجئ : أن السيئات يذهبن الحسنات ، وقال إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما .

وتمسك المعتزلة بهاته الآية فزعموا أن الكبائر تحبط الطاعات .

ومن العجب أنهم ينفون عن الله الظلم ولا يسلمون ظاهر قوله لا يسأل عما يفعل ، ومع ذلك يجعلون الله يبطل الحسنات إذا ارتكب صاحبها سيئة .

ونحن نرى أن كل ذلك مسطور في صحف الحسنات والسيئات وأن الحسنة مضاعفة والسيئة بمقدارها . وهذا أصل تواتر معناه في الكتاب وصحيح الآثار ، فكيف ينبذ بالقيل والقال من أهل الأخبار ؟

وحمل بعض علمائنا قوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم على معنى النهي عن قطع العمل المتقرب به إلى الله تعالى . وإطلاق الإبطال على القطع وعدم الإتمام يشبه أنه مجاز ، أي لا تتركوا العمل الصالح بعد الشروع فيه ، فأخذوا منه أن النفل يجب بالشروع لأنه من الأعمال ، وهو قول أبي حنيفة في النوافل مطلقا . ونسب ابن العربي في الأحكام مثله إلى مالك . ومثله القرطبي وابن الفرس . ونقل [ ص: 129 ] الشيخ الجد في حاشيته على المحلي عن القرافي في شرح المحصول ونقل حلولو في شرح جمع الجوامع عن القرافي في الذخيرة : أن مالكا قال بوجوب سبع نوافل بالشروع ، وهي : الصلاة والصيام والحج والعمرة والاعتكاف والائتمام وطواف التطوع دون غيرها نحو الوضوء والصدقة والوقف والسفر للجهاد ، وزاد حلولو إلحاق الضحية بالنوافل التي تجب بالشروع ولم أقف على مأخذ القرافي ذلك ولا على مأخذ حلولو في الأخير .

ولم ير الشافعي وجوبا بالشروع في شيء من النوافل وهو الظاهر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث