الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 357 ] المساقاة مجموعة من إملاء ومسائل شتى جمعتها منه لفظا

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " ساقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر على أن نصف الثمر لهم وكان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم ثم يقول : إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي قال الشافعي : ومعنى قوله في الخرص إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي أن يخرص النخل كله كأنه خرصها مائة وسق وعشرة أوسق وعشرة أوسق رطبا ثم قدر أنها إذا صارت تمرا نقصت عشرة أوسق فصحت منها مائة وسق تمرا فيقول إن شئتم دفعت إليكم النصف الذي ليس لكم الذي أنا فيه قيم لأهله على أن تضمنوا لي خمسين وسقا تمرا من تمر يسميه ويصفه ولكم أن تأكلوها وتبيعوها رطبا كيف شئتم وإن شئتم فلي أن أكون هكذا مثلكم وتسلمون إلي وصفكم وأضمن لكم هذه المكيلة " .

قال الماوردي : أما المساقاة فهي المعاملة على النخل ، والشجر ببعض ثمره ، وفي تسميتها بذلك ثلاثة تأويلات :

أحدها : أنها سميت بذلك ؛ لأنها مفاعلة على ما يشرب بساق .

والثاني : أنها سميت بذلك ؛ لأن موضع النخل والشجر سمي سقيا ، فاشتقوا اسم المساقاة منه .

والثالث : أنها سميت بذلك ؛ لأن غالب العمل المقصود فيها هو السقي فاشتق اسمها ، والمساقاة جائزة ، لا يعرف خلاف بين الصحابة والتابعين في جوازها ، وهو قول كافة الفقهاء إلا أبا حنيفة وحده دون أصحابه فإنه تفرد بإبطالها وحكي عن النخعي كراهتها . واستدل من نصر قول أبي حنيفة على إبطال المساقاة بنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر ، وغرر المساقاة متردد بين ظهور الثمرة وعدمها ، وبين قلتها وكثرتها ، فكان الغرر فيه أعظم فاقتضى أن يكون بإبطالها العقد أحق .

ولأنه عقد على منافع أعيان باقية ، فامتنع أن يكون معقودا ببعضها كالمخابرة ولأنه عقد تناول ثمرة لم تخلق فوجب أن يكون باطلا كما لو استؤجر على عمل بما تثمره هذه النخلة في القابل .

[ ص: 358 ] ولأن المساقاة إجارة على عمل جعلت الثمر فيه أجرة ، والأجرة لا تصح إلا أن تكون معينة ، أو ثابتة في الذمة ، وما تثمره نخل المساقاة غير معينة ، ولا ثابتة في الذمة ، فوجب أن تكون باطلة .

ولأن ما منع من المساقاة فيما سوى النخل ، والكرم من الشجر من جهالة الثمر منع منها من النخل ، والكرم لجهالة الثمر .

ودليلنا رواية الشافعي - رضي الله عنه - عن مسلم بن خالد عن عبد الله بن عمر يحدث عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين افتتح خيبر قالت اليهود : نحن نقوم لكم بالعمل في النخل ، قال فدفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم يعملونها ويقومون بها على أن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شطر الثمر ولهم الشطر ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث من يخرصها عليهم ، فيأخذونها ويؤدون الشطر .

وروى الشافعي - رضي الله عنه - عن مالك عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لليهود حين افتتح خيبر : أقركم ما أقركم الله على أن الثمر بيننا وبينكم وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث عبد الله بن رواحة ، فيخرص بينه وبينهم ، ثم يقول : " إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي " فكانوا يأخذونه .

فدلت مساقاة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر - وإن كانت مستفيضة تستغني عن نقل - على جواز المساقاة على نخل . اعترضوا على الاستدلال بهذا الخبر من ثلاثة أوجه :

أحدها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عقدها على أن يقرهم ما أقرهم الله تعالى ، والمساقاة لا تصح على هذا الوجه حتى تعقد على مدة معلومة ، والجواب عنه من وجهين :

أحدهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما عقده على هذا ؛ لأن النسخ في زمانه ممكن ، وعلمه بما أقرهم الله تعالى مثاب ثم نسخ هذا الشرط ، ونسخ بعض شرائط الشيء لا يوجب نسخ باقيه ، والجواب الثاني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما شرط ذلك في عقد الصلح لا في عقد المساقاة ، فإن قيل فلم يذكر المدة قيل إنما اقتصر الراوي على نقل ما يدل على صحة العقد ، ولم ينقل شروط العقد .

والسؤال الثاني : إن قالوا : إن أهل خيبر عبيد يسترقون لا تصح مساقاتهم ، وإنما هي مخارجة ، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اصطفى صفية من سبيهم ، وعليه ثلاثة أجوبة :

أحدها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالحهم على إقرار الأرض ، والنخل معهم وضمنهم شطر الثمرة ، وصلح العبيد وتضمينهم لا يجوز .

والثاني : أن عمر - رضي الله عنه - أجلاهم عن الحجاز ، وإجلاء عبيد المسلمين لا يجوز .

والثالث : أنهم لو كانوا عبيدا لتعين مالكوهم ، ولاقتسموا رقابهم فأما صفية فإنها كانت من الذرية دون المقاتلة .

[ ص: 359 ] والسؤال الثالث : إن قالوا إن الأرض والنخل كانت باقية على أملاكهم ، وإنما شرط عليهم شطر ثمارهم جزية .

وعنه جوابان :

أحدهما : ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ملك أرضهم وكل صفراء وبيضاء ، ألا ترى أن عمر قال : يا رسول الله إني ملكت مائة سهم من خيبر وهو مال لم أصب قط مثله ، وقد أحببت أن أتقرب إلى الله تعالى به فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : حبس الأصل وسبل الثمرة .

والثاني : أن عمر - رضي الله عنه - أجلاهم عنها ، ولا يجوز أن يجليهم عن أملاكهم ، ثم يدل على جواز المساقاة إجماع الصحابة المنعقد عن سيرة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - في مساقاة أهل خيبر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتباعا له إلى أن حدث من إجلائهم ما حدث .

ثم الدليل من طريق المعنى هو أنها تنمى بالعمل عليها ، فإذا لم يجز إجارتها جاز العمل عليها ببعض نمائها كالدراهم ، والدنانير في القراض .

ثم الاستدلال بالقراض من وجهين :

أحدهما : ذكره أبو علي بن أبي هريرة أن الأمة مجمعة على جواز القراض ، وما انعقد الإجماع عليه فلا بد أن يكون حكمه مأخوذا عن توقيف ، أو اجتهاد يرد إلى أصل وليس في المضاربة توقيف نص عليه ، فلم يبق إلا اجتهاد أدى إلى إلحاقه بأصل ، وليس في المضاربة في الشرع أصل ترد إليه إلا المساقاة .

وإذا كانت المساقاة أصلا لفرع مجمع عليه كانت أحق بالإجماع عليه .

والثاني : ذكره أبو حامد الإسفراييني : وهو أنه لما جازت المضاربة إجماعا وكانت عملا على عوض مظنون من ربح مجوز كانت المساقاة أولى بالجواز ؛ لأنها عمل على عوض معتاد من ثمرة غالبة فأما الجواب عن نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر فمن وجهين أحدهما :

أن المساقاة ليست غررا ؛ لأن الغرر ما تردد بين جائزين على سواء ، أو بترجح الأخوف منهما ، والأغلب من الثمرة في المساقاة حدوثها في وقتها في العرف الجاري في مثلها .

والوجه الثاني : أن المساقاة وإن دخلت في عموم الغرر المنهي عنه فقد صارت مستثناة بالنص الوارد في إباحتها .

وأما الجواب عن قياسهم على المخابرة فهو أنه قياس يدفع إحدى السنتين بالأخرى ، ولو جاز أن نقيس المساقاة على المخابرة في المنع منها لجاز أن نقيس المخابرة على المساقاة في جوازها ولكن اتباع السنة فيما جاءت به من إجازة المساقاة وإبطال المخابرة أولى من أن ترد إحدى السنتين بالأخرى ثم الفرق بين المساقاة والمخابرة من وجهين .

[ ص: 360 ] أحدهما : أنه لما أمكن التوصل إلى منفعة الأرض بالإجارة لم تصح فيها المخابرة ، ولما لم يمكن التوصل إلى منفعة النخل بالإجارة صحت فيها المساقاة .

والثاني : أن النماء في النخل والكرم حادث بالعمل من تلقيح النخل وقطع الكرم فجاز أن يصح العمل فيها ببعض نمائها كالقراض ، وليس النماء في الأرض حادثا عن العمل وإنما هو حادث عن البذر المودع في الأرض فلم يصح العمل فيها ببعض النماء كالمواشي .

وأما الجواب عن قياسهم على البيع وأنه عقد على ما لم يخلق فهو أن العقد وقع على النخل المخلوقة وكانت الثمرة التي لم تخلق تبعا كالقراض الذي يعقد على مال موجود فيصح ويكون الربح المعدوم تبعا وليس كالبيع الذي صار العقد فيه مختصا بمعدوم لم يخلق .

وأما الجواب عن قياسهم على الإجارة إذا جعلت الأجرة فيها ثمرة لم تخلق فهو أن الإجارة لما صح عقدها على معلوم موجود لم يجز عقدها على معدوم ولا مجهول ، ولما لم يصح عقد المساقاة على موجود معلوم جاز عقدها على معدوم ومجهول ، وفرق آخر وهو أن العوض في الإجارة يملكه الأجير بعد أن استقر عليه ملك المستأجر فلم يصح أن يستأنف ملك مجهول بعوض ، وليس كذلك المساقاة ؛ لأن الثمرة تحدث على ملك العامل ورب المال فجاز أن تحدث في ملك مال مجهول ، ولهذا منعنا على الأصح أن تكون الثمرة أجرة فلم يصح لأجله الاستدلال بجهالة الأجرة وكان ذلك جوابا عنه .

وأما الجواب عن استدلالهم بما لا تصح فيه المساقاة من الشجر فيأتي الكلام فيه ما يكون فرقا وجوابا ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث