الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وأما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم وكثير من الأمور الدينية هو مشترك بين ولاة الأمور فمن أدى فيه الواجب وجبت طاعته فيه فعلى المحتسب أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها ويعاقب من لم يصل بالضرب والحبس ; وأما القتل فإلى غيره ويتعهد الأئمة والمؤذنين ; [ ص: 70 ] فمن فرط منهم فيما يجب من حقوق الإمامة أو خرج عن الأذان المشروع ألزمه بذلك واستعان فيما يعجز عنه بوالي الحرب والحكم وكل مطاع يعين على ذلك .

وذلك أن " الصلاة " هي أعرف المعروف من الأعمال وهي عمود الإسلام وأعظم شرائعه وهي قرينة الشهادتين وإنما فرضها الله ليلة المعراج وخاطب بها الرسول بلا واسطة لم يبعث بها رسولا من الملائكة وهي آخر ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم أمته وهي المخصوصة بالذكر في كتاب الله تخصيصا بعد تعميم كقوله تعالى : { والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة } وقوله : { اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة } .

وهي المقرونة بالصبر وبالزكاة وبالنسك وبالجهاد في مواضع من كتاب الله كقوله تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة } وقوله : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } وقوله : { إن صلاتي ونسكي } وقوله : { أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا } وقوله : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } إلى قوله : { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } .

[ ص: 71 ] وأمرها أعظم من أن يحاط به فاعتناء ولاة الأمر بها يجب أن يكون فوق اعتنائهم بجميع الأعمال ; ولهذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى عماله : أن أهم أمركم عندي الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها كان لما سواها أشد إضاعة . رواه مالك وغيره .

ويأمر المحتسب بالجمعة والجماعات وبصدق الحديث وأداء الأمانات وينهى عن المنكرات : من الكذب والخيانة : وما يدخل في ذلك من تطفيف المكيال والميزان والغش في الصناعات ; والبياعات والديانات ونحو ذلك قال الله تعالى : { ويل للمطففين } { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } { وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون } وقال في قصة شعيب : { أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين } { وزنوا بالقسطاس المستقيم } { ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين } . وقال تعالى : { إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } وقال : { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } .

وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما } " وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها [ ص: 72 ] فنالت أصابعه بللا ; فقال : ما هذا يا صاحب الطعام ؟ - فقال : أصابته السماء يا رسول الله قال : - أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غشنا فليس منا } وفي رواية : { من غشني فليس مني } " فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الغاش ليس بداخل في مطلق اسم أهل الدين والإيمان كما قال " { لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ; ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ; ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن } فسلبه حقيقة الإيمان التي بها يستحق حصول الثواب والنجاة من العقاب ; وإن كان معه أصل الإيمان الذي يفارق به الكفار ويخرج به من النار .

والغش يدخل في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع ; مثل أن يكون ظاهر المبيع خيرا من باطنه ; كالذي مر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر عليه . ويدخل في الصناعات مثل الذين يصنعون المطعومات من الخبز والطبخ والعدس والشواء وغير ذلك أو يصنعون الملبوسات كالنساجين والخياطين ونحوهم أو يصنعون غير ذلك من الصناعات فيجب نهيهم عن الغش والخيانة والكتمان .

ومن هؤلاء " الكيماوية " الذين يغشون النقود والجواهر والعطر وغير ذلك فيصنعون ذهبا أو فضة أو عنبرا أو مسكا أو جواهر أو زعفرانا أو ماء ورد أو غير ذلك ; يضاهون به خلق الله : ولم يخلق الله شيئا [ ص: 73 ] فيقدر العباد أن يخلقوا كخلقه بل { قال الله عز وجل فيما حكى عنه رسوله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا بعوضة } ولهذا كانت المصنوعات مثل الأطبخة والملابس والمساكن غير مخلوقة إلا بتوسط الناس قال تعالى : { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون } { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } . وقال تعالى : { أتعبدون ما تنحتون } { والله خلقكم وما تعملون } .

وكانت المخلوقات من المعادن والنبات والدواب غير مقدورة لبني آدم أن يصنعوها ; لكنهم يشبهون على سبيل الغش . وهذا حقيقة الكيمياء ; فإنه المشبه ; وهذا باب واسع قد صنف فيه أهل الخبرة ما لا يحتمل ذكره في هذا الموضع .

ويدخل في المنكرات ما نهى الله عنه ورسوله من العقود المحرمة : مثل عقود الربا والميسر ; ومثل بيع الغرر وكحبل الحبلة ; والملامسة والمنابذة ; وربا النسيئة وربا الفضل وكذلك النجش وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها وتصرية الدابة اللبون وسائر أنواع التدليس .

وكذلك المعاملات الربوية سواء كانت ثنائية أو ثلاثية إذا كان المقصود بها جميعها أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل .

فالثنائية ما يكون بين اثنين : مثل أن يجمع إلى القرض بيعا أو إجارة أو مساقاة أو مزارعة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه [ ص: 74 ] قال : " { لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك } " قال الترمذي حديث صحيح . ومثل أن يبيعه سلعة إلى أجل ثم يعيدها إليه ففي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا } " .

والثلاثية مثل أن يدخل بينهما محللا للربا يشتري السلعة منه آكل الربا ثم يبيعها المعطي للربا إلى أجل ثم يعيدها إلى صاحبها بنقص دراهم يستفيدها المحلل وهذه المعاملات منها ما هو حرام بإجماع المسلمين مثل التي يجري فيها شرط لذلك ; أو التي يباع فيها المبيع قبل القبض الشرعي أو بغير الشروط الشرعية ; أو يقلب فيها الدين على المعسر فإن المعسر يجب إنظاره ولا يجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها بإجماع المسلمين . ومنها ما قد تنازع فيه بعض العلماء ; لكن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين تحريم ذلك كله .

ومن المنكرات تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك لما فيه من تغرير البائع ; فإنه لا يعرف السعر فيشتري منه المشتري بدون القيمة ; ولذلك أثبت النبي صلى الله عليه وسلم له الخيار إذا هبط إلى السوق . وثبوت الخيار له مع الغبن لا ريب فيه وأما ثبوته بلا غبن ففيه نزاع بين العلماء وفيه عن أحمد روايتان : إحداهما يثبت وهو قول الشافعي . والثانية لا [ ص: 75 ] يثبت لعدم الغبن .

وثبوت الخيار بالغبن للمسترسل - وهو الذي لا يماكس - هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما فليس لأهل السوق أن يبيعوا المماكس بسعر ; ويبيعوا المسترسل الذي لا يماكس أو من هو جاهل بالسعر بأكثر من ذلك السعر هذا مما ينكر على الباعة . وجاء في الحديث : " { غبن المسترسل ربا } " وهو بمنزلة تلقي السلع ; فإن القادم جاهل بالسعر ; ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد وقال : { دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض } وقيل لابن عباس ما قوله : " { لا يبيع حاضر لباد } " ؟ قال : لا يكون له سمسار وهذا نهي عنه لما فيه من ضرر المشترين فإن المقيم إذا توكل للقادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها والقادم لا يعرف السعر ضر ذلك المشتري ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم " { دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض } " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث