الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الاستئذان وكيفيته وعدده

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

4006 (7) باب الاستئذان وكيفيته وعدده

[ 2060 ] عن أبي سعيد الخدري قال: كنت جالسا بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فزعا - أو مذعورا - قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إلي أن آتيه، فأتيت بابه فسلمت ثلاثا، فلم يرد علي، فرجعت فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك فسلمت على بابك ثلاثا فلم ترد علي فرجعت، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع. فقال عمر: أقم عليه البينة، وإلا أوجعتك.

فقال أبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم. قال أبو سعيد: قلت: أنا أصغر القوم، قال: فاذهب به.

رواه أحمد (3 \ 6) والبخاري (6245) ومسلم (1153) (33) وأبو داود (5180) والترمذي (2690) وابن ماجه (3706).

التالي السابق


(7) ومن باب الاستئذان وكيفيته وعدده

قوله في هذه الرواية: ( فسلمت ثلاثا ) ليس مناقضا لقوله في الأخرى: إنه استأذن ثلاثا; لأن أبا موسى - رضي الله عنه - كان قد جمع بين السلام والاستئذان ثلاثا، كما قد جاء منصوصا عليه في الرواية الثالثة. وحاصل هذه الأحاديث: أن دخول منزل الغير ممنوع; كان ذلك الغير فيها أو لم يكن، إلا بعد الإذن. وهذا [ ص: 474 ] الذي نص الله تعالى عليه بقوله: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ثم قال بعد ذلك: فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا وهذا لا بد منه; لأن دخول منزل الغير تصرف في ملكه، ولا يجوز بغير إذنه; لأنه يطلع منه على ما لا يجوز الاطلاع عليه من عورات البيوت، فكانت هذه المصلحة في أعلى رتبة المصالح الحاجية.

ولما تقرر هذا شرعا عند أبي موسى استأذن أبو موسى على عمر - رضي الله عنهما - ولما كان عنده علم بكيفية الاستئذان وعدده: عمل على ما كان عنده من ذلك. فلما لم يؤذن له: رجع. وأما عمر - رضي الله عنه - فكان عنده علم بالاستئذان، ولم يكن عنده علم من العدد، فلذلك أنكره على أبي موسى إنكار مستبعد من نفسه أن يخفى عليه ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ملازمته النبي - صلى الله عليه وسلم - حضرا وسفرا ملازمة لم تكن لأبي موسى ولا لغيره، وإنكار من يسد باب الذريعة في التقول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولذلك أغلظ على أبي موسى بقوله: أقم عليه البينة، وإلا أوجعتك، ولأجعلنك عظة، فلما أتاه بالبينة قال: إنما أحببت أن أتثبت.

وفي هذا الحديث أبواب من الفقه; فمنها: أن الاستئذان لا بد أن يكون ثلاثا ، فإذا لم يؤذن له بعد الثلاث; فهل يزيد عليها أو لا؟ قولان لأصحابنا. الأولى أن لا يزيد; لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ( الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع ) وهذا نص. وإنما خص الثلاث بالذكر; لأن الغالب أن الكلام إذا كرر ثلاثا سمع وفهم؛ ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه، وإذا سلم على قوم سلم عليهم ثلاثا.

وإذا كان الغالب هذا، فإذا لم يؤذن له بعد ثلاث ظهر [ ص: 475 ] أن رب المنزل لا يريد الإذن، أو لعله يمنعه من الجواب عذر لا يمكنه قطعه، فينبغي للمستأذن أن ينصرف، لأن الزيادة على ذلك قد تقلق رب المنزل، وربما يضره الإلحاح حتى ينقطع عما كان مشتغلا به، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي أيوب - رضي الله عنه - حين استأذن عليه، فخرج مستعجلا فقال: (لعلنا أعجلناك).

ومنها: قبول أخبار الآحاد ، ووجوب التثبت فيها، والبحث عن عدالة ناقليها; لأن أبا موسى لما أخبر عمر - رضي الله عنهما - بأن أبي بن كعب يشهد له قال: عدل.

ومنها: حماية الأئمة حوزة الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والإنكار على من تعاطاها إلا بعد ثبوت الأهلية وتحققها.

ومنها: أن المستأذن حقه أن يبدأ بالسلام، ثم يذكر اسمه، وإن كانت له كنى يعرف بها ذكرها، كما فعل أبو موسى ، وكل ذلك ينبغي في تحصيل التعريف التام للمستأذن عليه; فإنه إن أشكل عليه اسم عرف آخر.

وقال بعض أصحابنا: هو بالخيار بين أن يسمي نفسه أو لا، والأولى ما فعله أبو موسى ، فإن فعله ذلك إن كان توقيفا فهو المطلوب، وإن لم يكن توقيفا فبه يحصل التعريف الذي لأجله شرع الاستئذان، ثم رأي الصحابي راوي الحديث أولى من هذا القول الحديث.

و(قوله: فقال أبي بن كعب : لا يقوم معه إلا أصغر القوم، فقام أبو سعيد ، فأعلمه بذلك ) وفي الرواية الأخرى: (إن أبي بن كعب أخبره بذلك) لا تباعد فيهما، فإنه أخبره بذلك كلاهما: أبو سعيد أولا أتاه إلى منزله، وأبي ثانيا لما [ ص: 476 ] اجتمع به عمر في المسجد. وهذا كله يدل على شهرة الحديث عندهم، ومع ذلك فلم يعرفه عمر ، ولا يستنكر هذا؛ فإنه من ضرورة أخبار الآحاد.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث