الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


227 [ ص: 5 ] كتاب الجمعة [ ص: 6 ] [ ص: 7 ] باب العمل في غسل يوم الجمعة

197 - مالك ، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى [ ص: 8 ] فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر " .

[ ص: 9 ]

التالي السابق


[ ص: 9 ] 5637 - فيه الندب إلى الاغتسال يوم الجمعة ، والأحاديث في غسل الجمعة كثير جدا ، منها ما ظاهره الوجوب ، ومنها ما هو ندب ، وسنبين معنى ذلك كله في هذا الباب .

5638 - وأما ذكره فيه الساعات الخمس ، وأن الصلاة كانت في السادسة فإن أهل العلم مختلفون في تلك الساعات :

5639 - فقالت طائفة : أراد الساعات من طلوع الشمس وصفائها ، وهو أفضل البكور في ذلك الوقت إلى الجمعة ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي ، وأكثر العلماء كلهم يستحب البكور إليها .

5640 - قال الشافعي : ولو بكر إليها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس لكان [ ص: 10 ] حسنا .

5641 - وذكر الأثرم : قيل لأحمد بن حنبل : كان مالك يقول : لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكرا .

5642 - قال : هذا خلاف حديث النبي - عليه السلام .

5643 - وقال : سبحان الله ! إلى أي شيء ذهب في هذا والنبي - عليه السلام - يقول : " كالمهدي جزورا " .

5644 - وأما مالك فذكر يحيى بن عمر ، عن حرملة أنه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات : أهو الغدو من أول ساعات النهار ، أو إنما أراد بهذا القول ساعات الرواح ؟

5645 - فقال ابن وهب : سألت مالكا عن هذا فقال : أما الذي يقع في قلبي فإنه إنما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات : من راح في أول تلك الساعة أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة ، ولو لم يكن كذلك ما صليت الجمعة حتى يكون النهار تسع ساعات في وقت العصر ، أو قريبا من ذلك .

[ ص: 11 ] 5646 - وكان ابن حبيب ينكر قول مالك هذا ، ويميل إلى القول الأول .

5647 - وقال : قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث ، ومحال من وجوه .

5648 - قال : وذلك أنه لا تكون ساعات في ساعة واحدة .

5649 - قال : والشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار ، وهو وقت الأذان ، وخروج الإمام إلى الخطبة ; فدل ذلك على أن الساعات المذكورات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات ، فبدأ بأول ساعات النهار فقال : من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ، ثم قال في الخامسة : بيضة ، ثم انقطع التهجير ، وحان وقت الأذان .

5650 - قال : فشرح الحديث بين في لفظه ، ولكنه حرف عن موضعه ، وشرح بالخلف من القول وما لا يتكون ، وزهد شارحه الناس فيما رغبهم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من التهجير في أول النهار ، وزعم أن ذلك كله إنما يجتمع في ساعة واحدة قرب زوال الشمس .

5651 - قال : وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار ، وقد سقنا ذلك في موضعه من كتاب " واضح السنن " بما فيه بيان وكفاية .

5652 - هذا كله قول ابن حبيب .

5653 - قال أبو عمر : هذا كله تحامل منه على مالك ، فهو الذي [ ص: 12 ] قال القول الذي أنكره ، وجعله خلفا من القول ، وتحريفا من التأويل .

5654 - والذي قاله مالك تشهد له الآثار الصحاح من رواية الأئمة ، ويشهد له أيضا العمل بالمدينة عنده ، وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل ; لأنه أمر متردد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء .

5655 - فمن الآثار التي يحتج بها مالك : ما رواه الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - قال : " إذا كان يوم الجمعة قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس : الأول فالأول ، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة ، ثم الذي يليه كالمهدي كبشا " حتى ذكر الدجاجة والبيضة . " فإذا جلس الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة " .

5656 - وقد ذكرنا الإسناد إلى الزهري في " التمهيد " من طرق جلبنا فيها الاختلاف عنه فيه ، وقد ذكرناه عن غيره أيضا من وجوه .

5657 - ألا ترى إلى ما في هذا الحديث أنه قال : " يكتبون الناس : الأول فالأول ، المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ، ثم الذي يليه " ، فجعل الأول مهجرا .

5658 - وهذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والهجير ، وذلك وقت النهوض إلى الجمعة ، وليس ذلك عند طلوع الشمس ; لأن ذلك الوقت به هاجرة ولا هجير .

[ ص: 13 ] 5659 - وفي الحديث : " ثم الذي يليه ، ثم الذي يليه " ولم يذكر الساعات .

5660 - والطرق بذلك اللفظ كثيرة مذكورة في " التمهيد " ، وفي بعضها : " المتعجل إلى الجمعة كالمهدي بدنة " ، وفي أكثرها : " المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة " الحديث .

5661 - وفي بعضها ما يدل على أنه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمهدي بدنة ، وفي آخرها كذلك ، وفي أول الساعة الثانية كالمهدي بقرة ، وفي آخرها كذلك .

5662 - وهذا كله مذكور في " التمهيد " والحمد لله .

5663 - وقال بعض أصحاب الشافعي : لم يرد النبي - عليه السلام - بالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة الناهض إليها في الهجير والهاجرة ، وإنما أراد بذلك التارك لأشغاله وأعماله من طلب الدنيا للنهوض إلى الجمعة كالمهدي بدنة ، وذلك مأخوذ من الهجرة ، وهي ترك الوطن والنهوض إلى الله ، ومنه سمي المهاجرون .

5664 - وقال الشافعي : أحب التبكير إلى الجمعة ، ولا تؤتى إلا مشيا .

5665 - وأما قوله في حديث مالك : " حضرت الملائكة يستمعون الذكر " [ ص: 14 ] فالذكر هنا : الخطبة ، وقد بين ذلك في حديث ابن المسيب عن أبي هريرة - قوله : " يستمعون الخطبة " .

5666 - وقد استدل الشافعي وأصحابه بحديث هذا الباب في تفضيل البدن على البقر ، والبقر على الضأن في الضحايا والهدايا .

5667 - وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء :

5668 - فقال مالك وأصحابه : أفضل الضحايا فحول الضأن ، وإناث الضأن أفضل من فحول المعز ، وفحول المعز أفضل من إناثها ، وإناث المعز أفضل من الإبل والبقر في الضحايا .

5669 - واحتج بعضهم في ذلك بقوله تعالى : " وفديناه بذبح عظيم " ( سورة الصافات : 107 ) وذلك كبش لا جمل ولا بقرة .

5670 - وقال بعضهم : لو علم الله حيوانا أفضل من الكبش لفدى به إسحاق ، وضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكبشين أملحين ، وأكثر ما ضحى بالكباش .

5671 - وذكر ابن أبي شيبة عن ابن علية ، عن ليث ، عن مجاهد قال : الذبح العظيم : الشاة .

[ ص: 15 ] 5672 - وقد روى الحنيني عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " نزل جبريل في يوم عيد فقلت : يا جبريل كيف ترى عيدنا ؟ فقال : يا محمد لقد تباهى به أهل السماء ، وقال : اعلم يا محمد أن الجذع من الضأن خير من المسن من المعز والبقر والإبل ، ولو علم الله ذبحا خيرا منه لفدى به إبراهيم ابنه " .

5673 - وهذا حديث لا أعلم له إسنادا غير هذا ، انفرد به الحنيني ، وليس ممن يحتج به .

5674 - قال أبو عمر : " الكبش أول قربان تقبله الله من أحد ابني آدم ، ثم فدى بمثله الذبيح ، وحسبك بهذا كله فضلا " .

[ ص: 16 ] 5675 - وقال الشافعي : الإبل أحب إلي أن يضحى بها من البقر ، والبقر أحب إلي من الغنم ، والضأن أحب إلي من المعز .

5676 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : الجزور في الأضحية أفضل ما ضحي به ، ثم يتلوه البقر ، ثم يتلوه الشاء .

5677 - ومن حجة من ذهب إلى هذا حديث هذا الباب وما كان مثله في تقديم البدن في الفضل مما يتقرب به إلى الله قوله : " فكأنما قرب بدنة ، ثم بقرة ، ثم كبشا حتى الدجاجة والبيضة " وإجماعهم على أن أفضل الهدايا الإبل ، فكان هذا الإجماع يقضي على ما اختلفوا فيه من الضحايا لأنها نسكان : شريعة ، وقربان .

5678 - وقد قالوا أيضا : ما استيسر من الهدي : شاة ، فدل على نقصان ذلك عن مرتبة ما هو أعلى منه .

5679 - وقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الرقاب ، فقال : " أغلاها ثمنا ، وأنفسها عند أهلها " .

5680 - ومعلوم أن الإبل أنفس وأغلى عند الناس من الغنم .

5681 - قال : وأما قوله تعالى : " وفديناه بذبح عظيم " ( سورة الصافات : 107 ) فجائز أن يطلق عليه عظيم لما ذكر عن ابن عباس : أنه رعى في الجنة أربعين خريفا ، وأنه الذي قربه ابن آدم فتقبل منه ، ورفع إلى الجنة ; فلهذا قال فيه : " عظيم " والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث