الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا هذا استئناف ثان بعد قوله سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا .

وهو أيضا إعلام للنبيء - صلى الله عليه وسلم - بما سيقوله المخلفون عن الحديبية يتعلق بتخلفهم عن الحديبية وعذرهم الكاذب ، وأنهم سيندمون على تخلفهم حين يرون اجتناء أهل [ ص: 167 ] 72 الحديبية ثمرة غزوهم ، ويتضمن تأكيد تكذيبهم في اعتذارهم عن التخلف بأنهم حين يعلمون أن هنالك مغانم من قتال غير شديد يحرصون على الخروج ولا تشغلهم أموالهم ولا أهاليهم ، فلو كان عذرهم حقا لما حرصوا على الخروج إذا توقعوا المغانم ولأقبلوا على الاشتغال بأموالهم وأهليهم .

ولكون هذه المقالة صدرت منهم عن قريحة ورغبة لم يؤت معها بمجرور لك كما أتي به في قوله سيقول لك المخلفون آنفا لأن هذا قول راغب صادق غير مزور لأجل الترويج على النبيء - صلى الله عليه وسلم - كما علمت ذلك فيما تقدم .

واستغني عن وصفهم بأنهم من الأعراب لأن تعريف المخلفون تعريف العهد ، أي المخلفون المذكورون .

وقوله إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها متعلق بـ سيقول المخلفون وليس هو مقول القول .

و ( إذا ) ظرف للمستقبل ، ووقوع فعل المضي بعده دون المضارع مستعار لمعنى التحقيق ، و ( إذا ) قرينة على ذلك لأنها خاصة بالزمن المستقبل .

والمراد بالمغانم في قوله إذا انطلقتم إلى مغانم : الخروج إلى غزوة خيبر فأطلق عليها اسم مغانم مجازا لعلاقة الأول ، مثل إطلاق خمرا في قوله إني أراني أعصر خمرا . وفي هذا المجاز إيماء إلى أنهم منصورون في غزوتهم .

وأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من الحديبية إلى المدينة أقام شهر ذي الحجة سنة ست وأياما من محرم سنة سبع ثم خرج إلى غزوة خيبر ورام المخلفون عن الحديبية أن يخرجوا معه فمنعهم لأن الله جعل غزوة خيبر غنيمة لأهل بيعة الرضوان خاصة إذ وعدهم بفتح قريب .

وقوله " لتأخذوها " ترشيح للمجاز وهو إيماء إلى أن المغانم حاصلة لهم لا محالة .

وذلك أن الله أخبر نبيئه - صلى الله عليه وسلم - أنه وعد أهل الحديبية أن يعوضهم عن عدم دخول مكة مغانم خيبر .

[ ص: 168 ] و " مغانم " : جمع مغنم وهو اسم مشتق من غنم إذا أصاب ما فيه نفع له كأنهم سموه مغنما باعتبار تشبيه الشيء المغنوم بمكان فيه غنم فصيغ له وزن المفعل .

وأشعر قوله " ذرونا " بأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - سيمنعهم من الخروج معه إلى غزو خيبر لأن الله أمره أن لا يخرج معه إلى خيبر إلا من حضر الحديبية ، وتقدم في قوله - تعالى - وقال فرعون ذروني أقتل موسى في سورة غافر .

وقوله " نتبعكم " حكاية لمقالتهم وهو يقتضي أنهم قالوا هذه الكلمة استنزالا لإجابة طلبهم بأن أظهروا أنهم يخرجون إلى غزو خيبر كالأتباع ، أي أنهم راضون بأن يكونوا في مؤخرة الجيش فيكون حظهم في مغانمه ضعيفا .

وتبديل كلام الله : مخالفة وحيه من الأمر والنهي والوعد كرامة للمجاهدين وتأديبا للمخلفين عن الخروج إلى الحديبية . فالمراد بكلام الله ما أوحاه إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - من وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر خاصة لهم ، وليس المراد بكلام الله هنا القرآن إذ لم ينزل في ذلك قرآن يومئذ . وقد أشرك مع أهل الحديبية من ألحق بهم من أهل هجرة الحبشة الذين أعطاهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - بوحي .

وأما ما روي عن عبد الله بن زيد بن أسلم أن المراد بكلام الله قوله - تعالى - فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا فقد رده ابن عطية بأنها نزلت بعد هذه السورة وهؤلاء المخلفون لم يمنعوا منعا مؤبدا بل منعوا من المشاركة في غزوة خيبر لئلا يشاركوا في مغانمها فلا يلاقي قوله فيها لن تخرجوا معي أبدا وينافي قوله في هذه السورة قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم الآية ، فإنها نزلت في غزوة تبوك وهي بعد الحديبية بثلاث سنين .

وجملة يريدون أن يبدلوا كلام الله في موضع الحال .

والإرادة في قوله يريدون أن يبدلوا كلام الله على حقيقتها لأنهم سيعلمون حينئذ يقولون : ذرونا نتبعكم أن الله أوحى إلى نبيئه - صلى الله عليه وسلم - بمنعهم من المشاركة في فتح خيبر كما دل عليه تنازلهم في قولهم " ذرونا نتبعكم " فهم يريدون حينئذ أن [ ص: 169 ] يغيروا ما أمر الله به رسوله حين يقولون " ذرونا نتبعكم " إذ اتباع الجيش والخروج في أوله سواء في المقصود من الخروج .

وقرأ الجمهور " كلام الله " . وقرأه حمزة والكسائي وخلف " كلم الله " اسم جمع كلمة .

وجيء بـ ( لن ) المفيدة تأكيد النفي لقطع أطماعهم في الإذن لهم باتباع الجيش الخارج إلى خيبر ولذلك حذف متعلق " تتبعونا " للعلم به . و " من قبل " تقديره : من قبل طلبكم الذي تطلبونه وقد أخبر الله عنهم بما سيقولونه إذ قال فسيقولون بل تحسدوننا ، وقد قالوا ذلك بعد نحو شهر ونصف فلما سمع المسلمون المتأهبون للخروج إلى خيبر مقالتهم قالوا : قد أخبرنا الله في الحديبية بأنهم سيقولون هذا .

و ( بل ) هنا للإضراب عن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - " لن تتبعونا " وهو إضراب إبطال نشأ عن فورة الغضب المخلوط بالجهالة وسوء النظر ، أي ليس بكم الحفاظ على أمر الله ، بل بكم أن لا نقاسمكم في المغانم حسدا لنا على ما نصيب من المغانم .

والحسد : كراهية أن ينال غيرك خيرا معينا أو مطلقا سواء كان مع تمني انتقاله إليك أو بدون ذلك ، فالحسد هنا أريد به الحرص على الانفراد بالمغانم وكراهية المشاركة فيها لئلا ينقص سهام الكارهين .

وتقدم الحسد عند قوله - تعالى - بغيا أن ينزل الله من فضله وعند قوله حسدا من عند أنفسهم كلاهما في سورة البقرة .

وضمير الرفع مراد به أهل الحديبية ، نسبوهم إلى الحسد لأنهم ظنوا أن الجواب بمنعهم لعدم رضا أهل الحديبية بمشاركتهم في المغانم . ولا يظن بهم أن يريدوا بذلك الضمير شمول النبيء - صلى الله عليه وسلم - لأن المخلفين كانوا مؤمنين لا يتهمون النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالحسد ولذلك أبطل الله كلامهم بالإضراب الإبطالي فقال بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ، أي ليس قولك لهم ذلك لقصد الاستبشار بالمغانم لأهل الحديبية ولكنه أمر الله وحقه لأهل الحديبية وتأديب للمخلفين ليكونوا عبرة لغيرهم فيما [ ص: 170 ] يأتي وهم ظنوه تمالؤا من جيش الحديبية لأنهم لم يفهموا حكمته وسببهم .

وإنما نفى الله عنهم الفهم دون الإيمان لأنهم كانوا مؤمنين ولكنهم كانوا جاهلين بشرائع الإسلام ونظمه .

وأفاد قوله لا يفقهون انتفاء الفهم عنهم لأن الفعل في سياق النفي كالنكرة في سياق النفي يعم ، فلذلك استثنى منه بقوله " إلا قليلا " أي إلا فهما قليلا وإنما قلله لكون فهمهم مقتصرا على الأمور الواضحة من العاديات لا ينفذ إلى المهمات ودقائق المعاني ، ومن ذلك ظنهم حرمانهم من الالتحاق بجيش غزوة خيبر منبعثا على الحسد .

وقد جروا في ظنهم هذا على المعروف من أهل الأنظار القاصرة والنفوس الضئيلة من التوسم في أعمال أهل الكمال بمنظار ما يجدون من دواعي أعمالهم وأعمال خلطائهم .

و " قليلا " وصف للمستثنى المحذوف ، والتقدير : إلا فقها قليلا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث