الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

2103 [ ص: 535 ] 99 - باب: الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب

2216 - حدثنا أبو النعمان ، حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم جاء رجل مشرك -مشعان طويل- بغنم يسوقها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " بيعا أم عطية ؟ " -أو قال : - أم هبة ؟ " . قال لا بل بيع . فاشترى منه شاة . [2618 ، 5382 - مسلم: 2056 - فتح: 4 \ 410]

التالي السابق


ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : "بيعا أم عطية ؟ " -أو قال : - أم هبة ؟ " . قال : بل بيع . فاشترى منه شاة .

هذا الحديث ذكره البخاري في موضع آخر : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة وثلاثين رجلا ، فقال- عليه السلام - : "هل مع أحد منكم طعام ؟ " فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن ، ثم جاء رجل . وفيه : فصنعت ، وأمر بسواد البطن أن يشوى ، وايم الله ما في الثلاثين والمائة إلا وقد حز له حزة من سواد بطنها ، إن كان شاهدا أعطاه إياه ، وإن كان غائبا خبأ له ، وجعل منها قصعتين ، فأكلوا أجمعون ، وشبعنا ، وفضل في القصعتين ، فحملناه على البعير .

قال أبو عبد الله : (مشعان) : طويل جدا فوق الطول . وقال الأصمعي- فيما حكاه في "الموعب" : شعر مشعان -بتشديد النون- منتفش ، واشعان الرجل اشعنانا ، وهو : الثائر المتفرق . وقال الأزهري أيضا : هو الشعث المنتفش الرأس المغبر .

[ ص: 536 ] وروى عمرو عن أبيه : أشعن الرجل إذا ناصى عدوه فاشعان شعره .

وقال ابن التين : هو شعث الشعر ، ثائر الرأس في قول أكثرهم ، ووزنه مفعال .

وعبارة صاحب "العين" : مشعان إذا كان منتفشا ، ورجل مشعان الرأس . وسواد البطن ، قيل : هو الكبد خاصة ، وقيل : حشوة البطن كلها ، حكاهما صاحب "المطالع" .

وحز : قطع ، والحزة- بضم الحاء : القطعة ، وقال في باب قبول الهدية من المشركين .

ضبط حزة في الأمهات بالضم ، وصوابه كما ضبط ، لأن الحزة بالضم : القطعة ، مثل الأكلة واللقمة ، وأما بالفتح فتعود على الفعل .

وقد سلف -من قول أبي عبيد- أن كل شيء يقال فيه : فعلت فعلة -بالفتح- إلا ثنتين : رأيت رؤية ، وحججت حجة ، يريد إلى الغزو . وقال الداودي : الحزة : القطعة ، وهو كالأول .

أما فقه الباب : فالبيع والشراء من الكفار كلهم جائز إلا أن أهل الحرب لا يباع منهم ما يستعينون به على إهلاك المسلمين من العدة والسلاح ، وما يقوون به عليهم .

قال ابن المنذر : اختلف العلماء في مبايعة من الغالب على ماله الحرام ، وقبول هداياه وجوائزه ، فرخصت طائفة في ذلك ، كان الحسن البصري لا يرى بأسا أن يأكل الرجل من طعام العقار والصراف والعامل ، ويقول : قد أحل الله طعام اليهود والنصارى ، وأكله أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال تعالى في اليهود :

[ ص: 537 ] أكالون للسحت [المائدة : 42] .

وقال مكحول والزهري : إذا اختلط المال وكان فيه الحلال والحرام فلا بأس أن يؤكل منه ، وإنما يكره من ذلك الشيء الذي يعرفه بعينه . وقال الحسن : لا بأس ما لم يعرفوا شيئا منه .

وقال الشافعي : لا تجب مبايعة من أكثر ماله ربا أو كسبه حرام ، وإن بايعه لم أفسخ البيع ; لأن هؤلاء قد يملكون حلالا ، ولا نحرم إلا حراما بينا إلا أن يشتري حراما بينا يعرفه ، والمسلم والذمي والحربي في هذا سواء .

حجة من رخص في ذلك حديث الباب ، وحديث رهنه درعه عند اليهودي ، وكان ابن عمر ، وابن عباس يأخذان هدايا المختار ، وبعث عمر بن عبيد الله بن معمر إلى ابن عمر بألف دينار ، وإلى القاسم بن محمد بألف دينار ، فأخذها ابن عمر وقال : لقد جاءنا على حاجة ، وأبى أن يقبلها القاسم ، فقالت امرأته : إن لم تقبلها فأنا ابنة عمه كما هو ابن عمه ، فأخذتها .

وقال عطاء : بعث معاوية إلى عائشة بطوق من ذهب فيه جوهر قوم بمائة ألف ، فقسمته بين أمهات المؤمنين .

وكرهت طائفة الأخذ منهم ، روي ذلك عن مسروق ، وسعيد بن [ ص: 538 ] المسيب ، والقاسم بن محمد ، وبسر بن سعيد ، وطاوس ، وابن سيرين ، والثوري ، وابن المبارك ، ومحمد بن واسع ، وأحمد ، وأخذ ابن المبارك قذاة من الأرض ، فقال : من أخذ مثل هذه فهو منهم . وسلف هذا المعنى في الزكاة في باب : إعطاء المال من غير مسألة .

وقوله - عليه السلام - : " (بيعا أم عطية ؟ -أو قال : - أم هبة ؟ ") إنما قال ذلك على معنى أنه يثيبه لو كان هدية ، لا أنه كان يقبلها منه دون إثابة عليها ، كما فعل - عليه السلام - بكل من هاداه من المشركين ، بل كان هذا دأبه . وسيأتي في الهبة حكم هبة المشرك إن شاء الله .

وحديث : "إنا لا نقبل زبد المشركين" يعني عطاياهم ، يشبه أن يكون منسوخا كما قال الخطابي ، فقد قبل هدية غير واحد منهم ، أهدى له المقوقس مارية والبغلة ، وأكيدر دومة ، إلا أن يفرق فارق بين هدية أهل الشرك وأهل الكتاب ; لكن هذا الرجل كان مشركا ، ويجوز أن يكون القبول من باب التألف .

وفيه : قصد الرؤساء والأكابر بالسلع لاستجزال الثمن .

[ ص: 539 ] وفيه : أن ابتياع الأشياء من مجهول الناس ومن لا يعلم حاله بعفاف أو غيره جائز ، حتى يطلع على ما يلزم الورع عنه ، أو يوجب ترك مبايعته بغصب أو سرقة أو غير ذلك . قال ابن المنذر : لأن من بيده الشيء فهو مالكه على الظاهر ، ولا يلزم المشتري أن يعلم حقيقة ملكه له بحكم اليد .

وفيه : تأنيس الكافر لإثابته أكثر مما أخذ ، إذ كان ذلك من شأنه .

فرع : اختلف في الذي يهدى إلى الأئمة ، فروي عن علي رده إلى بيت المال ، وإليه ذهب أبو حنيفة .

وقال أبو يوسف : هو له . وقيل : إنه - عليه السلام - في ذلك بخلاف غيره ; لأن الله خصه في أموال الحرب بما لم يكن لغيره . قاله الخطابي .

وفيه : ذكر بعض الخبر وحذف باقيه ، إذ لم يذكر فيه قدر ما اشترى به .

وفيه : علم من أعلام نبوته ، حيث أكل من سواد البطن ما ذكر .

وفيه : رأفته بالحاضرين ، وتفقد الغائبين ، وهو رد على جهلة الصوفية حيث يقولون : من غاب غاب نصيبه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث