الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة شرط صدق المشتق صدق المشتق منه

جزء التالي صفحة
السابق

مسألة [ شرط صدق المشتق صدق المشتق منه ] شرط صدق المشتق اسما كان أو فعلا صدق المشتق منه ، فلا يصدق قائم على ذات إلا إذا صدق القيام على تلك الذات ، وسواء كان الصدق في الماضي أم في الحال أم في الاستقبال ، وأما إن ذلك هو بطريق الحقيقة أم لا ، فسيأتي .

والكلام في هذه المسألة مع أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم ، وهما لم يصرحا بالمخالفة في ذلك ، ولكن وقع ذلك منهما ضمنا حيث ذهبا إلى القول بعالمية الله دون علمه . أي ذهبا إلى أن العالم وغيره من الصفات أسماء مشتقة [ ص: 336 ] من العلم ونحوه ، ثم إنهما يطلقان على الله تعالى هذه الأسماء وينكران حصول العلم والحياة والقدرة لله تعالى ، لأن المسمى بهذه الأسماء هي المعاني التي توجب العالمية والقادرية ، وهذه المعاني غير ثابتة لله تعالى ، فلا يكون لله علم ولا قدرة ولا حياة مع أنه عالم قادر حي ، وفرارا من أن يكون الذات قابلا وفاعلا .

وأما أصحابنا فاتفقوا على أنه تعالى عالم بالعلم قادر بالقدرة حي بالحياة .

[ هل العلم نفس العالمية ]

واختلفوا بعد ذلك هل العلم نفس العالمية أو القدرة نفس القادرية أو هي زائدة عليها ؟ والأول : قول الشيخ أبي الحسن وأتباعه ، والثاني : قول القاضي أبي بكر ، وأما المعتزلة فقالوا : عالم بالذات لا بالعلم ، قادر بالذات لا بالقدرة وهكذا فقد جوزوا صدق المشتق الذي هو العالم بدون صدق المشتق منه .

واعلم أنهما يعللان العالمية بالعلم مطلقا ، كما صرحوا به في كتبهم الأصولية ، ويقولان : إن العلم في الله غير ذاته ، فهما لا يسلبان عنه إلا العلم الزائد على ذاته لا العلم مطلقا ، وحينئذ فتخصيص عالميتنا بالعلم ، كما قاله البيضاوي ، أو إثبات عالمية الله تعالى مع سلب العلم عنه كما قاله في المحصول وغيره أيضا باطل ، لأنهما لا يقولان بسلب عليتها عنه بل [ ص: 337 ] يقولان : إن علية العالمية هي العلم ، وهي غير ذات الله تعالى .

هذا أصل الخلاف ، ومنه أخذ هذه المسألة الأصولية ، ولا ينبغي لجواز أن يكون هذا القائل يقول : مقتضى اللغة ما ذكرتم ، ولكن الدليل العقلي منع هنا ، فاستثني ذلك من المشتقات لوجود المانع الخاص ، وحينئذ فلا يصح تعميم المشتقات بذلك ، ويخرج الكلام منها عن أصول الفقه إلى علم الكلام ، ويصير الخلاف معنويا لا لفظيا لغويا .

وإن رجعنا بها إلى أصول الفقه فنقول : المشتق إما أن يغلب عليه الاسمية أو لا ، فالأول : لا يشترط في صدقه وجود المعنى وكذلك الحارث والعباس ، فإنهما يسمى بهما وليس بحارث ، ولا كثير العبوس ، ومع ذلك فقد لاحظ ذلك المعنى المطلق أو الشائع في بعض الأعيان ، ومن ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب أحسن الأسماء ويكره قبيحها .

وأما الذي لا يغلب عليه الاسمية فهو الباقي على أصل الصفة كالعالم والقائم ، ويشترط في صدقه حقيقة وجود المعنى المشتق منه ، وإطلاقه مع عدمه مجاز محض ، غير أنه قد كثر هذا المجاز في بعض الأسماء واشتهر ، وذلك كالمؤمن فإنه يطلق على الغافل والنائم والميت مع قيام موانع الإيمان استصحابا للمعنى السابق والحكم اللاحق ، فدل على أنه مجاز هنا ، وإن كثر استعماله حقيقة في أصله وإن قل استعماله ، وبهذا يرتفع خلاف أبي هاشم في هذا فإنه يقول : إن وجود المعنى المشتق منه ليس شرطا في صدق الاسم المشتق ، فإن أراد أنه ليس شرطا في أصل الوضع فليس بصحيح ، لأنه يلزم منه عدم الفرق بين المشتق وغيره ، وإن أراد الاستعمال العرفي فهو صحيح على ما بيناه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث