الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

ثم الكلام في الاستخلاف .

في مواضع : أحدها في جواز الاستخلاف في الجملة ، والثاني في شرائط جوازه ، والثالث في بيان حكم الاستخلاف .

أما الأول فقد اختلف العلماء فيه قال علماؤنا : يجوز ، وقال الشافعي : لا يجوز ويصلي القوم وحدانا بلا إمام .

وجه قوله أنه لا ولاية للإمام إذ هو في نفسه بمنزلة المنفرد فلا يملك النقل إلى غيره وكذا القوم لا يملكون النقل وإنما تثبت الإمامة لا بتفويض منهم بل باقتدائهم به ولم يوجد الاقتداء بالثاني ; لأن الاقتداء بالتكبيرة وهي منعدمة في حق الثاني بخلاف الإمامة الكبرى ; لأنها عبارة عن ولايات تثبت له شرعا بالتفويض والبيعة كما يثبت للوكيل والقاضي فيقبل التمليك والعزل لنا ما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إذا صلى أحدكم فقاء أو رعف في صلاته فليضع يده على فمه وليقدم من لم يسبق بشيء من صلاته ولينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم } .

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { لما أمر أبا بكر رضي الله عنه أن يصلي بالناس وجد في نفسه خفة فخرج يهادى بين اثنين وقد افتتح أبو بكر الصلاة فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخر وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم وافتتح القراءة من الموضع الذي انتهى إليه أبو بكر } وإنما تأخر ; لأنه عجز عن المضي لكون المضي من باب التقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } فصار هذا أصلا في حق كل إمام عجز عن الإتمام أن يتأخر ويستخلف غيره ، وعن عمر رضي الله عنه أنه سبقه الحدث فتأخر وقدم رجلا ، وعن عثمان رضي الله عنه مثله ; ولأن بهم حاجة إلى تمام صلاتهم بالإمام وقد التزم الإمام ذلك فإذا عجز عن الوفاء بما التزم بنفسه يستعين بمن يقدر عليه نظرا لهم كي لا تبطل عليهم الصلاة بالمنازعة .

وأما قوله : إن الإمام لا ولاية له فليس كذلك بل له ولاية المتبوعية في هذه الصلاة وأن لا تصح صلاتهم إلا بناء على صلاته وأن يقرأ فتصير قراءته قراءة لهم فإذا عجز عن الإمامة بنفسه ملك النقل إلى غيره فأشبه الإمامة الكبرى على أن هذا من باب الخلافة لا من باب التفويض والتمليك فإن الثاني يخلف الأول في بقية صلاته كالوارث يخلف الميت فيما بقي من أمواله والخلافة لا تفتقر إلى الولاية والأمر بل شرطها العجز ، وإنما التقديم من الإمام للتعيين كي لا تبطل بالمنازعة حتى إنه لو لم يبق خلفه إلا رجل واحد يصير إماما وإن لم يعينه ولا فوض إليه ، وكذا التقديم من القوم للتعيين دون التفويض فصار كالإمامة الكبرى فإن البيعة للتعيين لا للتمليك .

ألا ترى أن الإمام يملك أمورا لا تملكها الرعية وهي إقامة الحدود فكذا هذا فإن لم يستخلف الإمام واستخلف القوم رجلا جاز ما دام الإمام في المسجد ; لأن الإمام لو استخلف كان سعيه للقوم نظرا لهم كي لا تبطل عليهم الصلاة فإذا فعلوا بأنفسهم جاز كما في الإمامة الكبرى لو لم يستخلف الإمام غيره ومات واجتمع أهل الرأي والمشورة ونصبوا من يصلح للإمامة جاز ; لأن الأول لو فعل فعل لهم فجاز لهم أن يفعلوا لأنفسهم لحاجتهم إلى ذلك كذا هذا ، ولو تقدم واحد من القوم من غير استخلاف الإمام وتقديم القوم والإمام في المسجد جاز أيضا ; لأن به حاجة إلى صيانة صلاته ولا طريق لها عند امتناع الإمام عن الاستخلاف والقوم عن التقديم إلا ذلك ولأن القوم لما ائتموا به فقد رضوا بقيامه مقام الأول فجعل كأنهم قدموه ، ولو قدم الإمام أو القوم رجلين فإن وصل أحدهما [ ص: 225 ] إلى موضع الإمامة قبل الآخر تعين هو للإمامة .

وجازت صلاته وصلاة من اقتدى به وفسدت صلاة الثاني وصلاة من اقتدى به ; لأن الأول لما تقدم بتقديم من له ولاية لتقديم قام مقام الأول وصار إماما للكل كالأول فصار الإمام الثاني ومن اقتدى به منفردين عمن صار إماما لهم ففسدت صلاتهم لما مر من الفقه ، وإن وصلا معا فإن اقتدى القوم بأحدهما تعين هو للإمامة وإن اقتدوا بهما جميعا بعضهم بهذا وبعضهم بذاك فإن استوت الطائفتان فسدت صلاتهم جميعا ; لأن الأمر لا يخلو إما أن يقال : لم يصح استخلاف كل واحد من الفريقين لمكان التعارض فبطلت إمامتهما وفسدت صلاة الكل لخروج الإمام الأول عن المسجد من غير خليفة للقوم ولأدائهم الصلاة منفردين في حال وجوب الاقتداء ، وإما أن يقال : صح تقديم كل واحد منهما لعدم ترجيح الفريقين الآخر عليه فجعل في حق كل فريق كأن ليس معهم غيرهم فحينئذ يصير إمام كل طائفة إماما للكل كإمام أكثر الطائفتين عند التفاوت وعدم الاستواء فحينئذ يجب على إمام كل طائفة ومن تابعه الاقتداء بالآخر فإن لم يقتدوا جعلوا منفردين أو أن وجوب الاقتداء وإن اقتدوا أدوا صلاة واحدة في حالة واحدة بإمامين وذلك مما لم يرد به الشرع فلم يجز .

ولو كانت الطائفتان على التفاوت فإن اقتدى جماعة القوم بأحد الإمامين إلا رجل أو رجلان اقتديا بالثاني فصلاة من اقتدى به الجماعة صحيحة وصلاة الآخر ومن اقتدى به فاسدة ; لأنهما لما وصلا معا وقد تعذر أن يكونا إمامين فلا بد من الترجيح وأمكن الترجيح بالكثرة نصا واعتبارا ، أما النص فقول النبي صلى الله عليه وسلم { يد الله مع الجماعة } ، وقوله { من شذ شذ في النار } ، وقوله { كدر الجماعة خير من صفو الفرقة } .

وأما الاعتبار فهو الاستدلال بالإمامة الكبرى حتى قال عمر رضي الله عنه في الشورى : إن اتفقوا على شيء وخالفهم واحد فاقتلوه ، وإن اقتدى بكل إمام جماعة لكن أحد الفريقين أكثر عددا من الآخر اختلف المشايخ فيه قال بعضهم : تفسد صلاة الفريقين جميعا وإليه مال الإمام السرخسي فقال : إن كل واحد منهما جمع تام يتم به نصاب الجمعة فيكون الأقل مساويا للأكثر حكما كالمدعيين يقيم أحدهما شاهدين والآخر أربعة ، وقال بعضهم : جازت صلاة الأكثرين وتعين الفساد في الآخرين كما في الواحد والمثنى ، وعليه اعتمد الشيخ صدر الدين أبو المعين واستدل بوضع محمد فإن محمدا قال : إذا قدم القوم أو الإمام رجلين فأم كل واحد منهما طائفة جازت صلاة أكثر الطائفتين فهذا يدل على أن كل طائفة لو كانت جماعة ترجح أيضا بالكثرة ; لأن اسم الطائفة في اللغة يقع على الواحد والاثنين والثلاثة وما زاد على ذلك ، قال الله تعالى { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } ولا شك أن كل فريق لو كان أكثر من الثلاث لدخل تحت هذه الآية وقال تعالى { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم } ولا شك أن كل فريق كان جماعة كثيرة وكذا ذكر محمد في السير الكبير أن أمير عسكر في دار الحرب قال : من جاء منكم بشيء فله طائفة منه فجاء رجل برءوس فإن الإمام ينفل له من ذلك على قدر ما يرى حتى إنه لو أعطي نصف ما أتى به أو أكثر بأن كانت الرءوس عشرة فرأى الإمام أن يعطي تسعة من ذلك لهذا الرجل كان له ذلك فتبين أن اسم الطائفة يقع على الجماعة فيرجح بالكثرة لما مر والله تعالى أعلم .

هذا إذا كان خلف الإمام الذي سبقه الحدث اثنان أو أكثر فأما إذا كان خلفه رجل واحد صار إماما نوى الإمامة أو لم ينو ، قام في مكان الإمام أو لم يقم ، قدمه الإمام أو لم يقدمه ; لأن عدم تعيين واحد من القوم للإمامة ما لم يقدمه أو يتقدم حتى بقيت الإمامة للأول كان بحكم التعارض وعدم ترجيح البعض على البعض ، وههنا لا تعارض فتعين هو لحاجته إلى إبقاء صلاته على الصحة وصلاحيته للإمامة حتى إن الإمام الأول لو أفسد صلاته على نفسه لا تفسد صلاة هذا الثاني ، والثاني لو أفسد صلاته على نفسه فسدت صلاة الأول ; لأن الأول صار في حكم المقتدي بالثاني وفساد صلاة المقتدي لا تؤثر في فساد صلاة الإمام ، ولفساد صلاة الإمام أثر في فساد صلاة المقتدي ودخل في صلاة الثاني ; لأن الإمامة تحولت إليه على ما ذكرنا ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا أحدث الإمام ولم يكن معه إلا رجل واحد فوجد الماء في المسجد فتوضأ قال : يتم صلاته مقتديا بالثاني ; لأنه متعين للإمامة فبنفس انصرافه تتحول الإمامة إليه ، وإن كان معه جماعة فتوضأ في المسجد عاد إلى مكان الإمامة [ ص: 226 ] وصلى بهم ; لأن الإمامة لا تتحول منه إلى غيره في هذه الحالة إلا بالاستخلاف ولم يوجد ، فإن جاء رجل واقتدى بهذا الثاني ثم أحدث الثاني صار الثالث إماما لتعينه لذلك فإن أحدث الثالث وخرج قبل رجوعهما أو رجوع أحدهما فسدت صلاة الأول والثاني ; لأن الثالث لما صار إماما صار الأول والثاني مقتديين به فإذا خرج هو لم تفسد صلاته على الرواية الصحيحة ; لأنه في حق نفسه منفرد وفسدت صلاة الأول والثاني ; لأن إمامهما خرج عن المسجد فتحقق تباين المكان ففسد الاقتداء لفوت شرطه وهو اتحاد البقعة ، وإن كان تباين المكان موجودا حال بقائه في المسجد ; لأن ذلك سقط اعتباره شرعا لحاجة المقتدي إلى صيانة صلاته على ما نذكر ، وههنا لا حاجة لكون ذلك في حد الندرة ولو رجع أحدهما فدخل المسجد ثم خرج الثالث جازت صلاتهم ; لأن الراجع صار إماما لهم لتعينه .

ولو رجع الأول والثاني فإن قدم أحدهما صار هو الإمام وإن لم يقدم حتى خرج الثالث من المسجد فسدت صلاتهما ; لأن أحدهما لم يصر إماما للتعارض وعدم الترجيح فبقي الثالث إماما فإذا خرج من المسجد شرط صحة الاقتداء وهو اتحاد البقعة ففسدت صلاتهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث