الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا اشترى شيئا [لغيره] بغير إذنه فرضي

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

2102 [ ص: 528 ] 98 - باب: إذا اشترى شيئا [لغيره] بغير إذنه فرضي

2215 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبو عاصم ، أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " خرج ثلاثة يمشون ، فأصابهم المطر ، فدخلوا في غار في جبل ، فانحطت عليهم صخرة . -قال : - فقال بعضهم لبعض : ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه . فقال أحدهم : اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران ، فكنت أخرج فأرعى ، ثم أجيء فأحلب ، فأجيء بالحلاب فآتي به أبوي فيشربان ، ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي ، فاحتبست ليلة ، فجئت فإذا هما نائمان -قال : - فكرهت أن أوقظهما ، والصبية يتضاغون عند رجلي ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما ، حتى طلع الفجر ، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء . -قال : - ففرج عنهم . وقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء ، فقالت : لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار . فسعيت فيها حتى جمعتها ، فلما قعدت بين رجليها قالت : اتق الله ، ولا تفض الخاتم إلا بحقه . فقمت وتركتها ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة ، -قال : - ففرج عنهم الثلثين . وقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا بفرق من ذرة فأعطيته ، وأبى ذاك أن يأخذ ، فعمدت إلى ذلك الفرق ، فزرعته حتى اشتريت منه بقرا وراعيها ، ثم جاء فقال : يا عبد الله ، أعطني حقي . فقلت : انطلق إلى تلك البقر وراعيها ، فإنها لك . فقال : أتستهزئ بي ؟ . قال : فقلت : ما أستهزئ بك ولكنها لك . اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا . فكشف عنهم" . [2272 ، 2333 ، 3465 ، 5974 - مسلم: 2743 - فتح: 4 \ 408]

[ ص: 529 ]

التالي السابق


[ ص: 529 ] ذكر فيه حديث ابن عمر في الثلاثة الذين سد عليهم الغار مطولا .

وقد أخرجه مسلم أيضا .

وفيه : الإخبار عن متقدمي الأمم وذكر أعمالهم ; لترغب أمته في مثلها ، ولم يكن يتكلم بشيء إلا للفائدة ، وإذا كان مزحه حقا فما ظنك بإخباره ؟ !

وفيه : سؤال الرب جل جلاله بإنجاز وعده قال تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا [الطلاق : 2] وقال : ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا [الطلاق : 4] وقوله : "آواهم" وفي رواية : "فأووا" هو : بقصر الهمزة ، ويجوز مدها كما سلف إيضاحه في العلم مع بيان الأشهر فيه ، أي : انضموا إلى الغار وجعلوه مأوى .

وفيه : التوسل بصالح الأعمال .

وفيه : إثبات كرامات الأولياء والصالحين .

وقوله : ("فأجيء بالحلاب") ، يعني : الإناء الذي يحلب فيه . وقيل : اللبن . وقوله في رواية أخرى : لا أغبق : هو الغبوق ، وهو : اسم للشراب المعد للعشي .

وقوله أيضا : ("دأبي ودأبهما") ، أي : شأني وشأنهما .

قال الفراء : أصله من دأبت ، إلا أن العرب حولت معناه إلى الشأن ، يقال : دأب وداب ، وقيل : الدأب الفعل ، وهو : نحو الأول . وقوله [ ص: 530 ] أيضا : (فنأى بي طلب الشجر يوما) من يجعل الهمزة قبل الألف ، ومنهم من يجعلها بعده ، وهما لغتان وقراءتان ، وهو البعد أي : بعد بي طلب الشجر التي ترعاها الإبل .

وقوله أيضا : (لم أرح) ، هو من الرواح ، وهو ما بعد الزوال .

وقوله هنا : (يتضاغون) ، أي : يصيحون من الجوع ويبكون ويشكون ، والضغاء : -ممدود مضموم الأول- صوت الذلة والفاقة .

و (فرجة) : بضم الفاء وفتحها ، وفي الفم مثلثة ، وقال ابن فارس وغيره : الفرجة في الحائط كالشق ، والفرجة : انفراج الكروب .

وقوله : (فافرج) ، قال ابن التين : هو بضم الراء في أكثر الأمهات ، وذكر الجوهري أنه بكسرها .

وقوله : (حتى تعطيها مائة دينار) .

وذكر البخاري بعد هذا أنه دفع إليها عشرين ومائة .

وفيه : فضل الوالدين والصبر على المكروه .

ومعنى : لا تفض الخاتم ، أي : لا تكسره ، وقيل : الفض : التفرق ، والبكر أشبه بالخاتم من الثيب ; لأن الخاتم عذرتها .

ومعنى : "إلا بحقه" بوجه شرعي ، وهو : النكاح .

وفيه : قبول التوبة ، وأن من أصلح فيما بقي غفر له ، وأن من هم بسيئة فتركها ; ابتغاء وجهه كتب له أجرها ، ولمن خاف مقام ربه جنتان .

[ ص: 531 ] فصل :

و (الفرق) : بفتح الراء ، وسكونها وهو ثلاثة آصع ، وقال هنا : "بفرق من ذرة" ، وقال في المزارعة : بفرق أرز .

وفيه : جواز الإجارة بالطعام المعلوم .

وقوله : "فزرعته حتى اشتريت منه بقرا وراعيها" : هو موضع الترجمة ، وبه استدل الحنفية ، وغيرهم ممن يجيز بيع مال الإنسان والتصرف فيه بغير إذنه إذا أجازه المالك بعد .

وموضع الدلالة قوله : "فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا" ، وفي رواية : "فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال" مع أنه شرع من قبلنا ، وهل هو في شرعنا ؟ لنا فيه خلاف مشتهر ، ومشهور مذهب مالك أن له الخيار ، واستدل به أحمد ، كما قاله الخطابي على أن المستودع إذا اتجر في مال الوديعة ، وربح أن الربح إنما يكون لرب المال ، ولا دلالة فيه ; لأن صاحب الفرق إنما تبرع بفعله وتقرب به إلى الله ، وقد [ ص: 532 ] قال : إنه اشترى بقرا ، وهو تصرف منه في أمر لم يوكله به فلا يستحق عليه ربحا . والأشبه بمعناه أنه قد تصدق بهذا المال على الأجير بعد أن اتجر فيه وأنماه .

والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء في المستودع إذا اتجر بمال الوديعة ، والمضارب إذا خالف رب المال فربما أنه ليس لصاحب المال من الربح شيء .

قال ابن التين : وقوله في المضارب غير بين ; لأنه مال ماذون فيه ، فربحه عند مالك لربه ، بخلاف الوديعة ، وعند أبي حنيفة المضارب ضامن لرأس المال ، والربح له ويتصدق به ، والوديعة عليه .

وقال الشافعي : إن كان اشترى السلعة بعين المال فالبيع باطل ، وإن كان بغير عينه فالسلعة ملك المشتري ، وهو ضامن للمال . ومذهب مالك : أن الربح للمودع كيفما اشترى إن اشترى لنفسه ولا دليل عليه من الحديث ; لأنه اشتراه لرب الفرق .

وقال ابن بطال : أجمع الفقهاء أنه لا يلزم شراء الرجل لغيره بغير إذنه إلا حتى يعلمه ويرضى به ، فيلزمه بعد الرضا به إذا أحاط علما به ، واختلف ابن القاسم وأشهب فيما إذا أودع رجل رجلا طعاما فباعه المودع بثمن فرضي المودع ، فقال ابن القاسم : له الخيار ، إن شاء أخذ مثل طعامه من المودع ، وإن شاء أخذ الثمن بالذي باعه به ، وقال أشهب : إن رضي بذلك فلا يجوز ; لأنه طعام بطعام فيه خيار .

وهذا الحديث دل على صحة قول ابن القاسم ; لأن فيه أن الذي كان ترك الأجير فرق ذرة ، وأنه زرعه له الذي بقي عنده حتى صار منه ما ذكر ، [ ص: 533 ] فلو كان خيار صاحب الطعام يحرم عليه ما جاز له أخذ البقر وراعيها ; لأن أصلها كان من ذلك الفرق المزروع له بغير علمه ، وقد رضي - عليه السلام - ذلك ، وأقره وأخبر أن الذي انطبق عليه الغار توسل بذلك إلى ربه ، ونجاه به .

فدل هذا الحديث أنه لم يكن أخذ الأجير لذلك لازما إلا بعد رضاه بذلك لقوله : "أتستهزئ بي ؟ " وإنكاره ما بذل له عوضا من الفرق ; ولذلك عظمت المثوبة في هذه القصة ، وظهرت هذه الآية من أجل تطوع الزارع للفرق بما بذل له ، وأنه فعل أكثر مما كان يلزمه في تأدية ما عليه ، فشكر الله له ذلك .

وقد اختلف العلماء في الطعام المغصوب يزرعه الغاصب ، فذكر ابن المنذر أن قول مالك والكوفيين أن الزرع للغاصب ، وعليه مثل الطعام الذي غصب ; لأن كل من تعدى على كل ما له مثل فليس عليه غير مثل الشيء المتعدى عليه ، غير أن الكوفيين قالوا : إن زيادة الطعام حرام على الغاصب لا يحل له وعليه أن يتصدق به .

وقال أبو ثور : كل ما أخرجت الأرض من الحنطة فهي لصاحب الحنطة وسيأتي اختلافهم فيمن تعدى على نقد فتجر به بغير إذن صاحبه في حديث ابن عمر هذا في الإجارة حيث ذكره .

ولنذكر هنا نبذة منه ، فقالت طائفة : يطيب له الربح إذا رد رأس المال إلى صاحبه سواء كان غاصبا للمال أو كان وديعة عنده ، متعديا فيه ، هذا قول عطاء ومالك والليث والثوري والأوزاعي وأبي يوسف ، واستحب مالك والثوري والأوزاعي تنزهه عنه ، ويتصدق به .

[ ص: 534 ] وقالت طائفة : يرد المال ويتصدق بالربح ولا يطيب له منه شيء .

هذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر ، وقالت طائفة : الربح لرب المال ، وهو ضامن لما تعدى فيه ، هذا قول ابن عمر وأبي قلابة ، وبه قال أحمد وإسحاق ، ثم ادعى ابن بطال : أن أصح هذه الأقوال أن الربح للغاصب والمتعدي .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث