الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 241 - 246 ] كتاب البيوع [ ص: 247 - 248 ] قال ( البيع ينعقد بالإيجاب والقبول [ ص: 249 ] إذا كانا بلفظي الماضي ) مثل أن يقول أحدهما بعت والآخر اشتريت ; لأن البيع إنشاء تصرف ، والإنشاء يعرف بالشرع والموضوع للإخبار قد استعمل فيه فينعقد به . ولا ينعقد بلفظين أحدهما لفظ المستقبل والآخر لفظ الماضي ، [ ص: 250 ] بخلاف النكاح ، وقد مر الفرق هناك . [ ص: 251 ] وقوله رضيت بكذا أو أعطيتك بكذا أو خذه بكذا في معنى قوله بعت واشتريت ; لأنه يؤدي معناه ، والمعنى هو المعتبر في هذه العقود ، [ ص: 252 ] ولهذا ينعقد بالتعاطي في النفيس والخسيس هو الصحيح لتحقق المراضاة .

التالي السابق


كتاب البيوع

عرف أن مشروعات الشارع منقسمة إلى حقوق الله تعالى خالصة ، وحقوق العباد خالصة ، وما اجتمع فيه الحقان وحقه تعالى غالب . وما اجتمعا فيه وحق العباد غالب . فحقوقه تعالى عبادات وعقوبات وكفارات ، [ ص: 247 ] فابتدأ المصنف بحقوق الله تعالى الخالصة وغيرها حتى أتى على آخر أنواعها ، ثم شرع في حقوق العباد وهي المعاملات ، ثم في ترتيب خصوص بعض الأبواب على بعض مناسبات خاصة ذكرت في مواضعها ، ووقع في آخرها ترتيب أول أقسام حقوق العباد : أعني البيع على الوقف . ووجهه أن الوقف إذا صح خرج المملوك عن ملك الواقف لا إلى مالك . وفي البيع إلى مالك فنزل الوقف في ذلك منزلة البسيط من المركب ، والبسيط مقدم على المركب في الوجود فقدمه في التعليم ، هكذا ذكر . ولا يخفى شروعه في المعاملات من زمان ، فإن ما تقدم من اللقطة واللقيط والمفقود والشركة من المعاملات . ثم البيع مصدر ; فقد يراد به المفعول فيجمع باعتباره كما يجمع المبيع ، وقد يراد به المعنى وهو الأصل فجمعه باعتبار أنواعه ، فإن البيع يكون سلما وهو بيع الدين بالعين ، وقلبه وهو البيع المطلق ، وصرفا وهو بيع الثمن بالثمن ، ومقابضة وهو بيع العين بالعين وبخيار ومنجز أو مؤجل الثمن ، ومرابحة وتولية ووضيعة وغير ذلك . والبيع من الأضداد ، يقال باعه : إذا أخر العين عن ملكه إليه ، وباعه : أي اشتراه ، ويتعدى بنفسه وبالحرف ، باع زيد الثوب وباعه منه . وأما مفهومه لغة وشرعا فقال فخر الإسلام : البيع لغة : مبادلة المال بالمال ، وكذا في الشرع ، لكن زيد فيه قيد التراضي ا هـ .

والذي يظهر أن التراضي لا بد منه لغة أيضا ، فإنه لا يفهم من باعه وباع زيد عبده إلا أنه استبدل به بالتراضي ، وأن الأخذ غصبا وإعطاء شيء آخر من غير تراض لا يقول فيه أهل اللغة باعه . وشرعية البيع بالكتاب وهو قوله تعالى { وأحل الله البيع } والسنة وهي قوله عليه الصلاة والسلام { يا معشر التجار إن بيعكم هذا يحضره اللغو والكذب فشوبوه بالصدقة } وبعث عليه الصلاة والسلام والناس يتبايعون فقررهم عليه .

والإجماع منعقد عليه . وسبب شرعيته تعلق البقاء المعلوم فيه لله تعالى على وجه جميل ، وذلك أن الإنسان لو استقل بابتداء بعض حاجاته من حرث الأرض ثم بذر القمح وخدمته وحراسته وحصده ودراسته ثم تذريته ثم تنظيفه وطحنه بيده وعجنه وخبزه لم يقدر على مثل ذلك ، وفي الكتان والصوف للبسه وبناء ما يظله من الحر والبرد إلى غير ذلك ، فلا بد من أن تدفعه الحاجة إلى أن يشتري [ ص: 248 ] شيئا ويبتدئ مزاولة شيء ، فلو لم يشرع البيع سببا للتمليك في البدلين لاحتاج أن يؤخذ على التغالب والمقاهرة أو السؤال والشحاذة أو يصبر حتى يموت وفي كل منها ما لا يخفى من الفساد .

وفي الثاني من الذل والصغار ما لا يقدر عليه كل أحد ويزري بصاحبه . فكان في شرعيته بقاء المكلفين المحتاجين ودفع حاجتهم على النظام الحسن . وشرطه في المباشر : التمييز والولاية الشرعية الكائنة عن ملك أو وكالة أو وصية أو قرابة وغير ذلك . فيصح بيع الصبي والمعتوه اللذين يعقلان البيع وأثره . وفي المبيع كونه مالا متقوما شرعا مقدور التسليم في الحال أو في ثاني الحال فيدخل السلم وقد قالوا شروطه : منها شرط الانعقاد وهو التمييز والولاية وكون المبيع متقوما . ومنها شرط النفاذ وهو الملك والولاية ، حتى إذا باع ملك غيره توقف النفاذ على الإجازة ممن له الولاية .

وأما ركنه فالفعل المتعلق بالبدلين من المتخاطبين أو من يقوم مقامهما الدال على الرضا بتبادل الملك فيهما وهذا مفهوم الاسم شرعا . وقد يكون ذلك لفظ الفعل قولا ، وقد يكون فعلا غير قول كما في التعاطي كما سيأتي ، وقد يكون الرضا ثابتا ، وقد لا يكون فإن لفظ بعت مثلا ليس علة لثبوت الرضا بل أمارة عليه . فقد يتحقق مع انتفائه كالغيم الرطب للمطر ، فكذا يتحقق بعت واشتريت ولا رضا كما في المكره ، وهذا على ما اخترناه من أن حقيقة التراضي ليس جزء مفهوم البيع الشرعي بل شرط ثبوت حكمه شرعا .

( قوله البيع ينعقد بالإيجاب والقبول ) يعني إذا سمع كل كلام الآخر . ولو قال البائع لم أسمعه وليس به وقد سمعه من في المجلس لا يصدق ، ثم المراد بالبيع هنا المعنى الشرعي الخاص المعلوم حكمه .

وإنما قلنا هذا ; لأنه قال ينعقد الإيجاب والقبول فجعلهما غيره يثبت هو بهما مع أن البيع ليس إلا الإيجاب والقبول ; لأنهما ركناه على ما حققناه آنفا من أن ركنه الفعل الدال إلى آخره . هذا ولكن الظاهر أن المراد بالبيع هنا ليس إلا نفس حكمه لا معنى له ذلك الحكم ، وما قيل البيع عبارة عن معنى شرعي يظهر في المحل عند الإيجاب والقبول حتى يكون العاقد قادرا على التصرف ليس غير الحكم الذي هو الملك ; لأنه هو الذي يثبت به قدرة التصرف .

فالمتحقق من الشرع ليس إلا ثبوت الحكم المعلوم من تبادل الملكين عند وجود الفعلين : أعني الشطرين بوضعهما سببا له شرعا ، وليس هنا شيء ثالث ، فالملك هو قدرة يثبتها الشارع ابتداء على التصرف فخرج نحو الوكيل . فإذا امتنع أن يراد الفعل الخاص لزم الآخر . والإيجاب لغة الإثبات لأي شيء كان ، والمراد هنا إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أولا سواء وقع من البائع كبعت أو من المشتري كأن يبتدئ المشتري فيقول اشتريت هذا بألف والقبول الفعل الثاني ، وإلا فكل منهما إيجاب ، أي إثبات ، فسمي الإثبات الثاني بالقبول تمييزا له عن الإثبات الأول ، ولأنه يقع قبولا ورضا بفعل الأول ، وحيث لم تصح إرادة اللفظين بالبيع بل حكمهما وهو الملك في البدلين وجب أن يراد بقوله ينعقد يثبت : أي الحكم فإن الانعقاد إنما هو للفظين لا للملك [ ص: 249 ] أي انضمام أحدهما إلى الآخر على وجه يثبت أثره الشرعي ، وقولنا في القبول إنه الفعل الثاني يفيد كونه أعم من اللفظ وهو كذلك ، فإن من الفروع ما لو قال كل هذا الطعام بدرهم فأكله تم البيع وأكله حلال والركوب واللبس بعد قول البائع اركبها بمائة والبسه بكذا رضا بالبيع ، وكذا إذا قال بعتكه بألف فقبضه ، ولم يقل شيئا كان قبضه قبولا ، بخلاف بيع التعاطي فإنه ليس فيه إيجاب بل قبض بعد معرفة الثمن فقط وسيأتي ، ففي جعل مسألة القبض بعد قوله بعتك بألف من صور التعاطي كما فعل بعضهم نظر . وفي فتاوى قاضي خان قال : اشتريت منك هذا بكذا فتصدق به على هؤلاء ففعل البائع قبل أن يتفرقا جاز ، وكذا اشتريت منك هذا الثوب بكذا فاقطعه لي قميصا فقطعه قبل التفرق .

وقوله ( إذا كانا بلفظ الماضي مثل أن يقول أحدهما بعت والآخر اشتريت ) قال المصنف ( لأن البيع إنشاء تصرف ) أي إثبات تصرف يفيد حكما يثبت جبرا ( والإنشاء ) على هذا الوجه لا ( يعرف ) إلا ( بالشرع ) لما فيه من إثبات معنى يكون اللفظ علة له ، والعبد لا يقدر على ذلك إنما له قدرة الإخبار عن الكائن أو ما سيكون وطلبه ، فقولهم من الإنشاء التمني والترجي والقسم والاستفهام اصطلاح في تسمية ما لا خارج لمعناه يطابقه أو لا يطابقه إنشاء ، وهو يعم ما ذكر وغيره مما يباينه ; ألا ترى أن لفظ لعل زيدا يأتي وليت لي مالا ليس علة لترجي ذلك أو تمنيه بل دال على الترجي والتمني القائمين بالمتكلم كأنه أخبر عن قيامهما به ، غير أن أهل الاصطلاح لا يسمونه إخبارا لما قلنا ، بخلاف بعت وطالق فإنه علة تثبت به شرعا معان لا قدرة للمتكلم على إثباتها .

والحاصل أن الإنشاء على هذا الوجه لا يمكن إلا ممن له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين سواء سمي غيره إنشاء اصطلاحا أو لا ، وإذا كان الإنشاء لا يعرف إلا بالشرع ، ولم يوضع له في اللغة لفظ يخصه . والشرع استعمل في إثباته من اللغة لفظ الخبر : أي وضعه علة لإثباته تعالى ذلك المعنى عنده فينعقد : أي يثبت به . وأما تعليله بأن لفظ الماضي أدل على الوجود فإنه لا يصدق إلا بتحقق الوجود سابقا فاختير له فربما يعطى قصر العلية عليه وليس كذلك ، بل الوجه أنه تعليل أولوية لفظ الماضي بأن يستعمل فيه من غيره فإنه لا يقتصر عليه كما ستسمع ( قوله ولا ينعقد بلفظين أحدهما لفظ المستقبل ، [ ص: 250 ] بخلاف النكاح ) فإنه إذا قال زوجني فقال زوجتك ينعقد بمجرد ذلك ، أما البيع فإذا قال بعنيه بألف فقال بعتك لا ينعقد حتى يقول الأول اشتريت ونحوه ، وهذا ونحوه مما قال الطحاوي إنه ينعقد بثلاثة ألفاظ . قال ( وقد مر الفرق هناك ) يعني قوله ; لأن هذا توكيل : يعني زوجني ، فإذا قال زوجتك كان ممتثلا أمر الموكل مزوجا له ووليا لمن زوجها والواحد يتولى طرفي عقد النكاح ، بخلاف البيع .

وقدمنا من قال إن لفظة الأمر في النكاح جعلت إيجابا ; لأن النكاح لا يصرح بالخطبة فيه ، وطلبه إلا بعد مراجعات وتأمل واستخارة غالبا فلا يكون لفظ طلبه : أعني زوجني مساومة بل تحقيقا فاعتبر إيجابا . بخلاف البيع لا يكون مسبوقا بمثل ذلك فكان الأمر فيه مساومة فلا يتم العقد بمجرد جواب الآخر ، وعلى هذا لا يتم فرق المصنف ; لأنه مبني على كونه توكيلا . وأما الفرق بأن رد النكاح بعد إيجابه يلحق الشين بالأولياء ، بخلاف رد البيع فمبني على جعل الأمر فيه إيجابا . ثم فيه نظر ; لأنه لو صح لزم امتناع رجوعه بعد قوله زوجني بنتك قبل قوله زوجتك ; لأنه أيضا شين وانكسار يلحقهم .

وهذه ثمانية مواضع : منها البيع ، والإقالة لا يكتفى بالأمر فيهما عن الإيجاب . ومنها النكاح والخلع يقع فيهما إيجابا . الخامسة إذا قال لعبده اشتر نفسك مني بألف فقال فعلت عتق . السادسة في الهبة قال هب لي هذا فقال وهبته منك تمت الهبة . السابعة قال لصاحب الدين أبرئني عما لك علي من الدين فقال أبرأتك تمت البراءة . الثامنة الكفالة قال اكفل بنفس فلان لفلان قال كفلت تمت الكفالة ، فإذا كان غائبا فقدم وأجاز كفالته جاز . واعلم أن عدم الانعقاد بالمستقبل هو إذا لم يتصادقا على نية الحال ، أما إذا تصادقا على نية البيع في الحال فينعقد به في القضاء ; لأن صيغة الاستقبال تحتمل الحال فيثبت بالنية .

ذكره في التحفة في صفة الاستقبال مطلقا . وفي الكافي قصر الكلام على المضارع فقال : الصحيح ما ذكره الطحاوي ; لأن المضارع في الأصل [ ص: 251 ] موضوع للحال ووقوعه في الاستقبال نوع تجوز ا هـ . وعلى هذا ينبغي أن يقبل قوله إذا ادعاه وكذبه الآخر ; لأنه حقيقة اللفظ ، بخلاف المستقبل وهو الأمر ، فلو ادعى في قوله يعني أنه أراد معنى اشتريته بكذا ينبغي أن لا يصدقه القاضي ; مثال ذلك أن يقول : أبيع منك هذا بكذا أو أعطيكه فقال اشتريته أو آخذه ونويا الإيجاب للحال ، والحق أن المراد بالمستقبل الذي ينعقد به بنية الحال هو المضارع وتسميته مستقبلا على أحد القولين ، وإلا فالمختار أنه موضوع للحال ، وأما الأمر فلا يوجد في شيء من الكتب التمثيل به لذلك مع أنه هو المستقبل في الحقيقة ، وذلك لأنه إنشاء وبينه وبين الإخبار كمال انقطاع فلا يتجوز به فيه ، فلا يقال بعنيه والمراد اشتريته فلا ينعقد به إلا في قوله خذه بكذا فينعقد لثبوته الإيجاب اقتضاء ، ومثل الأمر المضارع المقرون بالسين نحو سأبيعك فلا يصح بيعا ولا يتجوز به في معنى بعتك في الحال .

فإن ذكر السين يناقض إرادة الحال . واعلم أن كون الواحد لا يتولى طرفي العقد في البيع مخصوص منه الأب يشتري مال ابنه لنفسه أو يبيع ماله منه ، والوصي عند أبي حنيفة إذا اشترى لليتيم من نفسه أو لنفسه منه بشرطه المعروف في باب الوصية ، وقيده في نظم الزندويستي بما إذا لم يكن نصبه القاضي ( قوله وقوله رضيت ) هذا بدرهم فقال بعتكه ، وقال اشتريته بدرهم فقال رضيت أو قال بعتكه بكذا فقال فعلت أو أجزت أو أخذت كل هذه الألفاظ من قبل البائع أو المشتري يتم بها البيع لإفادتها إثبات المعنى والرضا به ، وكذا لفظة خذه بكذا ينعقد به إذا قبل بأن قال أخذته ونحوه ; لأنه وإن كان مستقبلا لكن خصوص مادته : أعني الأمر بالأخذ يستدعي سابقة البيع فكان كالماضي ، إلا أن استدعاء الماضي سبق البيع بحسب الوضع واستدعاء خذه سبقه بطريق الاقتضاء ، فهو كما إذا قال بعتك عبدي هذا بألف فقال فهو حر عتق ، ويثبت اشتريت اقتضاء ، بخلاف ما لو قال هو حر بلا فاء لا يعتق . وإنما صح بهذه ونحوها ( لأنها تؤدي معنى البيع ، والمعنى هو المعتبر في هذه العقود ) ألا يرى إلى ما قالوا لو قال : وهبتك أو وهبت لك هذه الدار أو هذا العبد بثوبك هذا فرضي فهو بيع بالإجماع .

قالوا : إنما قال في هذه العقود احتراز عن الطلاق والعتاق فإن اللفظ فيهما يقام مقام المعنى ، وأنت تعلم أن إقامة اللفظ مقام المعنى أثر في ثبوت حكمه بلا نية ليس غير ، فإذا فارقت هذه العقود ذلك اقتضى أن لا يثبت بمجرد اللفظ بلا نية فلا يثبت بلفظ البيع حكمه إلا إذا أراده به ، وحينئذ فلا فرق بين بعت وأبيع في توقف الانعقاد به على النية ولذا لا ينعقد بلفظ بعت هزلا فلا معنى لقوله ينعقد بلفظ الماضي ولا ينعقد بالمستقبل ، ثم تقييده بما إذا لم ينو به فإنه ينعقد به في الماضي وغيره بالنية ، ولا ينعقد بالماضي وغيره بلا نية ومن الصور [ ص: 252 ] لفظة نعم تقع إيجابا في قول المستفهم أتبيعني عبدك بألف ؟ فقال نعم فقال أخذته فهو بيع لازم ، وكذا أبيعك . ومنها اشتريته منك بألف فقال نعم أو هات الثمن انعقد ، وكذا إذا قال هذا عليك بألف فقال فعلت ; ولو قال هو لك بألف إن وافقك أو إن أعجبك ، أو إن أردت فقال وافقني أو أعجبني أو أردت انعقد ، ولو قال بعتكه بكذا بعد وجود مقدمات البيع فقال اشتريت ، ولم يقل منك صح ، وكذا على العكس ، وكذا إذا قال بعد معرفة الثمن إن أديت ثمنه فقد بعته منك فأدى في المجلس جاز استحسانا . [ فروع :

في اختلاف الإيجاب والقبول ] قال بعتكه بألف فقال اشتريته بألفين جاز ، فإن قبل البائع الزيادة ثم بألفين والأصح بألف إذ ليس له ولاية إدخال الزيادة في ملكه بلا رضاه ; ولو قال اشتريته بألفين فقال البائع بعتكه بألف جاز كأنه قبل بألفين وحط عنه ألفا ، ولو ساومه بعشرة فقال بعشرين فقبضه من يده ، ولم يمنعه لزم بعشرة ، فلو كان في يد المشتري من أول الأمر فذهب به والباقي بحاله فبعشرين عندهم جميعا . وقال الطحاوي : يلزم بآخرهم كلاما مطلقا . ولو قال بعتك بألف بعتكه بألفين فقال قبلت الأول بألف لم يجز ; لأن البائع قد رجع عنه ، وليس هكذا في الطلاق والعتاق ، فإن قال قبلت البيعين جميعا بثلاثة آلاف فهو كقوله قبلت الآخر بثلاثة آلاف : يعني يكون البيع بألفين والألف زيادة إن شاء قبلها في المجلس وإن شاء ردها ، وكذا بألف بمائة دينار إنما يلزمه الثاني ، وقيل يلزمه الثمنان والأول في الزيادات وهو أوجه ، وإذا قبل الزيادة في المجلس لزم المشتري ( قوله ولهذا ينعقد ) أي ولأن المعتبر هو المعنى ينعقد ( بالتعاطي في النفيس والخسيس ) قيل النفيس نصاب السرقة فصاعدا والخسيس ما دونه ( وقوله هو الصحيح ) احتراز من قول الكرخي إنه إنما ينعقد بالتعاطي في الخسيس فقط ، وأراد بالخسيس الأشياء المحتقرة كالبقل والرغيف والبيض والجوز استحسانا للعادة .

قال أبو معاذ : رأيت سفيان الثوري جاء إلى صاحب الرمان فوضع عنده فلسا ، وأخذ رمانة ولم يتكلم ومضى . وجه الصحيح أن المعنى وهو دلالة على التراضي يشمل الكل وهو الصحيح فلا معنى للتفصيل . وفي الإيضاح : هو خلاف ما ذكره محمد في الأصل في مواضع ا هـ . وفي شرح الجامع الصغير لفخر الإسلام في رجل قال لرجل : بعني هذا العبد لفلان فاشتراه له ، ثم أنكر أن يكون فلان أمره بذلك ، ثم جاء فلان فقال أنا أمرته ، قال يأخذه فلان ، فإن قال لم آمره ، وقد كان اشتراه له لم يكن له إلا أن يسلمه المشتري له ، فإن سلمه وأخذه الذي اشتراه له كان بيعا للذي أخذه من المشتري وكأن العهدة عليه : أي للآخذ على المشتري فدل على صحة التعاطي في النفيس .

وفي المنتقى : له على آخر ألف درهم فقال الذي عليه المال للذي له المال أعطيتك بمالك دنانير فساومه بالدنانير ، ولم يقع بيع ثم فارقه فجاءه بها فدفعها إليه يريد الذي كان ساوم عليه ، ثم فارقه ولم يستأنف بيعا جاز هذه الساعة ، وكذا لو ساوم رجلا بشيء وليس معه وعاء ، ثم فارقه وجاء بالوعاء فأعطاه الثمن وكال له جاز .

ومن صوره إذا جاء المودع بأمة غير المودعة [ ص: 253 ] وقال : هذه أمتك والمودع يعلم أنها ليست إياها ، وحلف فأخذها حل الوطء للمودع وللأمة . وعن أبي يوسف لو قال للخياط ليست هذه بطانتي فحلف الخياط أنها هي وسعه أخذها ، ومنها قول الدلال للبزاز هذا الثوب بدرهم فقال ضعه .

وفي أجناس الناطفي : لو قال بكم تبيع قفيز حنطة فقال بدرهم فقال اعزله فعزله فهو بيع . وكذا لو قال للقصاب مثله فوزنه وهو ساكت فهو بيع . حتى لو امتنع القصاب من دفع الثمن وأخذ اللحم ، أو امتنع القصاب من دفع اللحم أجبرهما القاضي . وكذا إذا قال زن لي ما عندك من اللحم على حساب ثلاثة أرطال بدرهم فوزن . بخلاف ما لو قال زن لي ثلاثة أرطال فوزنها له الخيار لأنه ليس بمعلوم ، بخلاف ما لو قال من هذا الجنب ومن هذا الفخذ ، وكذا قوله لمن جاء بوقر بطيخ فيه الكبار والصغار بكم عشرة من هذه فقال بدرهم فعزل عشرة ، واختارها فذهب بها والبائع ينظر ، أو عزل البائع عشرة فقبلها المشتري تم البيع . واختلف في أن قبض البدلين شرط في بيع التعاطي أو أحدهما كاف ، والصحيح الثاني .

ونص محمد رحمه الله على أن بيع التعاطي يثبت بقبض أحد البدلين وهذا ينتظم الثمن والمبيع . ونصه في الجامع على أن تسليم المبيع يكفي لا ينفي الآخر . ومنها لو رد بخيار العيب ، والبائع متيقن أنها ليست له فأخذها ورضي فهو بيع بالتعاطي

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث