الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله

قوله تعالى : وابتغاء تأويله الآية .

أخرج أبو يعلى عن حذيفة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن في أمتي قوما يقرءون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله " .

وأخرج ابن سعد ، وابن الضريس في " فضائله " ، وابن مردويه ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على قوم يتراجعون في القرآن وهو مغضب، فقال : " بهذا ضلت الأمم قبلكم ؛ باختلافهم على أنبيائهم وضرب الكتاب بعضه ببعض " . قال : " وإن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، ولكن نزل أن يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه عليكم فآمنوا به " .

وأخرج أحمد من وجه آخر عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يتدارءون، فقال : " إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه " .

[ ص: 456 ] وأخرج ابن جرير ، والحاكم وصححه، وأبو نصر السجزي في " الإبانة " ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف ؛ زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا بما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا : آمنا به كل من عند ربنا " .

وأخرجه ابن أبي حاتم ، عن ابن مسعود ، موقوفا .

وأخرج الطبراني عن عمر بن أبي سلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود : " إن الكتب كانت تنزل من السماء من باب واحد، وإن القرآن أنزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف ؛ حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وضرب أمثال، وآمر، وزاجر، فأحل حلاله، وحرم حرامه، واعمل بمحكمه، وقف عند متشابهه، واعتبر أمثاله ، فإن كلا من عند الله، وما يتذكر إلا أولوا الألباب " .

وأخرج ابن النجار في " تاريخ بغداد " بسند واه عن علي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته : " أيها الناس، قد بين الله لكم في محكم كتابه ما أحل لكم وما حرم [ ص: 457 ] عليكم ، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وآمنوا بمتشابهه، واعملوا بمحكمه، واعتبروا بأمثاله " .

وأخرج ابن الضريس ، وابن جرير ، وابن المنذر ، عن ابن مسعود قال : أنزل القرآن على خمسة أوجه ؛ حرام، وحلال، ومحكم، ومتشابه، وأمثال ، فأحل الحلال، وحرم الحرام، وآمن بالمتشابه، واعمل بالمحكم، واعتبر بالأمثال " .

وأخرج ابن أبي داود في " المصاحف " عن ابن مسعود قال : إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبواب على سبعة أحرف، وإن الكتاب قبلكم كان ينزل من باب واحد على حرف واحد .

وأخرج ابن جرير ، ونصر المقدسي في " الحجة " ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نزل القرآن على سبعة أحرف ، المراء في القرآن كفر ، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه " .

وأخرج البيهقي في " شعب الإيمان " عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعربوا القرآن، واتبعوا غرائبه، وغرائبه فرائضه وحدوده ، فإن القرآن نزل على خمسة أوجه ؛ حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال ، فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال " .

[ ص: 458 ] وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : إن القرآن ذو شجون وفنون، وظهور وبطون ، لا تنقضي عجائبه، ولا تبلغ غايته ، فمن أوغل فيه برفق نجا، ومن أوغل فيه بعنف غوى ؛ أخبار وأمثال، وحرام، وحلال، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وظهر وبطن ، فظهره التلاوة، وبطنه التأويل ، فجالسوا به العلماء، وجانبوا به السفهاء، وإياكم وزلة العالم .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن الربيع، أن النصارى قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألست تزعم أن عيسى كلمة الله وروح منه؟ قال : " بلى " . قالوا : فحسبنا . فأنزل الله : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن الأنباري في كتاب " الأضداد " ، والحاكم وصححه، عن طاوس قال : كان ابن عباس يقرؤها : وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به .

وأخرج ابن أبي داود في " المصاحف " عن الأعمش قال : في قراءة عبد الله : وإن حقيقة تأويله عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن أبي مليكة قال : [ ص: 459 ] قرأت على عائشة هؤلاء الآيات، فقالت : كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه، وما يعلم تأويله إلا الله، ولم يعلموا تأويله .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن أبي الشعثاء، وأبي نهيك قالا : إنكم تصلون هذه الآية وهي مقطوعة : وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا . فانتهى علمهم إلى قولهم الذي قالوا .

وأخرج ابن جرير عن عروة قال : الراسخون في العلم لا يعلمون تأويله ولكنهم يقولون : آمنا به كل من عند ربنا .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن عمر بن عبد العزيز قال : انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا : آمنا به كل من عند ربنا .

وأخرج ابن أبي شيبة في " المصنف " عن أبي قال : كتاب الله ما استبان منه فاعمل به، وما اشتبه عليك فآمن به وكله إلى عالمه .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : إن للقرآن منارا كمنار الطريق، فما عرفتم فتمسكوا به، وما اشتبه عليكم فذروه .

وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ قال : القرآن منار كمنار الطريق، ولا يخفى على أحد، فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه أحدا، وما شككتم فيه فكلوه إلى [ ص: 460 ] عالمه .

وأخرج ابن جرير ، من طريق أشهب، عن مالك في قوله : وما يعلم تأويله إلا الله . قال : ثم ابتدأ فقال : والراسخون في العلم يقولون آمنا به وليس يعلمون تأويله .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، عن أنس، وأبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأبي الدرداء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم، فقال : " من برت يمينه وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه ، فذلك من الراسخين في العلم " .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن الأنباري في كتاب " الوقف " ، عن ابن عباس قال : تفسير القرآن على أربعة وجوه ؛ تفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعذر الناس بجهالته من حلال أو حرام، وتفسير تعرفه العرب بلغتها، وتفسير لا يعلم تأويله إلا الله ؛ من ادعى علمه فهو كاذب .

وأخرج ابن عساكر ، من طريق عبد الله بن يزيد الأودي : سمعت أنس بن مالك يقول : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : من الراسخون في العلم؟ قال : " من صدق حديثه، وبر في يمينه، وعف بطنه وفرجه ، فذلك الراسخون في العلم " .

[ ص: 461 ] وأخرج ابن المنذر ، من طريق الكلبي ، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال : تفسير القرآن على أربعة وجوه، تفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعذر الناس بجهالته من حلال أو حرام، وتفسير تعرفه العرب بلغتها، وتفسير لا يعلم تأويله إلا الله ، من ادعى علمه فهو كاذب .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف ؛ حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به، وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله ، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب " .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن الأنباري ، من طريق مجاهد ، عن ابن عباس قال : أنا ممن يعلم تأويله .

وأخرج ابن جرير عن الربيع : والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون : آمنا به .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، من طريق العوفي، عن ابن عباس : يقولون آمنا به : نؤمن بالمحكم وندين به، ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به ، وهو من عند الله كله .

[ ص: 462 ] وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس : كل من عند ربنا : يعني ما نسخ منه وما لم ينسخ .

وأخرج الدارمي في " مسنده " ، ونصر المقدسي في " الحجة " ، عن سليمان بن يسار ، أن رجلا يقال له : صبيغ . قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل، فقال : من أنت؟ فقال : أنا عبد الله صبيغ . فقال : وأنا عبد الله عمر . فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى دمى رأسه، فقال : يا أمير المؤمنين، حسبك ، قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي .

وأخرج الدارمي عن نافع ، أن صبيغا العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين، حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، فلما أتاه أرسل عمر إلى رطائب من جريد، فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد له، ثم تركه حتى برأ، فدعا به ليعود له، فقال صبيغ : إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برأت . فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين .

وأخرج ابن عساكر في " تاريخه " عن أنس ، أن عمر بن الخطاب جلد [ ص: 463 ] صبيغا الكوفي في مسألة عن حرف من القرآن، حتى اطردت الدماء في ظهره .

وأخرج ابن الأنباري في " المصاحف " ، ونصر المقدسي في " الحجة " ، وابن عساكر ، عن السائب بن يزيد ، أن رجلا قال لعمر : إني مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن . فقال عمر : اللهم أمكني منه . فدخل الرجل يوما على عمر فسأله، فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلده، ثم قال : ألبسوه تبانا واحملوه على قتب، وابلغوا به حيه، ثم ليقم خطيب فليقل : إن صبيغا طلب العلم فأخطأه . فلم يزل وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم .

وأخرج نصر المقدسي في " الحجة " ، وابن عساكر ، عن أبي عثمان النهدي ، أن عمر كتب إلى أهل البصرة أن لا يجالسوا صبيغا . قال : فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا .

وأخرج ابن عساكر عن محمد بن سيرين قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالس صبيغا، وأن يحرم عطاءه ورزقه .

[ ص: 464 ] وأخرج نصر في " الحجة " ، وابن عساكر ، عن زرعة قال : رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب، يجيء إلى الحلقة ويجلس وهم لا يعرفونه، فتناديهم الحلقة الأخرى : عزمة أمير المؤمنين عمر . فيقومون ويدعونه .

وأخرج نصر في " الحجة " عن أبي إسحاق ، أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري : أما بعد ، فإن الأصبغ تكلف ما يخفى، وضيع ما ولي، فإذا جاءك كتابي هذا فلا تبايعوه، وإن مرض فلا تعودوه، وإن مات فلا تشهدوه .

وأخرج الهروي في " ذم الكلام " عن الإمام الشافعي قال : حكمي في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ ؛ أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم : هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام .

وأخرج الدارمي عن عمر بن الخطاب قال : إنه سيأتيكم ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله .

وأخرج نصر المقدسي في " الحجة " عن ابن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القرآن ، هذا ينزع بآية، وهذا ينزع بآية ، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال : " ألهذا خلقتم؟ أو بهذا أمرتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضا ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فاتبعوه وما [ ص: 465 ] نهيتم عنه فانتهوا " .

وأخرج أبو داود ، والحاكم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الجدال في القرآن كفر " .

وأخرج نصر المقدسي في " الحجة " عن ابن عمرو رضي الله عنهما قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وراء حجرته قوم يتجادلون في القرآن ، فخرج محمرة وجنتاه، كأنما تقطران دما، فقال : " يا قوم، لا تجادلوا بالقرآن، فإنما ضل من كان قبلكم بجدالهم ؛ إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، ولكن نزل ليصدق بعضه بعضا، فما كان من محكمه فاعملوا به، وما كان من متشابهه فآمنوا به " .

وأخرج نصر في " الحجة " عن أبي هريرة قال : كنا عند عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل يسأله عن القرآن : أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فقام عمر فأخذ بمجامع ثوبه حتى قاده إلى علي بن أبي طالب ، فقال : يا أبا الحسن ، أما تسمع ما يقول هذا؟ قال : وما يقول؟ قال : جاءني يسألني عن القرآن : أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فقال علي : هذه كلمة وسيكون لها ثمرة، لو وليت من الأمر ما وليت ضربت عنقه .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله : فأما الذين في قلوبهم زيغ [ ص: 466 ] الآية . قال : طلب القوم التأويل فأخطئوا التأويل وأصابوا الفتنة، واتبعوا ما تشابه منه، فهلكوا بين ذلك .

وأخرج ابن الأنباري في كتاب " الأضداد " عن مجاهد قال : الراسخون في العلم يعلمون تأويله، ويقولون : آمنا بالله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث